هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -2-
د. باسم سيفي
2) مشكلة هيمنة احزاب الطوائف والقوميات والمقاطعات
منذ سقوط النظام الديكتاتوري يتبلور في العراق نظام ديمقراطي ينتخب فيه الشعب العراقي قادته من خلال الانتخابات التي يفترض بها ان تكون حرة ونزيهة وبعيدة عن تلاعب المتنفذين والاجندات الاجنبية. مع تزايد ايرادات النفط يواجه العراق وسلطته التشريعية والتنفيذية تحديات كبيرة تتمثل في جعل العراق امة منتجة تستخدم النفط ومواردها الطبيعية والبشرية لبناء قطاعاتها الصناعية والزراعية والخدمية على اسس الاستدامة وتضمن لكافة مواطنيها مستوى معقول من العمل والغذاء والصحة والتعليم والسكن والجماليات والثقافة والروحانيات. فهل لدى سياسييه واحزابه المتنفذة، وهم بمعظمهم يمثلون طوائف وقوميات العراق، الامكانية لهذه المهمة ام سيستمرون في تمثيل مصالح مكوناتهم ومصالحهم، رغم القسم الذي أدوه لخدمة العراق، وتبذير وقتهم في مناقشات ومناكدات عقيمة لامور تتعلق بتوزيع المناصب وافشال الاخر بدلا من المساهمة بالنجاح. في الحلقة السابقة ناقشنا بعض الامور المهمة في الموضوع اهمها طبيعة الاحزاب الموجودة وغياب تمثيل طبقات المجتمع المنتجة. في هذه الحلقة نناقش سلبيات هيمنة احزاب الطوائف والقوميات والمقاطعات.
منذ ستينات القرن الماضي وكجزء من حركة ما بعد الحداثة العالمية نلاحظ تراجع دور الدولة المركزية الوطنية النسبي لصالح العالمية والمحلية رغم ان دورها المطلق في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الوطنية في ازدياد ايضا. عولمة الانتاج والاستهلاك، تصاعد دور تقنيات الاتصال البصرية والالكترونية، ظهور حركات اجتماعية عالمية، وازدياد المشاكل البيئية العالمية تقوي حاجة المجتمعات البشرية الى حلول واجراءات عالمية لمعالجة ماهو متجدد من مشاكل اجتماعية واقتصادية وبيئية مشتركة. ومن جهة اخرى نرى تزايد الضغوط على الدول المركزية لاعطاء مزيد من الصلاحيات والموارد لتنظيمات الدولة اللامركزية والمحلية نظرا لنمو البيروقراطية وفشل الدولة المركزية في تقديم مستوى جيد من الخدمات التي تخص المواطنين على المستوى المحلي من تعليم وصحة وخدمات بلدية وثقافية مناسبة لقيم وتراث المجتمع المحلي وايضا لنمو قوة الهوية الاثنية (الطائفة والقومية) وانتشار مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان والمرأة والاقليات.
هذا التطور يمكن ان يكمل او يحسن عمل الدولة المركزية في العراق، التي يريدها الجميع وحسب الدستور ان تكون دولة مواطنة يتساوى فيها المواطنين في الحقوق والواجبات والفرص، اذا فهم بشكل صحيح وامين خاصة في تفرغها لمعالجة القضايا الستراتيجية العامة التي تخص العراق والعراقيين كافة بغض النظر عن انتماءهم القومي والمذهبى والطبقي والمكاني حاضرا ومستقبلا. فبناء وتشغيل مدرسة ومستوصف ومركز ثقافي ورياضي امور تخص المواطنين محليا وضمن انتماءهم القومي والاثني ومن الافضل للدولة المركزية ان تترك المسؤولية في هذه الامور. اما اذا استغل ك "كلمة حق اريد بها باطل" لتلبية اهواء المغامرين والمصلحيين من قادة الطوائف والمناطق فسيعمل على تهميش الدولة المركزية وعدم امكانية بناء العراق المنتج وحماية موارده الطبيعية لمنفعة المجتمع حاضرا ومستقبلا. من اقبح الباطل نراه في مطالبة البعض بين حين وآخر جعل محافظة او محافظات اقليم اسوة باقليم كردستان، الذي اصبح من الناحية العملية اشبه بدولة مستقلة ولكن تشارك جارتها في الادارة والموارد، لانه سيؤدي تدريجيا الى تفتت العراق وفيه يخسر العراقيون ويربح اعدائهم من جراد محلي وجوار دكتاتوري وشركات نفطية تريد حصة اكبر من نفطهم.
