عشر سنوات على انقاذ العراق من الدكتاتورية..
    السبت 6 أبريل / نيسان 2013 - 17:49
    طلال شاكر
    لم يزل الجدل دائراً وبقوة حول قيمة وغاية واهمية التغيير التاريخي الذي قادته الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها في العراق عام 2003 والذي سقط فيه النظام الشمولي الاستبدادي بكل ركائزه بواسطة القوة العسكرية وكأي موضوع خلافي حاد يتحمل الكثير من الاراء والتقويمات المتباينة ومن اصحاب هذه الاراء ما يعتقد ويصر بان هذا التغيير كان سبباً لدمار العراق دولة وشعباً رغم ان الكثير من المجاهرين بهذا الرأي كانوا من ضحايا النظام الدكتاتوري وهم الان يتمتعون بمزايا السلطة والعلنية التي صنعها التغيير، وهذه مفارقة معتادة في المشهد العراقي المعقد كأنعكاس لعقل عراقي مقيد لم تنضج مداركه بعد ازاء هذه القضية الساخنة.

    صدمة التغيير...
    في العهد الجديد برزت مفاهيم وافكار جديدة ترافقها تصورات واوهام سالفة خرقاء شكلت ثقافته ومزاياه لتتفاعل وتتواصل مع روح تلك ألمنظومة ألفكرية ألسياسية والقيمية القلقة التي كانت سائدة في المجتمع العراقي، في المحصلة استدركنا كعراقيين مديات الخلل البنيوي المزمن في مجتمعنا كوطن وبشر وقيم، وعجز هذا المجتمع من تجاوز مشاكله ومستعصياته بذاته، وان الدولة التي تقوده كانت في حقيقتها كياناً فاشلاً تواصل في رداء سلطة مستبدة قاهرة وبخاصة سلطة البعث صدام، وأن مفاهيم مثل الوطنية والهوية العراقية والوطن الواحد والثقافة الوطنية هي مرتكزات ومفاهيم هشة وقلقة تتكامن في نفوس العراقيين كرؤى ومعتقدات حماسية بناها ألهام ملتبس في اغلب الاحيان..؟ العراق كدولة وشعب وهوية بناها الانكليز وجمعوها من حطام وطن وبشر مهمشين دون أن تتجذر في وعي ووجدان أولئك العراقيين الجدد مؤثرات تلك المنشآت الاساسية كواقع ملموس بمرتكزات راسخة من خلال النجاح في بناء دولة المواطنة بمفهومها المؤسساتي، وبقي العراق وشعبه يعاني من اشكالية النظام السياسي المستبد وعسفه طيلة الثمانين عاماً التي حكمنا فيها من نشوء المملكة العراقية عام 1921. وحتى سقوط نظام البعث صدام 2003 ....

    من هذه المقدمة سيدرك العقل الحصيف ان قضية الفشل الذي نواجهه لا تكمن في مسؤولية المحتل الذي اسقط ابشع نظام استبدادي عرفه التاريخ عما يعانيه العراق من مشاكل وتحديات واخفاقات متتالية نعيشها، فالأمر يحتاج الى رؤية تتجاوز المفاهيم السطحية التي ترى خراب العراق في المحتل الامريكي الذي اسقط الدولة العراقية وقوض مرتكزاتها والتي يرددها ساسة وكتاب مستلبون من رجاحة العقل النقدي النافذ..والكثير منهم من أستعذب تلك الاراء الساذجة التي يصر اصحابها على ترديد تلك الرؤية.. بأن المشهد العراقي سيكون مختلفاً لو قام العراقيون بالتغيير واسقطوا النظام الفاشي بقواهم كيف.. لاادري ..؟.
    كان ثمن تغيير النظام الشمولي المستبد باهضاً ولا تتساوى في الواقع نتائجه مع كلفة التغيير بسيل الدماء والارواح والاموال الهائلة التي بذلت في هذا العمل الخارق، ولم يكن هنالك خياراً سوى ما جرى ووقع، فالعراق في زمن الطاغية وصل الى طريق مسدود في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والانسانية وستكون اية محاولة لإنقاذه بدون اسقاط النظام عقيمة وفاشلة..وكان اسقاطه من قبل امريكا هو حاصل تحصيل لإنهاء ما هو متهاوي وساقط اصلاً بكل تفاصيله وعناوينه وركائزه. كان الامل والرهان على انبثاق قيم الحرية والديمقراطية وبناء دولة المواطنة، وليس على بديل سياسي مختل كما نشهده حالياً.. أن فشل العراقيين في تحويل سقوط صدام على يد امريكا الى نصر تاريخي تتحقق في ظلاله بناء دولة وطنية مدنية بمؤسسات قانونية لا يوجز في ذلك التوصيف السطحي الذي ادمنت على تكراره القوى اليسارية وغيرها بوضع الاخفاق والمسؤولية على رقبة المحتل والاحتلال دون معاينة فاحصة في عمق الظروف الموضوعية والذاتية التي احاطت بالحدث الكبير والتي قررت في النهاية مصير هذا التغيير التاريخي ..
