هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -3-
    الأربعاء 3 أبريل / نيسان 2013 - 21:20
    د. باسم سيفي
    معد ومحرر مجلة قضايا ستراتيجية
    3) اهمية ظهور احزاب تمثل الطبقات المنتجة
    التحدي الاكبر للعراق هو عدم تحوله الى امة استهلاكية كسولة تستورد رفاهيتها بفضل انتاج متزايد من النفط، اي على السياسيين في السلطة التشريعة والتنفيذية قيادة العراق نحو بناء قطاعاته الانتاجية والخدمية على اسس الاستتدامة اهمها الزراعة والصناعة. في حلقات سابقة ناقشنا نشوء وطبيعة الاحزاب العراقية في ظل ايرادات نفطية متزايدة وتراجع الانتاج الوطني لصالح المستورد ومساوئ هيمنة احزاب الطوائف والقوميات والمقاطعات على الدولة العراقية. في هذه الحلقة نناقش اهمية تواجد احزاب قوية تمثل طبقات المجتمع المنتجة تسعى لتوسيع وحماية مصالح العمال والرأسمالية الصناعية والمزارعين وتكبح تضخم الدولة وما يجلبه من مشاكل اقتصادية تعيق نمو المنتجات المحلية. مصانعنا شبه الواقفة عن العمل وبساتين السواد المتدهورة واعداد كبيرة من حرفينا الذين لا يزال بالامكان مشاهدتهم في شوارع مدننا الخلفية كلها مهددة بفعل منافسة المستورد وسوء السياسات الاقتصادية.
    مع تقدم وتوسع التصنيع والديمقراطية ظهرت في العديد من الدول الاوروبية احزاب تمثل طبقة المزارعين والعمال والرأسمالية الوطنية عملت وتعمل على تطوير وحماية الانتاج والاقتصاد الوطني لصالح الطبقات التي تمثلها. ففي السويد مثلا ساد المشهد السياسي خلال القرن العشرين احزاب تمثل هذه الطبقات تمكنت من خلال الصراع السياسي والمساومات والتحالفات ان تطور وتوسع الاقتصاد السويدي بقطاعاته المختلفة وتحقيق مكاسب متميزة للطبقة التي تمثلها. ففي انتاج وتوفير الغذاء لكافة المواطنين تمكنت تحالفات حزب العمال وحزب الفلاحين في وضع سياسات وستراتيجيات مرنة ادت الى انهاء حالات الجوع الدورية عند سوء الاحوال الجوية والى التحسن المستمر في المستوى الغذائي وحتى انتاج الفائض نحو نهاية القرن. مثل هذه النجاحات تحققت ايضا في الصناعة والخدمات. وعلى ايدي حزب العمال الذي فهم اهمية دعم الرأسمالية الصناعية والتصنيع ورفع انتاجية العمل لتتمكن الطبقة العاملة من الحصول على مكاسب اقتصادية صلبة تم بناء مجتمع الرفاهية والكرامة السويدي الذي نفع جميع الطبقات والمكونات من خلال جعل الانتاج الصناعي والزراعي اكبر.
    في العراق تشكلت في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي احزاب تمثل الرأسمالية الوطنية والطبقة العاملة المتصاعدتين في المجتمع ولكن مع نهاية الستينات انتهت تقريبا هذه الاحزاب مع سيطرت الحزب الواحد على مقاليد الدولة وقمع التنظيمات المستقلة وانهاءها. مع الزيادة الكبيرة في ايرادات النفط في السبعينات اصبحت الدولة العراقية ولاتزال ريعية تجذب المغامرين والطفيليين للاستفادة من ايرادات النفط لمصلحتهم الخاصة وتمويل استهلاك متزايد يلبى بشكل عام عن طريق الاستيراد وليس زيادة الانتاج الوطني الصناعي والزراعي. عقود من الدكتاتورية والسياسات الهوجاء دمرت الاقتصاد العراقي وانهت اي تنطيم لطبقات الشعب المنتجة. مع سقوط النظام الشمولي وبدأ بناء العراق على اسس الديمقراطية والتعددية برزت احزاب وتجمعات كثيرة تمثل بمعظمها الطوائف والقوميات والمقاطعات العراقية وتتصارع للحصول على غنائم الدولة لمصلحة من يمثلون وايضا للمصلحة الفردية والعائلية والحزبية.