التطور باتجاه تمثيل المكونات يمكن ملاحظته في المجتمع العراقي منذ عقود وان كان تحت السطح بسبب هيمنة الدكتاتورية وعند سقوطها برز بتطرف لا يخدم المجتمع العراقي. عقود من الاضطهاد والتميز ساهم في تعزيز الانتماء الاثني (القومية، الدين، الطائفة، العشيرة) على حساب الانتماء العراقي والطبقي وفي ركون الطوائف والاثنيات الى احزاب سياسية ومنظمات عسكرية تمثلها. خيار الناس بعد السقوط في انتخابات مجلس النواب (اعلى سلطة في العراق تحدد وتوجه مسار الدولة العراقية) اصبح متأثرا وبدرجة كبيرة بالولاءات الطائفية والقومية والعشائرية وحتى المقاطعية على حساب التمثيل الذي يعتمد الكفائة والوطنية والبرامج الاقتصادية والاجتماعية فبرزت مئات من الاحزاب والتجمعات التي تمثل بمعظمها الطوائف والقوميات والمقاطعات العراقية، وغابت تقريبا الاحزاب الوطنية العامة والطبقية. من اهم سلبيات هذا الوضع هو التالي:
1. تعزيز تشرذم العراق الى احزاب وكيانات عديدة يصعب من خلالها ادارة البلاد في طريق البناء والانتاج لان ذلك يتطلب توحيد الرؤى ووضع الستراتيجيات المتوافق عليها ضمن المصلحة الوطنية ولا يتحمل ابتزازات احسنها "اوافق اذا عملتم كذا لطائفتي او منطقتي" واسوأها "اوافق لو تعاقدنا مع الشركة الفلانية او لو دفعنا صرفيات الشركات التي تعاملت معي". من القبائح التي نراها تتكرر عند اقرار الميزانية السنوية هو تأخيرها المضر للعراق بسبب الابتزاز وليس المهنية.
2. اطلاق جنٍي الانانية من قمقمه حيث كل مكون ومحافظة تحاول ان تكسب على حساب المصلحة المشتركة. المشكلة يمكن تصورها عندما يوجد مثلا مشروعين الاول يعطي 8 للعراق منها واحد فقط للمكون او المحافظة والثاني يعطي 7 للعراق منها 2 للمكون/محافظة، فأي من المشروعبن سيختار حزب المكون/المحافظة؟ كثرة الحديث عن ما لك ولي وله يولد التنافر وكثرة الحديث عن ما لنا يولد التعاون والالفة.
3. ان دولة المواطنة تتطلب قوانين وسياسات محايدة لا علاقة لها بالخلفية الاثنية والطائفة او المحافظة بل تعتمد المعرفة والمهنية والانتماء للقضية العامة، وفي هذا يصعب على ممثل الطائفة تقديم سياسة لصالح المصلحة العامة لانه من جهة قد لا يكون مؤهلا حيث اساس انتخابه الولاء للمكون ومن جهة اخرى يجابه ازدواجية الولاء والكذب على النفس تبدأ منذ اليوم الاول الذي عليه ان يقسم على العمل لمصلحة العراق.
4. الدولة الريعية الغنية بموارد النفط تمكن احزاب الطوائف والقوميات والمحافظات من الحصول على منافع لافراد من المكون وليس كله من خلال التعينات والامتيازات التي تجلب المنافع لافراد المكون حسب موقعهم من القيادة ومركز القرار، وهو ما يمكن اعتباره مصيبة العراق الحالية لانه يشجع الانتهازيين والمصلحيين على استلام المسؤولية على حساب الكفوئين والمخلصين، وايضا لانه يفضل الولاء على حساب المهنية.
5. انشغال ممثلي الشعب بقضايا ومصالح مكوناتهم والمساومات مع، او التكتل ضد، المكونات الاخرى تشغلهم عن مناقشة بناء قطاعات العراق الانتاجية وكيفية دعم طبقاته الانتاجية من عمال ومزارعين ورأسمالية صناعية وطنية. ان تنشغل الدولة المركزية في صراعات ومساومات مع محافظات واقاليم العراق مثل ما يحدث الان مع اقليم كردستان والمحافظات الغربية تلهي وتشغل الشعب والدولة عن معالجة تحديات انتاجية مصيرية.
انهاء هذا الوضع مهم جدا لحاضر ومستقبل العراق لان استمراره يعني دمار العراق بدرجة اكبر منما صنعته الدكتاتورية التي لم تستطع انهاء الالفة بين مكونات الشعب ولا روح الوطنية والتحمل والعطاء ولا القوى والطبقات الانتاجية، ولكن الوضع الحالى قادر على ذلك اذا استمر لفترة طويلة. امكانية وشرط انهاء المشكلة جيدة جدا وما على القوى والاحزاب والشخصيات الوطنية إلا الاستجابة لها بشكل فعال من خلال اختيار شخصيات متمكنة وكفوءة ومشهود لها بالوطنية ليكونوا اعضاء في مجلس النواب العراقي، وايضا دعم تشكيلات الاحزاب الوطنية والطبقية والاجراءات والسياسات التي تقود الى توسع القطاعات الانتاجية والاستفادة من الامكانيات التالية:
اولا، المنطق السليم في عصرنا هذا يشير الى ان عمارة الارض والبلاد يتطلب فهم جيد لعلم الاقتصاد ويعني العناية المتوازنة بين الرأسمالية الوطنية والعمال والمزارعين لانهم عماد اقتصاد البلدان وتكامل وتواصل المجتمعات في العصر الحديث ومنتجي ما يستهلكه المجتمع من بضائع وخدمات. اما الموظفون في الدولة فعملهم داعم لعمل تلك الطبقات ويجب ان لا يكونوا اساس الاقتصاد والطبقات الاخرى تعمل لخدمتهم كما هو حاصل في العراق (وفي معظم البلدان النفطية) منذ سبعينات القرن الماضي. فهم هذه الحقيقة ومعالجتها يعني ضرورة تراجع طبقة الموظفين وتقدم الطبقات المنتجة.
