هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -5- حزب رأسمالي صناعي لا تجاري ريعي
د. باسم سيفي
خيارات العراق المستقبلية تقع بين توظيف موارد النفط المتزايدة في جعل العراق مجتمع استهلاكي كسول يستورد ما يريد للتمتع برفاهية مؤقتة مرتبطة بالنفط وبين استثمار موارد النفط في بناء قطاعات الاقتصاد العراقي الصناعية والزراعية والخدمية على اسس الاستدامة لما هو في مصلحة الاجيال الحالية والقادمة. في حلقات سابقة حول الموضوع اكدنا على حاجة العراق الى احزاب تمثل وتدافع عن مصالح ثلاث طبقات منتجة هي عماد المجتمع العراقي المنتج والمستدام، اي القادر على الاستمرارية وتقديم الرفاهية مع وبعد النفط، وعدم صلاحية هيمنة احزاب الطوائف والقوميات على مقاليد الدولة العراقية. هذه الطبقات هي العمال والرأسمالية الوطنية والمزارعين. في الحلقة السابقة ناقشنا اهمية حزب العمال وضرورة تحوله الى حزب مرن وديمقراطي يتعاون مع ويدعم الرأسمالية الوطنية الصناعية والمزارعين. في هذه الحلقة نناقش اهمية ودور طبقة الرأسمالية الوطنية الصناعية في بناء الاقتصاد العراقي واهمية تمثيلها بحزب يدافع عن مصالحها ويسهل نموها وتطورها.
عبر التاريخ كان اهل الصنائع والحرفيين عماد المدينة الذين يجهزون المجتمع في المدينة والريف بالمنتجات المصنعة من نسيج وفخار وادوات معدنية كاستهلاك منزلي وادوات انتاج. كثير منا يتذكر الاسطة والصناع في مجالات الحياة المختلفة وكثير من العوائل اخذت اسمائها من صنعتها. عوائل بأسماء الحداد والشكرجي والخياط والصفار تجدها شائعة في مدن العراق. لم يكن التصنيع على مر العصور غريبا عن العراق وقد ابدع حرفييه وعماله في تصنيع كثير من منتجاته الزراعية من غذاء وجلود والياف ومن موارده الطبيعية من قصب واشجار وطين وقار. حذاقة حرفييه امتدت الى اشتغال مواد غير موجودة في العراق مثل اشتغال اليهود في الفضة والصابئة في المينا.
مع دخول المكننة والكهرباء اصبح بالامكان تخفيض تكلفة المواد المصنعة وانتاج منتجات جديدة من خلال علاقات انتاجية جديدة عمادها احدهم او مجموعة منهم يملكون مصنع ويشغلون فيه عمال بالاجرة لانتاج بضائع تباع عبر السوق وآليته. استمرار المصنع وتوسعه يعتمد على ربحية المشروع التي هي ايرادات البيع مطروح منها تكاليف الانتاج (بضمنها العمل). توسع هذا الرأسمالي في اعماله وتوسع طبقته من خلال مزيد من المنتجات ضمن هذه العلاقة الانتاجية هو ما يحتاج اليه العراق منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة في بداية القرن العشرين لان ذلك يعني بناء الاقتصاد العراقي على اسس متينة توظف موارده البشرية بدلا من البطالة وايضا توسع وتطور امكانيات الطبقة العاملة العراقية. من العشرينات وحتى قرارات التأميم الخاطئة عام 1964 توسع القطاع الصناعي في العراق بدرجة كبيرة رغم التعارض مع مصالح الانكليز في تسويق منتجاتهم في العراق وظهرت عشرات من العوائل الرأسمالية التي تستثمر في الصناعة وتشغل مئات الالاف من العمال لانتاج بضائع متنوعة ازداد الطلب علبها بفضل استثمار موارد النفط في التنمية والاعمار.
