هل العراق بحاجة الى احزاب تمثل طبقات الامة المنتجة؟ -6- حزب مزارعين منتجين لا اقطاعيين عشائريين
    الأحد 28 أبريل / نيسان 2013 - 20:20
    د. باسم سيفي
    معد ومحرر مجلة قضايا ستراتيجية
    في حلقات سابقة حول الموضوع اكدنا على عدم صلاحية هيمنة احزاب الطوائف والقوميات على مقاليد الدولة العراقية وعلى حاجة العراق الى احزاب تمثل وتدافع عن مصالح ثلاث طبقات منتجة هي عماد المجتمع العراقي المنتج والمستدام، اي القادر على الاستمرارية والرفاهية مع وبعد النفط، وهذه الطبقات هي العمال والرأسمالية الوطنية والمزارعين. في الحلقة السابقة اكدنا على دور واهمية طبقة الرأسماليين الصناعيين والحزب الذي يمثلهم في بناء العراق الجديد على اسس انتاجية. في هذه الحلقة نناقش اهمية ودور طبقة المزارعين في بناء الاقتصاد العراقي واهمية تمثيلها بحزب يدافع عن مصالحها ويسهل نموها وتطورها لتتمكن من بناء قطاع زراعي مستدام وتحقيق مستوى عالي من الامن الغذائي.
    اعتاد العراق خلال تاريخه الطويل ان ينتج ما تحتاجه شعوبه من الغذاء وايضا ان يصدر بعض الفوائض من الحبوب والتمور. منذ الفتح العربي الاسلامي اصبح النظام الانتاجي الشائع هو الارض لمن يفلحها وهو نوع من حق الملكية الطبيعية يظهر بسبب استخدام واعمار الارض من قبل الفرد والجماعة (العشيرة). وبسبب اعتماد معظم الاراضي الزراعية في العراق على الري وبالاخص في المناطق الوسطى والجنوبية كان ولا يزال حضور الدولة في الزراعة قوي حيث انها المسؤولة عن تنظيم الري وحفر وكري الانهر. حضور الدولة ازدادة بدرجة كبيرة مع ازدياد متطلبات المزارع من مكننة وتقنيات وارشاد وتسويق وقروض وسياسات زراعية داعمة الى درجة ان الدولة الان بيدها قرار بقاء او انهاء الزراعة العراقية.
    هيمنة العلاقات الاقطاعية واستغلال الفلاحين الى درجة اخذ نصف المحصول واكثر حديث نسبيا وظهر بسبب تمليك العثمانيين للارض الزراعية لشيوخ العشائر الموالين وفق قانون الطابو والذي عززه وتوسع فيه الانكليز والحكومة الملكية وفق قانون اللزمة وتسوية نزاعات الاراضي لعام 1932. النظام الاقطاعي انتهى تقريبا مع ثورة تموز 1958 حيث وزعت معظم اراضي الاقطاعيين على الفلاحين. المهم في الموضوع هو ان النظام السائد في الزراعة العراقية اصبح ولا يزال مزارع فردية تدار عائليا مع امكانية تأجير عمال زراعيين وتأجير الارض ويمكن اطلاق اسم المزارعين على مديري هذه المزارع بغض النظر عن علاقتهم بملكية الارض. ملكية الارض حاليا غير مطلقة ومحددة بالاستخدام الزراعي ومنظمة بحاجة المجتمع (الدولة) والقيود التي يمكن ان يضعها لحماية المصلحة العامة، ولكن مع الاسف نرى حديثا كثير من التجاوزات في تحويل اراضي زراعية وبساتين منتجة وبالاخص داخل وحول المدن الى اراضي سكنية بسبب ضعف تطبيق القانون وشيوع الترهل والفوضى والمحسوبية والقبول بما يسمى بالامر الواقع، اي تعزيز التجاوز.
    معظم المزارع العراقية تدار حاليا على اساس اقتصادي مالي يعتمد على بيع المحصول، وليس كما كان في السابق على اساس الاكتفاء الذاتي من الغذاء، فيه يتحدد انتاج المزرعة ومستواه على مدى تغطية ايرادات المزرعة لتكاليف الانتاج وحجم المردود الصافي في تغطية عمل المُزارع وعائلته. التدهور او عدم التطور في طرق واساليب الانتاج في المزارع لعدة عقود ادت الى اقتصاديات ضعيفة جدا في الزراعة العراقية لا تشجع المزارعين على الاستثمار في المزرعة لزيادة الانتاج الزراعي وانتاجية الارض والماء والعمل والمعدات والاسمدة، والنتيجة خسارة اقتصادية كبيرة للمزارعين وايضا للعراق ككل من ناحية عدم تشغيل العمالة الزراعية، امن غذائي ضعيف، مشاكل بيئية متعددة اهمها زيادة تراكم الملوحة وانتشار استعمال الكيمياويات وتقلص الغطاء النباتي، وهدر العملة الصعبة في استيراد مواد غذائية بامكان العراق انتاجها. كما وان صناعات عديدة تعتمد على الانتاج الزراعي من غذاء والياف وجلود وغيرها اصبحت هامشية.
