هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -4- حزب شيوعي ديمقراطي لا اشتراكي ديكتاتوري
د. باسم سيفي
يقف العراق على عتبة الخيار بين توظيف موارد النفط المتزايدة في جعل العراق مجتمع استهلاكي كسول يستورد ما هو ضروري وغير ضروري للتمتع برفاهية مؤقتة مرهونة بايرادات النفط او في بناء قطاعات الاقتصاد العراقي الانتاجية والخدمية على اسس الاستدامة لما هو في مصلحة الاجيال الحالية والمجتمع العراقي لقرون قادمة. في حلقات سابقة اكدنا على عدم صلاحية هيمنة احزاب الطوائف والقوميات والمقاطعات على مقاليد الدولة العراقية وضرورة انشاء احزاب تمثل طبقات المجتمع المنتجة وهي العمال والرأسمالية الوطنية والمزارعين. في هذه الحلقة نناقش اهمية حزب الطبقة العاملة وطبيعة سياساته وبرامجه التي تتماشى مع الوضع العراقي الحالي والتطورات الدولية.
منذ ماركس والبيان الشيوعي والشيوعيون في محنة بين ان يدعموا الرأسمالية الصناعية الوطنية في استكمال دورها التاريخي حسب النظرية الماركسية وبين ان يستولوا على السلطة كممثلين للطبقة العاملة لبناء المجتمع الاشتراكي/الشيوعي. في العراق تجسدت هذه المحنة عندما هلل البعض من (او معظم) قادة الحزب الشيوعي لاجراءات الحكومة في تأميم الصناعات الوطنية الخاصة عام 1964 واعتبروها اجراءات اشتراكية. الشيوعيون الاوائل في العراق دعموا والتقوا حول جمعيتين مهمتين في تاريخ الحركة الوطنية ألا وهما جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار وجمعية اهل الصنايع التي جمعت ونظمت كثيرمن حرفيي واصحاب ورش ومعامل بغداد ودعمت الصناعة الوطنية. مقولة مؤسس وقائد الشيوعيين العراقيين، فهد، "قووا تنظيمكم، قووا تنظيم الحركة الوطنية" لا يمكن ان يعني مكافحة الاستثمار والرأسمال. في الجوهر يمكن ان نرى ان واقع العراق في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين مثل واقعه في العقد الثالث من القرن العشرين، انه بحاجة الى نمو وتوسع الصناعة والرأسمالية الصناعية وايضا طبقة العمال وهو الضمانة الوحيدة لعدم تحول العراق الى مجتمع استهلاكي يستورد ما يستهلك وينهار مع نضوب النفط.
في مدرسة الحزب الشيوعي العراقي تعلمنا بان الشيوعية هي "من كل حسب قدرته ورغبته ولكل حسب حاجته". في هذا المجتمع الفاضل لا وجود لاستغلال الانسان لاخيه الانسان والكل يعمل طواعية لخدمة المجتمع وحسب رغبته وهوايته وليس للحصول على كمية اكبر من المنتجات المختلفة فهي توزع حسب حاجة الافراد لها وليس عملهم. هذه الرؤية متماثلة بدرجة او اخرى مع المشاعية الاولى حيث الصيد وجمع الثمار يقوم به القادرون عليه بشكل تعاوني ويوزع المحصول على كافة الافراد في الجماعة ولكن باختلاف جوهري هو الوفرة وتنوع المنتجات في المجتمع الشيوعي المثالي والندرة والتركيز على الغذاء في المشاعية البدائية. وهي ايضا متماثلة مع جمهورية افلاطون من ناحية دور النخبة والطبقة القائدة والتخصص في المهام والانتاج ولكنها ترفض العبودية التي تعتبرها جمهورية افلاطون طبيعية. من الواضح بان هذه الرؤية الشيوعية غير واقعية ويؤدي تطبيقها الى انهيار المجتمع اذا لم نفهم نسبية وتطور القدرة والحاجة ونختار تحسنات صغيرة وتدريجية في القدرة والحاجة هنا وهناك مثل التعليم والقضاء على الجوع وتحسين المستوى المعاشي بتناغم مع التحسن في الانتاجية.
لم نتوسع في فهم القدرة والحاجة وقفزنا الى الاستنتاج او التفكير بان هذا الهدف السامي يحتاج الى المرور في مرحلة الاشتراكية وفيها تسيطر الطبقة العاملة على وسائل الانتاج في المجتمع وتخطط الانتاج والاستهلاك على اسس "علمية" تعتمد التوظيف الامثل للموارد البشرية والتقنية والطبيعية في الانتاج وتوزيع المنتجات على اساس العمل وليس الحاجة، اي اصبح الهدف "من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله" وعلى الطبقة العاملة ان تخطط الانتاج والاستهلاك بدون الحاجة الى آلية السوق ولا الى الرأسمالى. مورست هذه التجربة في عدد كبير من المجتمعات واثبتت فشلها مع انهيار الاشتراكية الشمولية والسبب يمكن ايجازه بقول الاقتصادي كينيت كَالبريث الذي اشتهرت اعماله في تعزيز رفاهية العمال وطبقات الشعب الاخرى في المجتمعات الرأسمالية من خلال تقوية نقاباتهم واحزابهم لتجابه وتوازن سيطرة الرأسمال "مثلما تخسر الرأسمالية من عدم استخدام آلية الدولة والقوانين لتنظيم السوق ومعالجة مشاكله تخسر الاشتراكية من عدم استخدام آلية السوق". ما رأيناه من تطبيق كان سيطرة الدولة وانتشار البيروقراطية وتدهور الانتاج باسم الاشتراكية والشيوعية. من اسوأ ما حصل في العراق هو تأميم الصناعة الوطنية التي كان يديرها ويملكها الرأسمال الخاص وهو ما ادى الى توقف نمو الانتاج الوطني الاقتصادي وتدهوره والى توقف توسع الطبقة العاملة.