في طبقة الصناعيين والتجار يقول الامام علي بن ابي طالب لمالك الاشتر شيئان مهمان جدا نراه الان بوضوح في الطبقة الرأسمالية وكان ايضا سائدا ايام نشوء الدولة العراقية الحديثة في القرن الماضي. الأول في قوله "ثم استوصِ بالتجار وذوي الصناعات، وأوصِ بهم خيراً، ... فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق". وهذا يعني بأن دورهم ضروري في المجتمع ويجب دعمهم خاصة مع ازدياد دور الصناعة في زماننا هذا واصبح عماد اقتصاديات معظم الدول. انهيار اشتراكية الأقتصاد المخطط اثبت اهميتهم واهمية آلية السوق في الانتاج والتوزيع. والثاني في قوله "أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً، وشُحاً قبيحاً، واحتكارا للمنافع، وتحكماً في البياعات، ... وليكن البيعُ سمحاً بموازين عدلٍ". في زمن التحكم في السوق من قبل عدد من المنتجين/التجار لبضاعة او خدمة ما يصبح قانون عدم الأحتكار والتعاون على حساب المستهلك واجبا مهما لحماية المصلحة العامة. وفي زمن الكيمياويات والبضائع الرديئة او الغير صالحة للأستعمال او المضرة للبيئة والانسان يصبح وضع المعايير للمنتجات والمستوردات مسألة ضرورية.
الرأسمالية العراقية الوطنية كانت لها بدايات جيدة مع انشاء وانتشار صناعات النسيج والزيوت ومواد البناء والحدادة وغيرها. ظهور احزاب وشخصيات تمثل هذه الطبقة مثل الحزب الوطني وشخصية جعفر ابو التمن في عشرينات القرن الماضي وتكوين جماعة الاهالي وجمعية اهل الصنائع في الثلاثينات ثم الحزب الوطني الديمقراطي وشخصية الجادرجي ومحمد حديد في الاربعينات والخمسينات ساهم في تطور وتوسع طبقة الرأسمالية الوطنية والانتاج الصناعي والطبقة العاملة. عدد من قيادات هذا الحزب كانوا ايضا صناعيين وقادة في اتحاد الصناعات العراقي. رغم التوسع الصناعي في الاربعينات والخمسينات وبروز عوائل صناعية رأسمالية عديدة من امثال فتاح باشا والجلبي والخضيري الا ان طبقة الرأسمالية الصناعية وحزبها الوطني الديمقراطي لم تستطع ان تشكل قوة حاسمة في الساحة العراقية لاسباب منها العقلية العثمانية العشائرية في السيطرة على مقاليد السلطة ومصالح الاستعمار وتفتت هذه الطبقة في مواقفها بين الوطنية ومعاضدة الانكليز وتحريف الفكر الاشتراكي ليصبح سيطرة الدولة على المصانع وبالتالي مقارعة الراسمالية الصناعية. اما حزبها، الوطني الديمقراطي، فقد تحلل بشكل عجيب ورغم توسع الطبقة بدرجة كبيرة وبالاخص بعد ثورة تموز، ربما لاسباب داخلية مثل عدم تكوين فكر وتنظيم واضح وشيوع الفردية وضعف المؤسساتية.
مثل ما حدث في معظم البلدان النفطية لم تتمكن الرأسمالية الصناعية من الاستمرار في قيادة عمليات التنمية والتصنيع في المجتمع رغم كون الخمسينات وفترة عبد الكريم قاسم عصرها الذهبي من حيث ارتفاع الارباح في الاستثمار الصناعي وتوسع الصناعة لتشمل قطاعات عديدة. عوامل عديدة منعتها من تطورها الطبيعي فكان اولا تحويل البرلمان العراقي الى مهزلة يُعين فيه اقطاعيين شبه اميين ويحل بمزاج عند وجود معارضة متمكنة فيه ثم طغيان الصراع القومي-الشيوعي على الساحة السياسية الذي توج بهيمنة الدولة الريعية والحزب الشمولي الذي حول العمال الى موظفيين بيروقراطيين في الدولة والرأسمالية الوطنية الى صائدي ارباح في التجارة والمقاولات. تطور مشوه بمعنى الكلمة فيه خسر العراق عقود من التنمية وموارد نفطية هائلة. ما يحير في التطور او التخلف العراقي اتفاق الشيوعيين والقوميين/البعثيين في معادات الرأسمالية الصناعية والديمقراطية وحرية التعبير وايضا انهيار الحزب الوطني الديمقراطي رغم قوة الرأسمالية الوطنية النسبي.
