هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -1-
    السبت 23 فبراير / شباط 2013 - 22:30
    د. باسم سيفي
    معد ومحرر مجلة قضايا ستراتيجية
    1) نشوء وطبيعة الاحزاب السياسية
    منذ سقوط النظام الديكتاتوري الشمولي يسود ويتبلور في العراق نظام ديمقراطي ينتخب فيه الشعب العراقي قادته من خلال الانتخابات التي يفترض بها ان تكون حرة ونزيهة وبعيدة عن تلاعب المتنفذين والاجندات الاجنبية التي قد يضرها بناء ونهوض العراق الديمقراطي التعددي. على القادة الحاليون، والقادمون في الدورة الانتخابية القادمة، في السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية مهمات تاريخية جسيمة تحدد حاضر ومستقبل العراق ليكون اُمة استهلاكية تستورد رفاهيتها (غذاءها وملبسها وعافيتها وسياراتها وكل ما يحلو لها) وتنهار بعد نضوب النفط ام اُمة منتجة تستخدم النفط ومواردها الطبيعية والبشرية لبناء قطاعاتها الصناعية والزراعية والخدمية على اسس الاستدامة وتضمن لكافة مواطنيها مستوى معقول من الغذاء والصحة والتعليم والسكن والجماليات ومن حرية الاختيار في الاستهلاك المادي والمعنوي وفي السياسة والثقافة والروحانيات. رغم ان في ما بين الاسود والابيض الوان رمادية يتفاوت فيها طغيان السواد او البياض إلا انه من المفيد مناقشة الثنائيات المهمة في الامور المهمة في تطور المجتمع.
    شروط الخيار الاول هو هيمنة القادة المَصلحيين ذوي الكفائة الواطئة ويستمدون قوتهم من علاقاتهم القومية والدينية/الطائفية والعشائرية والمقاطعية او حتى الخارجية ضمن الاطار الحزبي الذي يجمعهم. ومن شروط هذا الخيار ايضا ضعف الهوية الوطنية العراقية وتنظيمات طبقات المجتمع المنتجة التي ترتبط مصالحها بحماية وتطوير الانتاج الوطني. شروط الخيار الثاني هو هيمنة القادة المخلصين وذوي الكفاءة العالية ويستمدون قوتهم من ثقة المواطنين في امكانياتهم وحسب برامجهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. من شروط هذا الخيار ايضا هيمنة الهوية الوطنية على حساب الهوية الطائفية والقومية والمقاطعية والعشائرية وكذلك هيمنة او وجود بقوة الاحزاب الممثلة للطبقات المنتجة من عمال ورأسمالية صناعية ومزارعين. عالم الاقتصاد والفلسفة امارتا سن يدعونا في احد كتبه الى فهم الانسان المعاصر على انه يملك هويات متعددة (وطن، مهنة، دين، لغة، مذهب، مدينة، عشيرة) وكل واحدة منها يمكن ان تتقوى او تتراجع حسب الظروف المحيطة مكانيا وزمانيا وحسب وعي المعني وتجربته. ومع ذلك فان بناء دولة للجميع يتطلب هيمنة الهوية الوطنية لسن قوانين ونظم مشتركة وان كانت تحمي الخصوصية والهويات الاخرى.