لو نظرنا الى اقتصاديات العالم بشىء من الموضوعية لما وجدنا فيها انظمة رأسمالية او اشتراكية او زراعية صرفة. كلها خليط من المكونات الثلاث ولكن بنسب مختلفة. في الواقع ان الدولة في الامم الغربية المتقدمة توظف 30-50% من قوة العمل في تلك البلدان. ونرى ايضا بان البلدان الاسكندنافية والتي سادت فيها احزاب الاشتراكية الديمقراطية كممثلة للطبقة العاملة حققت مستويات معيشة وعدالة اجتماعية هي الاعلى بين دول العالم من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية تحدد ديمقراطيا وتستخدم آلية السوق، النظم والقوانين، والتخطيط المرن بمنهجية برغماتية (عملية).
هذه الملاحظات والحجج يفترض ان تجعل الاحزاب الشيوعية تراجع وتصلح ستراتيجياتها وخطاباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ضوء المعطيات وان تفهم الشيوعية بشكلها النسبي وشمولها تغيرات متعددة وعملية ضمن تفاعلات طبقات وفئات المجتمع وموازين القوى على المدى القصير والبعيد. ما نراه هو استفادة الاحزاب الرأسمالية من تحليلات الشيوعية والاشتراكية لضمان استمرارها وتعاونها مع الطبقة العاملة والمجتمع وقبول توزيع عادل نسبيا يرفع من مستوى معيشة كافة الناس في المجتمع.
في موضوع الخيار بين طريق جعل العراق مجتمع استهلاكي ينهار بعد نضوب النفط او طريق جعله مجتمع انتاجي مستدام ويقدر تاريخه ويحافظ على تراثه من البديهي ان يكون موقف الشيوعيين العراقيين مع الخيار الثاني ويشاركهم في ذلك ممثلي واحزاب المزارعين والرأسمالية الوطنية نظرا لمصالحهم الاقتصادية الاساسية وايضا الاحزاب الوطنية العامة. هذا الموقف وبالاضافة لكون الشيوعيين العراقيين يمثلون ايضا شريحة واسعة من المثقفين الذين يتابعون ما يجري في العالم من تطورات ثقافية وفكرية يفترض ان يكون له تبعات مهمة وخطيرة على ستراتيجية الحزب السياسية والاقتصادية والاجتماعية. قبل تحديد ومناقشة هذه التبعات من الضروري تقديم فهم تطوري وديناميكي لمفهوم القدرة والحاجة المهمان جدا في تطور المجتمعات واحزاب اليسار وبالاخص في العراق.
قدرات الانسان متنوعة ومختلفة بين انسان وآخر ومتغيرة مع الزمن والمكان لان لها بعدين متفاعلين، الاول وراثي سواء كان جيني او مادي من الوالدين والثاني اكتسابي سواء كان طبيعي او غير واعي عن طريق القيم العائلية والاجتماعية او واعي وتعليمي او تدريبي عن طريق المؤسسات المتخصصة. اذن فمقولة "من كل حسب قدرته" ليست بسيطة ويجب فهم تعقيداتها لوضع خطاب مناسب حولها على المدى القريب والبعيد وفي القطاعات المختلفة، خاصة وان القدرة تتطور وتزداد من خلال التعليم والتدريب. من اهم مظاهر العصر الحديث هو انتشار المدارس والتعليم المتخصص ورفع القدرات البشرية من خلال الاجراءات الواعية التي تتطلب قرارات حول توزيع الموارد الاستثمارية في تنمية القدرات البشرية، وهذا مرتبط بحجم الانتاج الوطني وما يخصص للاستهلاك والاستثمار في الانتاج ووسائل الانتاج.