تحدي العراق الاول حاليا هو بناء او اعادة بناء الرأسمالية الوطنية التي تستثمر اموالها في مشاريع انتاجية توظف موارد العراق البشرية والطبيعية بكفائة عالية وهذا يحتاج الى سياسات اقتصادية تحقق ربحية جيدة في الاستثمار الانتاجي تفوق ما يحققه الاستثمار التجاري والعقاري والخدمي. من هذه السياسات ما يهدف الى:
1. تخفيض تكاليف الانتاج مثل دعم تشغيل العمال واسعار مخفضة للكهرباء، الارض وغيرها. انتاجية العمال والرأسمال وحتى المواد الاولية انخفضت بدرجة كبيرة خلال العقود الماضية بشكل مطلق بسبب تقادم الاجهزة والمعدات وارتفاع الاجور وبشكل نسبي بسبب توقف الاستثمار وعدم الاستجابة مع التطور التقني. وهذا يعني ان معظم ما ننتجه في الصناعة يمكن ان يستورد بكلفة اقل وهذا جوهر مشكلة الصناعة في العراق حاليا.
2. رفع الايرادات من خلال سياسات داعمة اهمها وضع ضريبة كمركية على المستورد. بسبب التكلفة وضعف الضوابط النوعية والمنافسة العالمية على الاسواق اصبحت اسعار معظم المواد المستوردة واطئة ولا يمكن للمنتج المحلي ان ينافسها. لذا فان دعم المنتوج المحلي من خلال سياسة كمركية ومشتريات حكومية ضرورية اذا اريد النهوض بواقع الصناعة العراقية. النقاش المطول والمؤجل دوما حول نسبة الضريبة الامثل والوقت المناسب لفرضها يخدم بوعي او جهل استنزاف الصناعة (والزراعة) العراقية. ياجماعة الخير لنبدأ بكمرك بسيط وقليل وعام ويشمل 50 او 100 الف دينار للطن زائدا 10% من قيمة البضاعة واصل العراق ثم نناقش الامثل والافضل والاحسن فيما بعد.
3. توفير سيولة مالية ورأسمال مثل القروض الميسرة واصلاح سوق الاوراق المالية نحو تشجيع وحماية المستثمر. هبوط اسعار اسهم الشركات في سوق الاوراق المالية العراقية حاليا امر محير ومعيب على الحكومة والسلطة التشريعية خاصة مع ازدياد موارد النفط واعتماد ميزانيات هائلة وقياسية للدولة العراقية. من اغرب المسائل التي نجدها في السوق ويمكن اعتبارها سرقة شرعية لحقوق مالكي الاسهم ممن لا يكتتب على اسهم جديدة عند زيادة رأسمال الشركات. ارباح ضخمة يجنيها المتنفذين في السوق والشركات التي ترفع من رأسمالها على حساب مالكي الاسهم الغير مشاركين وفي اغلب الاحيان غير عارفين.
4. دعم لوجستي وتقليل الضوابط الغير نافعة. المستثمرون وبالاخص في العمل الصناعي يعانون من مصاعب عديدة وجهود مكلفة منها ما هو متعلق بالكهرباء والماء والارض ومنها ما هو متعلق بالاجازات المطلوبة لممارسة العمل. الفساد المالي والاداري والبيروقراطي تنهك المستثمر وصاحب المعمل وتجعل احيانا استمرارية العمل امر صعب وغير مجدي. جيد ان نرى وجود معايير وضوابط بيئية ولكنها يجب ان لا تؤدي الى اغلاق مصانعنا ولصالح المستورد.
5. تفعيل وتطوير مؤسسات السيطرة النوعية والقياسات لحماية المستهلك والمنتج الوطني. منذ سنوات والعراق يستورد كم هائل من البضائع السيئة منها ما يحوي مواد كيمياوية ومعدنية خطرة وممنوع استعمالها ضمن الاتحاد الاوروبي ومنها ما هو رديء وبدون اي ضمان في المواصفات او ينتج بطرق غير انسانية. ما نفرضه من مواصفات على المنتوج المحلي لحماية المستهلك يجب ان يكون ساري المفعول على المستورد ايضا وغياب ذلك يعني تشجيع المستورد على حساب المنتج محليا.