    في مجتمعات ودول العالم نرى سيادة النظم الديمقراطية والاقتصاد المشترك وان اختلفت في النوعية والدرجة فديمقراطية الولايات المتحدة تختلف عن ديمقراطية فرنسا او اليابان وان اشتركت معهم في الاسس من ناحية القانون الاساسي والتداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات الشعب، واقتصاد السويد يختلف عن اقتصاد اسبانيا او ماليزيا من ناحية حجم تدخل وملكية الدولة وان كان يتشابه معهم في استخدام آلية السوق وتدخل الدولة في تنظيم الاقتصاد. ونرى ايضا بان البلدان الاسكندنافية والتي سادت فيها احزاب الاشتراكية الديمقراطية كممثلة للطبقة العاملة حققت مستويات معيشة وعدالة اجتماعية هي الاعلى بين دول العالم من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية تحدد ديمقراطيا وتستخدم آلية السوق، النظم والقوانين، والتخطيط المرن بمنهجية برغماتية (عملية). هذه الملاحظات والحجج يفترض ان تعلمنا والاحزاب الوطنية التركيز على بناء وتطوير قطاعاتنا الانتاجية وتشجيع ظهور احزاب تمثل الطبقات المنتجة من عمال ومزارعين ورأسمالية منتجة.
    عمارة الارض والبلاد يتطلب فهم جيد لعلم الاقتصاد ويعني العناية المتوازنة بين الرأسمالية الوطنية والعمال والمزارعين لانهم عماد اقتصاد البلدان وتكامل وتواصل المجتمعات في العصر الحديث ومنتجي ما نستهلكه من بضائع وخدمات. اما الموظفون في الدولة فعملهم داعم لعمل تلك الطبقات ويجب ان لا يكونوا اساس الاقتصاد والطبقات الاخرى تعمل لخدمتهم كما هو حاصل في امثلة الدكتاتوريات النفطية منذ سبعينات القرن الماضي. يقول المثل الشعبي: "لا يلدغ العاقل من جحر مرتين". ماعمله النفط بنا في عصر الدكتاتورية يجب ان لايتكرر في عهد الديمقراطية. منذ سنوات وعدد من الباحثين يناقشون مقولة "لعنة الموارد الطبيعية" وهي باختصار ملاحظة ضعف التنمية وشيوع الاستبداد والادارة السيئة في البلدان التي لديها كثير من الموارد الطبيعية وفي هذا يذكر العراق كافضل مثل في "لعنة النفط". مع الزيادات الكبيرة في انتاج النفط والتي من المتوقع ان تصل 5-6 مليون برميل يوميا عام 2016. فما الذي ستصنعه ايرادات النفط الهائلة، والتي نحصل عليها بدون تعب، بالمجتمع العراقي على المدى القريب والبعيد؟
    جوهر الموضوع هو ان الناس والطبقات المنتجة لهم مصلحة اقتصادية في زيادة الانتاج الصناعي والزراعي وحتى الخدمي، فهم بالنتيجة يعملون ويطالبون بتوظيف موارد النفط لزيادة الانتاج المحلي. ان الطبقات المنتجة لهم مصالح اقتصادية متعارضة مثلا زيادة رواتب العمال تقلل من ارباح صاحب العمل المباشرة واخرى مشتركة او متناغمة مثل اعاقة استيراد منتوج محلي يزيد من ربحيته ويوسع العمل فرواتب العاملين. تجارب الشعوب والمنطق تشير الى وجوب تنظيم هذه الطبقات لاحزاب تمثلها للدفاع عن مصالحها الحيوية والوصول الى اتفاقيات مناسبة في السباسات خاصة وان التنمية وتوسع الاقتصاد الانتاجي يمكن ان ينفع جميع الطبقات المنتجة اذا حدث نوع من المساومات بينها يمكنها من الوقوف بوجه طبقة الموظفين وتحويل العراق الى مجتمع استهلاكي يستورد ما هو ضروري وغير ضروري.