    فالاساس الذي يتم فيه اختيار ممثلي العراق في المجلس الوطني مهم جدا ويستحق المناقشة الواسعة لان نوعية اعضاء المجلس الوطني وتوجهاتهم هو من يحدد نوعية وتوجهات السلطة التنفيذية والقضائية من خلال خياراتهم المستندة على الاغلبية البرلمانية في تعيين الشخصيات القيادية واصدار القوانين الضرورية في عمل الدولة وتوجه المجتمع. فالكرة اذن في يد الشعب العراقي ليرينا نوعية ممثليه في السلطة التشريعية. لاول مرة في التاريخ لدى العراقيين امكانية اثبات ما يمكن ان قال الحجاج فيهم "قال الخصب: انا انزل العراق، فقال النفاق وانا قادم معك" ام ما يمكن ان قاله الجاحظ فيهم "قال العلم انا ذاهب الى العراق، فقال العقل وانا قادم معك". فهل يسود العقل والجدل واستخدام المعرفة في اتخاذ القرارات وبالاخص في اختيار ممثلينا في المجلس الوطني ام نستمر في سيادة العواطف وننتخب ممثلين غير كفوئين ولا يخدمون العراق بالدرجة الاساسية بل مصالحهم الشخصية والطائفية والقومية او المقاطعية؟
    المتعارف عليه في الديمقراطيات الحديثة ان يتم اختيار اعضاء المجالس الوطنية على اساس الاحزاب التي ينتمون اليها وبرامج هذه الاحزاب، والتساؤلات التي يجب ان تطرح وسنناقشها في سلسلة من المقالات هي من المفترض ان تمثل هذه الاحزاب؟ هل هي طبقات المجتمع أم اطيافه الدينية والمذهيبة أم مناطقه الجغرافية؟ وما هي الايجابيات والسلبيات في هذه الخيارات المختلفة؟ ليس التحزب والاحزاب بشئ جديد في التاريخ الانساني فقد كانت ولا زالت مصدر ووسيلة لاحداث تغيرات اجتماعية، سلبية كانت ام ايجابية. التحزب وتشكيل التجمعات ظاهرة قديمة وطالما كان هناك قادة كان هناك ايضا من يسعى لان يكون قائد ويجمع الاتباع لذلك اما لانه يعتقد بافضليته او احقيته او لان مركز القائد مغري ويستحق المغامرة للاستحواذ عليه. نظرية ابن خلدون في نشوء وبناء ونضوج وانهيار الدول تبدأ من تحزب ونجاح مجموعة عقائدية او ذا عصبية في اخذ السلطة لتنفيذ افكارها او مصالحها. فالتحزب حول الافكار ليس بالحديث ايضا ولكن الحديث تشكيل احزاب ذات اهداف معلنة وبرامج سياسية واجتماعية واقتصادية وايضا تنظيم داخلي يحدد العلاقة بين اعضاء الحزب وهيكلية الحزب واصول اختيار القادة فيه.
    تعلمنا رسالة الامام علي ابن ابي طالب الى مالك الأشتر حين ولاًه مصر ان ندرس طبقات المجتمع واوضاعهم لتسهيل امورهم الانتاجية والمعاشية لما هو ايضا لخير المجتمع الذي يتكاملون فيه "واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض" ثم يضيف "ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه". اي من واجب الدولة متابعة امور هذه الطبقات ومساعدتهم عند الحاجة ليتمكنوا من معالجة مشاكلهم وممارسة نشاطهم بشكل جيد. تعلمنا الرسالة ايضا اشاعة الحق والمساوات بين المواطنين بغض النظر عن اصولهم ومذاهبهم وعقائدهم "وأشعرقلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهن سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخَلقِ". لم نعمل بهذه التعاليم التي تشير الى تجمعات الطبقات والاثنيات ودولة المواطنة والمساوات بين الناس، ولكن نرى وبعد اكثر من الف عام كثير من الدول تتبنى مثل هذه المبادئ وتعمل عليها في بناء اوطانها وشعوبها.
    مع نشوء الدولة الحديثة خلال القرون القليلة الماضية ضمن تبلور عصر النهضة والتنوير وانتشار افكار الثورة الفرنسية التحررية برزت في اوروبا احزاب كثيرة تدعو الى تحديث الدولة القومية وتنمية المجتمع والترسيخ التدريجي لفكرة الديمقراطية وتمثيل الشعب في جمعيات وطنية منتخبة تعتبر اهم واعلى سلطة تشريعية في البلاد. صدى ذلك على الشرق الاوسط كان واضحا في الحركة الدستورية وانتشار اطروحات التحرر والنهضة الاسلامية والعربية والتركية والفارسية مع انتشار افكار الافغاني ومحمد عبدة والكواكبي. السلاطين والولاة الاصلاحيين العثمانيين وتجمع تركيا الفتاة كان له تأثير كبير في الحراك السياسي في الدولة العثمانية وحفز نشوء حركات واحزاب في العراق حتى قبل بداية القرن العشرين ومع انتهاء الحرب العالمية الاولى انتشرت التنظيمات السياسية ومطالب التحرر والتقدم وبناء دولة حديثة. مع تقدم التصنيع والديمقراطية ظهرت ايضا في العديد من الدول الاوروبية احزاب تمثل طبقة الفلاحين والعمال والرأسمالية الوطنية.