    لقد اصطدم هذا التغيير بعوائق ومقاومة عنيفة من قوى داخلية متناقضة شيعية سنية كردية، ومن دول وقوى اقليمية مختلفة البعض منها كان يريد اسقاط نظام صدام لكنه لا يرغب ببديل ديمقراطي مؤسساتي اصيل يشكل تحدياً لدول غير ديمقراطية في المنطقة، وكان الرهان يقوم على افشال التجربة الجديدة بكل السبل ، وهذا ما قامت به تلك القوى بدءاً من سوريا وايران وتركيا والسعوية الى دول الخليج وسواها، ولا يمكن غض النظر عن الاخطاء التي ارتكبتها امريكا في إمرار وتسهيل أجندات القوى المتآمرة على العراق ومعالجة بعض الاستحقاقات بطريقة خاطئة مما عمق ومد شبكة الاخفاقات في التجربة الجديدة متيحاً الفرصة لقوى ظلامية من ترسيخ اقدامها في العملية السياسية، كما جرى تجاهل التدخل الايراني في الشأن العراقي دون مواقف رادعة وفعالة ..

    أشكاليات بنيوية ونفسية:
    الخلل البنيوي النفسي العميق في تشكيلة المجتمع العراقي الملموسة بدا متناقضاً والسياق المطلوب لبناء دولة المواطنة المفترضة، فالطائفة والقومية والعشيرة والتخلف والاطار النفسي المستحكم في الشخصية العراقية كغالبية، وإنشدادها لأطر التعصب والهويات الفرعية لعب دوراً محبطاً في الوصول الى الهدف المنشود، أضف الى ذلك تأثيرات الطقوس الدينية والاستلهامات الغيبية العجيبة بمختلف منابعها الطائفية، غربت العراقي وصادرته وكونت الى حد كبير مستوى افكاره وثقافته ونفسيته وانتمائه. وهذا الاختلاف في الحالة العراقية كان مصدر ضعف وتمزق واحتراب ،وهذا ما نجد انعكاساته في مختلف المجالات السياسة والاجتماعية والمدنية.. أن واحدة من الاشكاليات والتحديات السياسية المعرقلة للتطور الديمقراطي مثلاً وجود ثلاث عوائل بخلفيات طائفية وقومانية وعشائرية، وهي عائلة الصدر. عائلة الحكيم. عائلة البرزاني.. هذه العوائل مازالت تلعب دوراً متحكماً بالاتجاه السياسي ووجهته في ميزان التحالفات السياسية وتقاسم السلطة والنفوذ وهي تعمل كوحدات سياسية منفصلة لصالح برنامجها الطائفي والقوماني الضيق، وهي ضد قيام نظام مؤسساتي حقيقي الذي سيكون في فهمها وتقديراتها عامل تحييد واضعاف لنفوذها وسلطتها ومن مصلحتها افشال التجربة الجديدة وإبقاءها في ( نطاق ديمقراطي مقيد) وعدم توسيعه كما تجلى في كتابة الدستور وادارة الحكم وشكل التحالفات الطائفية وتقاسم مسؤوليات السلطة كما هو جاري... ايران كان لها التأثير الكبير في توجيه العملية السياسية في العراق من خلال تلك العوائل الشيعية المتنفذة والأحزاب الشيعية والمرجعيةً الدينية الشيعية، وهذا شان القوى الكردية ايضاً التي كونت كياناً سياسياً مسقلاً وعلاقات خارج قبول الحكومة الفدرالية وهي تمارس الضغط والابتزاز وليس من مصلحتها قيام نظام مؤسساتي حقيقي في العراق، ناهيك عن وجود ارادة وموقف طائفي سياسي ونفسي عميق بين السنة، تتبناه قوى مختلفة لا تريد لأي تجربة ديمقراطية ناجحة تقوم على انقاض سياق تاريخي لحكم السنة الذين قادوا العراق طيلة الثمانين عاماً المنصرمة على حساب امتيازهم الذي جرى الاعتياد عليه لصالح طائفة اخرى ومازال موقفهم قلقاً وملتبساً الى حد هذه الساعة يتلوى بين خيارات متناقضة.