    لانتشال الزراعة العراقية من واقعها المزري لابد من تدخل قوي من الدولة العراقية ومؤسساتها المركزية والمحلية لاحداث نهضة زراعية شاملة ضمن ستراتيجية مدروسة ومرنة في الاستجابة للتغيرات المعرفية والقيمية والتقنية والتنظيمية وتمتد لعقود ويناقشها الشعب ومؤسساته وبالاخص ممثلي المزارعيين. ولابد ايضا من دراسة وتحليل اقتصاديات المزارع وتبني سياسات تحسن هذه الاقتصاديات على المدى القريب والبعيد. تنظيم المزارعين لانفسهم بجمعيات واحزاب يمكنهم بحكم عددهم واهمية انتاجهم وبمساعدة تحالفاتهم ان يضغطوا نحو اقرار تشريعات مهمة تعزز اقتصاديات مزارعهم وتحمي مصالحهم.
    لطبقة المزارعين مصالح عديدة منها ما هو متوافق ومنها ماهو متعارض مع مصالح طبقة العمال والرأسمالية الوطنية الصناعية. الامن الغذائي وزيادة تشغيل الايدي العاملة الزراعية والتوسع في استعمال المواد والادوات الزراعية من الامور المشتركة المتوافق عليها، في حين نرى الرسوم الكمركية على استيراد الغذاء واجور العمال الزراعيين واسعار المنتجات الزراعية من الامور المتعارضة. وهنا يأتي دور التفاوض واعطاء التنازلات لصالح الجهة الاخرى للحصول على الدعم لمصالح المزارعين التي يمكن ان تكون مقبولة من الجهة الاخرى، فمثلا للحصول على سياسة فرض ضريبة كمركية على المواد الغذائية المستوردة من الضروري القبول بشمول المنتجات الصناعية في الرسوم الكمركية. مجال التفاوض والدعم المتبادل واسع جدا نخص منها الاستثمار في انتاج احتياجات الزراعة من مواد ومكننة وفي تصنيع المواد الغذائية. مستوى النجاح في هذه الجهود يحتاج الى فهم افضل لثلاثة مواضيع مترابطة.
    الاول هو التخصص والتعاطف في فهم مصالح المزارعين وتوافقاتها وتعارضها مع مصالح الطبقات الاخرى والمجتمع العراقي ككل وفي تعلم فن التفاوض وسبل تحشيد الدعم لسياسات تنفع المزارعين. مصالح المزارعين متعددة ومعقدة وتختلف بالاهمية وفي درجة المساندة والتعارض من قبل طبقات المجتمع الاخرى. هذا التخصص ليس تقني فقط يمكن لاي حزب اثني (يمثل طائفة او قومية) او عام ان يوظفه ليتمكن من الجلوس على كراسي مختلفة (يمثل طبقات مختلفة) بل هو ايضا فكري وسياسي يحتاج الى ترابط روحي ونفسي وايمان بعدالة واهمية قضية المزارعين والزراعة في العراق. اي ان تمثيل المزارعين من قبل حزب سياسي او تجمع خاص بهم ضروري ولا يعوضه تمثيل الاحزاب الاخرى سياسات زراعية قد تنفع او تضر بمصالح المزارعين.
    الموضوع الثاني هو تقارب مصالح وتطلعات الطبقات المنتجة من مزارعين وعمال وراسمالية وطنية في الصناعة والزراعة وتعارضها  مع مصالح وتطلعات طبقة الموظفين والمشتغلين بالخدمات والرأسمال التجاري. تعارض المصالح نقصد به تعارض المصالح حول التوزيع الشرعي لموارد الدولة وفق القوانين التي يشرعها مجلس النواب. مصالح المجموعة الاولى تؤدي الى سياسات تبني وتوسع الانتاج الوطني الزراعي والصناعي في حين تؤدي مصالح المجموعة الثانية الى سياسات توسع قطاع الدولة والخدمات والاستيراد. مصالح الاولى في الرسوم الكمركية ودعم الاستثمار في الانتاج الزراعي والصناعي. مصالح الثانية في توسيع التعينات الحكومية وزيادة الرواتب وتخفيض الاسعار وعدم فرض رسوم كمركية.