    في العراق تشكلت في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي احزاب عديدة تمثل الحركات الوطنية والقومية والطبقية التي افرزت احزاب تمثل الرأسمالية الوطنية والطبقة العاملة المتصاعدتين في المجتمع ولكن مع نهاية الستينات انتهت تقريبا هذه الاحزاب من العمل العلني مع سيطرت الحزب الواحد على مقاليد الدولة وقمع التنظيمات المستقلة وانهاءها. مع الزيادة الكبيرة في ايرادات النفط في السبعينات اصبحت الدولة العراقية ولاتزال ريعية تجذب المغامرين والطفيليين للاستفادة من ايرادات النفط لمصلحتهم الخاصة وتمويل استهلاك متزايد يلبى بشكل عام عن طريق الاستيراد وليس زيادة الانتاج الوطني الصناعي والزراعي. فنرى التهافت على المراكز في الدولة العراقية وتدهور الاخلاق والانتاجية حيث التعينات لا تتم حسب الكفاءة والمقدرة بل حسب المحسوبية والمنسوبية والانتهازية والشراسة.
    عقود من الدكتاتورية والسياسات الهوجاء دمرت الاقتصاد العراقي وانهت اي تنطيم لطبقات الشعب المنتجة. مع سقوط النظام الدكتاتوري وبدأ بناء العراق الجديد على اسس الديمقراطية والتعددية برزت احزاب وتجمعات كثيرة جدا تمثل بمعظمها الطوائف والقوميات والمقاطعات والعشائر العراقية وايضا رؤى فكرية وتوجهات عقائدية واصبحت الاحزاب والتكتلات بالنسبة للكثيرين وسيلة للحصول على غنائم الدولة فرديا وعائليا وحزبيا. فنرى كثرة من السياسيين ذوي المستويات الواطئة وحتى الشهادات المزورة او الهزيلة ممن يستثمرون الاموال ويبيعون كرامتهم للحصول على المناصب ذات الرواتب والامتيازات المجزية. خمسة آلاف دولار راتب شهري لاعضاء في مجلس النواب العراقي لايعرفون الفرق بين النظام البرلماني والرئاسي في ديمقراطيات العالم! ولا بين موازنة الدولة وميزان المدفوعات والدخل الوطني!، ومئات من الاحزاب بدون نظام داخلي ولا انتخابات ولا سجل ايرادات وصرفيات!، ودولة بدون قانون احزاب ويسودها قانون انتخابات بائس يسمح لمن يجمع 500 صوت بالرشى او القرابة او وعود مغرية ان يجلس في مجلس النواب العراقي! ألا نستحي وقد كانت لدينا اول برلمانات العالم!
    يتكون العراق حاليا من طبقات متعددة ومتشرذمة ومتشابكة وغير واضحة المعالم في العمليات الانتاجية وايضا من قوميات وطوائف عديدة شكلت الموزايك العراقي لقرون والفيات ومنهم من استوطن العراق قبل توسع العرب والكرد مثل السريان والصابئة واليهود. في التقسيم الاول وهو المرتبط بالعملية الانتاجية يمكن فرز اربعة طبقات متداخلة وهي العمال (ومنهم من يعمل في مصانع الدولة واصبحوا موظفين) والمزارعين (ومنهم رأسماليين يوظفون عمال زراعيين) والرأسمالية الصناعية والتجارية (ومنهم كثرة من اصحاب الورش والتجار الصغار والكسبة) وطبقة الموظفيين التي تعيش بمعظمها على رواتب الدولة وايرادات النفط بشكل مباشر. في التقسيم الثاني وهو مرتبط بالثقافة اللغوية والدينية يمكن فرز عشرات من التجمعات القومية والدينية المنقسمة على نفسها بسبب التعددية في الاديان والطوائف داخل كل قومية وتعددية الطوائف والاقوام داخل كل دين. مؤخرا وبسبب حصول الكرد على مكاسب كبيرة في اقليم كردستان بدأت تظهر تجمعات واحزاب على مستوى المحافظات تأمل بمكاسب اكبر للمحافظة او اصوات اكثر لمركز افضل، وتطالب بعضها بجعل محافظتهم اقليم لا تتدخل فيه الدولة الاتحادية ويأخذون حصتهم.

    -    يتبع
    www.qs-iq.com
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media