    هذه الامثلة التي اوردتها ليست اوهاماً أو مختلقات أقحمتها في هذه المقالة وعلى من يريد بناء رؤية موضوعية عن اسباب تعثر التجربة الديمقراطية لبناء دولة المواطنة في بلادنا، عليه ان يتعمق في رؤية الاشكاليات المركبة التي تحيط بالموضوع دون اللجوء الى الاستعارات الجاهزة وذلك بإلقاء اللوم على الاحتلال الامريكي كذريعة مستهلكة للتنصل من استحقاقات الموضوع ومسؤوليته الاخلاقية والإنسانية وابتزازاً لكل من يجاهر برأي موضوعي.
    ليس هنالك من سبب يدعوني كمثقف وناقد حر أن اضع اللوم على الاحتلال الامريكي ملتقطاً السيئات فقط متجاهلاً قيمته وأهميته؟ في الوقت الذي تستدعي مني الامانة والمسؤولية الاخلاقية والوطنية التعامل مع هذا التغيير التاريخي وفهمه خارج نطاق عقدة الكراهية والازدراء لأمريكا بوصفها دولة امبريالية او معادية للشعوب مما يمنحني فهماً وتأملاً حيوياً ممتداً يتعامل مع فكرة ومفهوم (اوان اللحظة التاريخية) بطريقة واقعية، تلك اللحظة التي اقتنصتها وتفاعلت معها شعوب حضارية قبلنا، كالشعب الالماني والياباني واي شعوب اخرى سعت لإنهاض اوطانها، دون الالتفات والنظر الى التداعيات المؤلمة التي جرت وتجري بشعور دوني وكرامة مجروحة نحو تغيير قادته دولة اجنبية ضد نظام فاسد ومستبد يتلحف بعباءة وطنية مهلهلة لم يأسف عليه الا من اختل عقله وتلاشى ضميره...

    امريكا ارادت بناء نظام شبه لبرالي مدني موالي او صديق لها سمه ما شئت، وكانت تراهن بقوة على نجاح هذا المشروع في العراق، وليس من المنطقي عقلاً وواقعاً ان تبذل كل هذه الاموال الضخمة والتضحية بجنودها وحتى سمعتها لكي تضع العراق في دائرة الفوضى والعنف والفشل. انها مقاربات عقيمة ورؤى لا تستند الى عقلانية التحليل الحصيف وبخاصة تلك الافكار التي تصور امريكا بكل تلك الحماقة والسذاجة ولا ادري كيف ستبرر امريكا موقفها امام شعبها والتاريخ وهي تتبنى مشروعاً فاشلاً وعقيماً خططت له ونفذته بكل غباء وبذلت كل هذه الكلفة ليخفق.. مثل هذه الاراء الساذجة كثيرة ويصدقها البسطاء من الناس. ما أردته ليس صناعة التبرير بل لفهم الاسباب الجوهرية التي ادت الى فشل مشروعها في العراق...

    مواقف تدعو الى التأمل..؟
    هناك الكثير من القوى اليسارية التي وجدت في اسقاط النظام الدكتاتوري على يد امريكا عاراً وثلماً وطنياً وقدمت بدائل للتغيير في جوهرها ساذجة ومضللة على سبيل المثال للحصر كشعار (لا للحرب.. لا للدكتاتورية) الذي يعني في فهمي (لا للعطش.. لا للماء) ومثل هذه الشعارات جدلاً لو جرى الاخذ بها او الركون اليها فذلك سيعني اًطالة عذابات وتضحيات شعبنا ووطننا الى مديات غير معلومة لارتهانها الى اوهام وآمال زائفة لا يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها، وهذا ما كانت تراهن عليه الدكتاتورية للبقاء في الحكم وتفادي السقوط والعقاب على يد تحالف دولي محتمل ضدها... في الجانب الآخر نرى مدى الانحطاط والنفاق الذي تمارسه الاحزاب الشيعية بنكرانها للجميل ازاء ما قامت به أمريكا نحوها من وضعها في السلطة وحمايتها وتقديم مساعدات مكلفة لها.. انها غرابة المشهد العراقي في جحوده وتخبطه وتخلفه وتناقضاته وهذا غيض من فيض..