هذه السياسات تحتاج الى من يفصلها ويحللها ويناقشهها ويدافع عنها وليس هناك احسن من الحزب السياسي الذي يمثل طبقة الرأسمالية الوطنية كبيرها وصغيرها للقيام بهذا العمل وايجاد الاغلبية الداعمة للسياسات المقنعة من خلال التفاوض والمساومة مع الاحزاب الاخرى. من السهولة مثلا الاتفاق مع طبقة المزارعين حول التعريفات الكمركية والتي يمكن ان تدعمها طبقة العمال ايضا في حين لا تقبل طبقة موظفي الدولة بها لانها تعني زيادة الاسعار بالنسبة لها دون ان تحصل على مكاسب مباشرة. دعم الرأسمال التجاري المرتبط بالاستيراد ايضا صعب في حين يكون دعم الاحزاب الاثنية ذات التوجه الوطني سهل نسبيا. كما وان تفعيل ودعم المؤسسات والجمعيات التي تعني بشؤون الصناعات العراقية مثل اتحاد الصناعات العراقي ضروري لفهم المشاكل التي يعاني منها القطاع الصناعي والحرفي.
النظرية الاقتصادية السائدة (الكلاسيكية الجديدة)، وصقورها من اللبرالية الجديدة، تؤكد دور السوق في توزيع الموارد في الانتاج والمنتوج في الاستهلاك وتدعوا الى تخفيض دور الدولة والقوانين والى جعل الانتاج حر داخليا وخارجيا. في الوقت الذي نرى فيه ان كل البلدان المتقدمة اقتصاديا مارست نوع من الحماية من المستورد في مرحلة ما من تطورها وعلى الاقل لبعض البضائع ينصحنا خبراء اللبرالية الجديدة بالتجارة الحرة وفتح حدود للاستيراد والتصدير لانه مفتاح النمو الاقتصادي كما يدعون. في الواقع وحتى في الوقت الحاضر تمارس الدول الغربية اجراءات مختلفة لدعم وحماية منتوجاتها من المستورد اكثرها وضوحا هو حماية منتجاتها الزراعية. سياسة اللبرالية الجديدة التي غرسها الامريكان في العراق مع الاحتلال ولا زالت تمارس بدرجة كبيرة تقود الى انهاء الرأسمالية الصناعية الوطنية والى وضع العراق على طريق الاستهلاك والتوظيف التقاعسي ولينهار بعد نضوب النفط.
بين احزاب وتكتلات مجلس النواب العراقي لا نرى تجمع يمثل الرأسمالية الصناعية والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية ايجاد مثل كذا تجمع ينفع الرأسمال الوطني والاقتصاد العراقي وديمومة المجتمع. الجواب ليس سهلا وقد يكون عند الاعداد الكبيرة من الصناعيين العراقيين وابناء قادة الحزب الوطني الديمقراطي وحملة اسهم الشركات الوطنية العاملة في العراق. في خمسينات وستينات القرن الماضي كانت هناك اسماء وشخصيات صناعية وساسية لامعة واشتهرت بامكانياتها التنظيمية والمعرفية، فهل بين ابنائهم من يقود فكرة اعادة تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي على اسس صحيحة وتمثيل جيد؟ وهل يوجد بين سياسيي اليوم من هم مصنعيين او ابناء رأسمالية العراق الصناعية يهمه تصنيع العراق وليس جني الاموال فقط؟ ام هل تشكل الاحزاب الكبيرة تجمعات للصناعيين؟ آمل ان ارى حزب الصناعيين العراقيين في مجلس النواب العراقي وفي مجالس المحافظات والاقضية والنواحي بأقرب وقت.
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -1- - د. باسم سيفي
23/02/2013 - 22:30 مقالات
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -2- - د. باسم سيفي
07/03/2013 - 21:54 مقالات
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل الطوائف والقوميات والمقاطعات ام احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -3- - د. باسم سيفي
03/04/2013
- هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -4- حزب شيوعي ديمقراطي لا اشتراكي ديكتاتوري - د. باسم سيفي
11/04/2013 - 23:04 مقالات - 21:20 مقالات