ثانيا، تطبيق فكرة المواطنة وتوزيع الصلاحيات عموديا نحو المحليات حسب المصلحة العامة والكفائة وتمثيل كافة مكونات الامة العراقية في السلطات والمواقع الحساسة امر لا يتجرأ احد ان يصرح علنا ضده وبالضرورة يؤدي الى تسامح اكبر بين المكونات وتضييق مساحة المزايدة من قبل القادة الانتهازيين. ولكن يجب ان لايعني هذا الانغمار في توزيع الوظائف الحكومية والمناصب والامتيازات حسب المكونات والولاءات واهمال موضوع بناء الاقتصاد العراقي وموضوع الاهتمام بطبقات الشعب المنتجة.
ثالثا، ان التنمية وتوسع الاقتصاد يمكن ان ينفع جميع الطبقات المنتجة اذا حدثت نوع من المساومات بينها يمكنها من الوقوف بوجه طبقة الموظفين وتحويل العراق الى مجتمع استهلاكي يستورد ما هو ضروري وغير ضروري. وحيث ان الطبقات المنتجة تشكل الغالبية في جميع المكونات العراقية فالتنمية والتوسع الاقتصادي سينفع جميع المكونات اكثر من حتى توزيع عادل في التوظيف لدى الدولة.
رابعا، امكانية تحول او تطور بعض الاحزاب والتكتلات الى الوطنية وتمثيل الامة ككل من خلال سياسات وبرامج لصالح الامة بشكل عام وهو ما يحاول كثير من الاحزاب والتكتلات اليوم عمله. اما احزاب وسياسيي المصلحة الخاصة فسرعان ما يضربوا على وتر الطائفية (الاثنية) والمظلومية لضمان بقائهم على المسرح السياسي والتمتع بالمكتسبات.
خامسا، تجارب الشعوب وتطور علم الاقتصاد يمكن ان تساعدنا في تجنب السياسات ذات العواقب الوخيمة مثل طبع نقود بدون رصيد او ترك السوق يعمل بدون ضوابط او الغاء السوق والتركيز على التخطيط المفصل. هذه المعرفة تعطي المهنية مجال اوسع وموقع اكبر في اتخاذ القرارات وهذا يعني مرونة اكبر في احزاب الطوائف والقوميات والطبقات باتجاه الوسط والوطنية.
سادسا، رغم القيل والقال في موضوع الفساد والرشى هناك كثرة من السياسيين المخلصين والنزيهين وكثير منهم ابناء مزارعين وعمال ورأسمالية وطنية يمكنهم بسهولة فهم ضرورة وجود احزاب وطنية وطبقية فاعلة على المسرح السياسي العراقي وهذا يعني تشجيع مثل هذا التوجه خاصة اذا تمكن المثقفون العراقيون بلعب دور ايجابي في تطوير العملية السياسية.
سابعا، الجراد المسافر يأكل الاخضر واليابس بدون التفكير في العقبات وما يتركه من دمار اما الانسان العاقل الذي يستخدم المعرفة والمنطق وتَهمه السمعة له ولنسله فيأكل من تعبه وانتاجه ولا يتبع مقولة "اصرف ما في الجيب (على المستوى الفردي والوطني) يأتيك ما في الغيب". نرى في اوساط الشعب العراقي ومثقفيه وقادته السياسيين من هم ينتمون الى المجموعتين، ولنا ان نسأل من سيسود؟
ثامنا، فطنة العراقيين واستخدامهم العقل التي اشار بها الجاحظ واثبتتها تجارب الايام الخوالي والتي جعلتنا اهل رأي واجتهاد ومركز علم وثقافة تعددية، لا بد ان تنهي ما نشاهده من مهازل مخجلة مثل الرواتب العالية للمسؤولين وبالاخص اعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات الذين يشغلون عمل تكليفي مؤقت وليس توظيف مهني ومثل انتخاب وتعيين اشخاص غير مؤهلين، فالنائب يجب ان يعرف الدستور ومعنى الموازنة العامة واهميتها وفرقها عن الدخل الوطني وميزان المدفوعات الخارجية وايضا الفرق بين الديمقراطية الرئاسية والبرلمانية لكي لا نصبح اذكى من الانكليز والالمان.
- يتبع
www.qs-iq.com
هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -1- - د. باسم سيفي
23/02/2013 - 22:30 مقالات