     في تقوية احزاب الطبقات المنتجة هناك موضوعين يستحقان المناقشة. الاول هو التخصص في فهم مصالح الطبقة المعنية وتوافقاتها وتعارضها مع مصالح الطبقات الاخرى والمجتمع العراقي ككل وفي فن التفاوض وسبل تحشيد الدعم لسياسات تنفع الطبقة المعنية. مصالح كل طبقة متعددة ومعقدة وتختلف بالاهمية وفي درجة المساندة والتعارض من قبل طبقات المجتمع الاخرى. هذا التخصص ليس تقني فقط يمكن لاي حزب اثني (يمثل طائفة او قومية) او عام ان يوظفه ليتمكن من الجلوس على كراسي مختلفة (يمثل طبقات مختلفة) بل هو ايضا فكري وسياسي يحتاج الى ترابط روحي ونفسي وايمان بعدالة واهمية قضية الطبقة التي يمثلها في العراق. اي ان تمثيل العمال مثلا من قبل حزب سياسي خاص بهم ضروري ولا يعوضه تمثيل الاحزاب العامة والوطنية وتبنيها سياسات صناعية قد تنفع او تضر بمصالح العمال.
    الموضوع الثاني هو تقارب مصالح وتطلعات الطبقات المنتجة من مزارعين وعمال وراسمالية صناعية وطنية في الصناعة والزراعة وتعارضها مع مصالح وتطلعات طبقة الموظفين والمشتغلين بالخدمات والرأسمال التجاري. تعارض المصالح نقصد به تعارض المصالح حول التوزيع الشرعي لموارد الدولة وفق القوانين التي يشرعها مجلس النواب العراقي. مصالح المجموعة الاولى تؤدي الى سياسات تبني وتوسع الانتاج الوطني الزراعي والصناعي في حين تؤدي مصالح المجموعة الثانية الى سياسات توسع قطاع الدولة والخدمات والاستيراد. مصالح الاولى في الرسوم الكمركية ودعم الاستثمار في الانتاج الزراعي والصناعي. مصالح الثانية في توسيع التعينات الحكومية وزيادة الرواتب وتخفيض الاسعار وعدم فرض رسوم كمركية.
    التقسيم في الموضوعين اعلاه يجب ان لا يفهم بحرفية بل بعمومية فيها قدر كبير من التنوع والتعقيدات المتداخلة. فاولا ليست المصالح الاقتصادية هي السبب الوحيد في مواقف الانسان وقراراته فهناك المسائل الاخلاقية والقضايا الفكرية والعلاقات الاجتماعية التي تؤثر ايضا على قراراتنا. وثانيا هناك تداخل في الموقع الطبقي فالمزارع يمكن ان يكون ايضا موظفا في الدولة او تاجر او اخيه او ابنه عامل وهلم جرا من العلاقات المتباينة والمتغيرة. وثالثا هناك ايضا شيء اسمه المصلحة العامة والذي يتأثر بتقارير المختصين والعلماء وبالتوعية ووسائل الاعلام وايضا قوة الانتماء الوطني الذي يمكن ان يكون اقوى من الانتماء الطبقي او الاثني.
    -    يتبع

    1. هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -1- - د. باسم سيفي
      23/02/2013 - 22:30 مقالات
    2. هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -2- - د. باسم سيفي
      07/03/2013 - 21:54 مقالات
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media