مفهوم الحاجة ايضا نسبي حيث انه حالة عقلية عند افراد مختلفون لاشياء مادية ومعنوية في محيطهم الفيزياوي الاجتماعي، فمنهم من يعتبر السيارة الشخصية حاجة وآخرون لا يعتبرونها كذلك. بشكل عام تفهم الحاجات الانسانية بشكل تدريجي وتصاعدي من الحاجات الفيزياوية من هواء وماء وغذاء، فالحاجات الدفاعية من سكن وصحة وامن، ثم حاجات الانتماء واحترام النفس وحتى الحاجات الجمالية من فن وادب وعمارة. فمقولة "لكل حسب حاجته" مثالية ولا يمكن تطبيقها والاستفادة منها بدون فهم تعقيداتها وتطورها مع الزمن والظرف وتحديد الاوليات المرحلية فيها نوعاً وكماً. فحاجة الغذاء من الاوليات التي يجب ان توفر للمواطنين بغض النظر عن عملهم ومع ذلك لابد من تحديد واختيار الكمية والنوعية لكل فرد/عائلة حسب الظروف السائدة وتعريفنا للغذاء الصحي والجيد وهو ليس خبز فقط ولا يمكن ان يكون لحم فقط. احزاب الاشتراكية الديمقراطية في العالم نجحت في توفير مستوى عالي من الحاجات لكافة مواطني بلدانهم من خلال رفع تدريجي لسقف المطالب في خطاباتهم لصالح العمال والكادحين على مدى عقود وبشكل ديمقراطي من خلال المفاوضات والمساومات، التي تأخذ ايضا المصلحة الوطنية بنظر الاعتبار، فالاغلبية البرلمانية.
فهم الظروف العراقية حسب اعلاه يدعو الى ويؤكد اهمية وجود حزب شيوعي ديمقراطي يتبنى ثلاثة اهداف رئيسية قد لا يكون لهم رابع. الهدف الاول هو حماية وتطوير العملية السياسية الديمقراطية. والثاني هو بناء العراق الانتاجي وليس الاستهلاكي فقط. والهدف الثالث هو تحقيق عدالة اجتماعية متزايدة وتقليل الفوارق الطبقية من خلال دعم جميع المواطنين في تلبية حاجاتهم الاساسية وتطوير قدراتهم في العمل والحياة. هذه الاهداف يمكن ان تترجم الى السياسات الستراتيجية التالية:
1. تبني التعددية واتخاذ القرارات على اسس ديمقراطية.
2. التخلي عن اطروحة الحزب الواحد والتخطيط الشمولي المفصل.
3. صياغة وتبني سياسات ومشاريع تنمي وتوسع الصناعة الوطنية والتعاون في ذلك مع ممثلي الرأسمالية الوطنية.
4. صياغة وتبني سياسات ومشاريع تبني الزراعة العراقية على اسس الاستدامة والاكتفاء الذاتي والتعاون في ذلك مع ممثلي المزارعين.
5. التأكيد على الشعارات المطلبية المعقولة والمساومة عليها ضمن نظام التوافق النسبي والاغلبية السياسية.
6. تبني سياسة راتب عام لكل المواطنين البالغين كحد ادنى للمعيشة والذي يدعم ايضا الصناعة والزراعة الوطنية.
7. دعم اللامركزية في المسائل التي تهم المواطنين بشكل مباشر وزيادة صلاحيات وموارد المحليات والنواحي.
8. الابتعاد عن العقائدية المتزمته والتأكيد على دور الدولة وآلية السوق والنظم والقوانين في بناء الاقتصاد العراقي على اسس المصلحة العامة والعدالة النسبية بين المواطنين، بين الاجيال، وبين المجتمعات.
الاحزاب الاشتراكية الديقراطية نجحت في اوروبا بشكل عام والبلدان الاسكندنافية بشكل خاص في تطبيق الشيوعية خلال القرن العشرين من ناحية تنمية وتوظيف قدرة افراد الشعب والعمال وتوفير الحاجات المادية والمعنوية حسب الحاجة والعمل اكثر مما حققه الشيوعيون في البلدان الاشتراكية. هذا النجاح يدعو الحزب الشيوعي العراقي الاستفادة من تجربة احزاب الاشتراكية الديمقراطية في البلدان الاسكندنافية في تبني وتطوير السياسات المقترحة اعلاه وان يكون حزب شيوعي ديمقراطي لا اشتراكي دكتاتوري.
بين احزاب وتكتلات مجلس النواب العراقي لا نرى تجمع يمثل العمال العراقيين والحزب الذي يمثلهم تاريخيا وهو الحزب الشيوعي لم يتمكن من جذب الناخبين رغم سعة تنظيمه وجماهريته الواسعة تاريخيا. والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية ايجاد مثل كذا تجمع ينفع العمال والاقتصاد العراقي وديمومة المجتمع. الجواب ليس سهلا وقد يكون عند الاعداد الكبيرة من اعضاء الحزب ومن المتعاطفين معه وبالاخص المتنفذين منهم في الثقافة والسياسة والاعلام. احتمال توجه بعض الاحزاب والتجمعات الموجودة في مجلس النواب لتمثيل العمال والكادحين وارد، خاصة اذا فشل الحزب الشيوعي في استقطاب هذه الطبقة من خلال خطاب يجذب الناخبين ومطالب واضحة تنفع من هم بحاجة ماسة لتحسين وضعهم الاقتصادي.
- يتبع
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -1- - د. باسم سيفي
23/02/2013 - 22:30 مقالات
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -2- - د. باسم سيفي
07/03/2013 - 21:54 مقالات
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -3- - د. باسم سيفي
03/04/2013 - 21:20 مقالات