    والثالث هو ان القضية الزراعية والامن الغذائي مهمة جدا لكافة شعوب العالم والقطاع الزراعي يشغل مكانة خاصة عندما تتوسع القطاعات الانتاجية الاخرى ويصغر حجم القطاع الزراعي مقارنة بالاقتصاد الاجمالي، فعندها تتشخص وظائف متعددة في القطاع بالاضافة الى توفير الغذاء مثل الحفاظ على ارث ثقافي وبيئي وتنقية اجواء المدينة ومياهها المستعملة ونفاياتها العضوية. لذا وكما نراه في اوروبا واليابان وامريكا الشمالية يصبح دعم المزارعين مقبول شعبيا. مزارعي العراق يمكن ان يستفادوا من هذه النقطة اذا نظموا انفسهم واصبح لهم صوت في المجالس السياسية. حضارات وادي الرافدين بنيت على الزراعة وهناك بالتأكيد دعم شعبي لحماية وتحسين الزراعة العراقية وهذا الدعم يتزايد مع فهم علاقة البيئات العراقية بالزراعة.
    التقسيم في المواضيع اعلاه يجب ان لا يفهم بحرفية بل بعمومية فيها قدر كبير من التنوع والتعقيدات المتداخلة. فاولا ليست المصالح الاقتصادية هي السبب الوحيد في مواقف الانسان وقراراته فهناك المسائل الاخلاقية والقضايا الفكرية والعلاقات الاجتماعية التي تؤثر ايضا على قراراتنا، فالمزارع يمكن ان يتجنب استخدام مواد خطرة او اساليب زراعية تؤثر سلبيا على الاخرين والمجتمع. وثانيا هناك تداخل في الموقع الطبقي فالمزارع يمكن ان يكون ايضا موظفا في الدولة او تاجر او اخيه او ابنه عامل وهلم جرا من العلاقات المتباينة والمتغيرة. وثالثا هناك ايضا شيء اسمه المصلحة العامة والذي يتأثر بتقارير المختصين والعلماء وبالتوعية ووسائل الاعلام وايضا قوة الانتماء الوطني الذي يمكن ان يكون اقوى من الانتماء الطبقي او الاثني وهذا يعني بامكانية توسع التعاطف الشعبي للقضية الزراعية بدرجة كبيرة.
    تنظيم المزارعين لانفسهم في القرى والنواحي والاقضية والمحافظات وحتى على المستوى العراقي في جمعيات وتعاونيات واحزاب مهم جدا للقضية الزراعية من نواحي عديدة بالاضافة الى ما يمكن الحصول عليه من سياسات زراعية اقتصادية تشجع المزارعين في تحسين وتوسع الانتاج الزراعي. تعاونيات المزارعين في البلدان المتقدمة لهم دور كبير في نشر وتبني طرق وتوجهات زراعية مفيدة للمزارعين والمجتمع، في توفير ما يحتاجه المزارعين من مواد وادوات ومكننة باسعار مناسبة ومع خدمات تعليمية ضرورية، وفي معالجة منتجات المزارعين المختلفة وتحمل مسؤولية التسويق وضمان اسعار مناسبة لصالح المزارعين. ففي السويد مثلا لعبت جمعيات وتعاونيات المزارعين دور اساسي في تطوير الزراعة السويدية وتحسين مستوى معيشة المزارعين خلال القرن العشرين، ففي بدايات القرن ساهموا في زيادة الانتاج وتخليص المزارعين من مجاعات دورية كانت تصيب الكثيرين في سنوات اخفاق المحصول وفي نهاية القرن كانوا يوفرون معظم احتياجات المزارعين ويسوقون لهم الحبوب واللحوم والالبان.
    بين احزاب وتكتلات مجلس النواب العراقي لا نرى تجمع يمثل المزارعين والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية ايجاد مثل كذا تجمع ينفع المزارعين والاقتصاد العراقي وديمومة المجتمع. الجواب ليس سهلا وقد يكون عند الاعداد الكبيرة من المزارعين المتعلمين وابناء العشائر الواعين الذين نرى وجودهم في التجمعات العشائرية وبامكانهم تنظيم انفسهم كحزب او تجمع يمثل المزارعين. في خمسينات وستينات القرن الماضي كانت هناك اسماء وشخصيات فلاحية لامعة واشتهرت بامكانياتها التنظيمية والمعرفية، فهل بين ابنائهم من يقود فكرة تأسيس حزب المزارعين؟ وهل يوجد بين سياسيي اليوم من هم مزارعين او ابناء مزارعيين تقع القضية الزراعية قريبة الى قلوبهم؟ ام هل تشكل الاحزاب الكبيرة تجمعات للمزارعين؟ امل ان ارى حزب المزارعين العراقيين في مجلس النواب العراقي وفي مجالس المحافظات بأقرب وقت.
    © 2005 - 2026 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media