    لقد عاش العراقي في وطنه غريباً مستغرباً بلا كرامة ولا هوية سواءً من كان ضد النظام البعثي أو حتى معه ، ولم يكن هنالك امل في الخلاص من نير ذلك النظام الاستبدادي البشع بقوانا الذاتية ممكناً وكانت الاغلبية تتطلع الى عون دولي لتخليصنا من شروره. لكن عقدة الفهم الفكري والنفسي لهذا الموضوع خلقت اشكالية إدراكه بروح خلاقة مما ضيع فرصة التوازن العقلاني والتفاعل معه بواقعية لمصلحة وطننا....
    ليس مهماً ان تكون أسباب اسقاط النظام مختلقة في الفهم الامريكي أو مبررة اخلاقياً ،بل في المحصلة أن هذا الفعل قد انقذ بلداً وشعباً من هاوية الاحتضار وقيود اليأس والاحباط والذل التي صادرته وقوضت كل قيمه الانسانية. وألامثلة والوقائع التي ذكرها الكاتب الوطني النبيل الدكتور عبد الخالق حسين عن تلك الانتهاكات والجرائم في مقالاته الاخيرة حول الموضوع واضحة وشاملة.. لقد تشظى المجتمع العراقي قبل الاحتلال الامريكي الى طوائف وهويات فرعية وقومية، فالنظام الشمولي ساهم بتمزيق الوحدة الوطنية القلقة اصلاً ورفع القيم الشمولية على حساب المزايا الوطنية الانسانية مما جعل اللجوء الى الهويات الفرعية خياراً رائجاً ومفضلاً .. ومن نتائج هذا الوضع وتداعياته بروز أحزاب ذات لون طائفي شيعي كانت ناشطة ومعارضة قبل تغيير النظام كحزب الدعوة ،والمجلس الاعلى وغيرها وخاضت كفاحها انطلاقاً من مفهوم طائفي, ولاادري أن كان الامريكان قد اسسوا التيار الصدري أو حزب الفضيلة الشيعيين...! كما ان هنالك وجود تاريخي لأحزاب قومية كردية فاعلة ضد النظام الدكتاتوري ...
    من جانب آخرى لابد لهذا الاستقطاب السياسي والطائفي المذكور أن يصنع وعياً طائفيا بين السنة، و يخلق وضعاً يستفزهم ويستنفرهم ويضعهم في خنادق التحدي الطائفي الذي هو ملاذ واقعي لهم في مثل هذه الظروف الشاذة مما جعلهم يتحركون بوحي وارادة الطائفة. وهذا هو الواقع السياسي لخريطة بلادنا الاجتماعية التي تعاملت معها سلطة الاحتلال برؤى متفاوتة. وبالتالي تستدعي الامانة معالجة هذا الموضوع وفهمه في نطاقه العراقي المعقد الذي فرض مثل هذا الوضع الطائفي وأمريكا تعاملت معه بوصفه واقعا ًلم تصنعه لكنها من المرجح واجهته بمسؤولية تفتقد الى العمق..

    استدراك..
    ليس كل ما جلبه التغيير واسقاط النظام 2003 سيئاً ومحبطاً فقيم الديمقراطية وحرية التفكير النسبيتين قد خلقتا ثقافة النقد والاعتراض والرفض وحرية التظاهر والانفتاح الاعلامي وظهور قنوات فضائية وصحف ومجلات، وتشكل منظمات مجتمع مدني وأحزاب كلها تعكس حيوية وعي حضاري جديد مما اثر في قطاعات اجتماعية مختلفة كانت خارج المعادلة السياسية. ويأتي تفاعل العراقيين مع ثورة الاتصالات التي اجتاحت البيوت العراقية كعلامة بارزة تشير الى تطورات مهمة تسير قدماً رغم كل العوائق والاشكاليات..
    واصبح نقد وفضح الانتهاكات ومواقف المسؤولين ممارسة عادية وعلنية في مختلف القنوات والصحف، وتأسس واقع ملموس بدستور وتعددية سياسية وتداول سلمي للسلطة بوجود برلمان وانتخابات ومنتخب كمرتكزات اولية لم تنضج تأثيراتها بعد، لكنها اصبحت جزءاً من الثقافة السياسية الجديدة وأصبح من العسير ان تنشأ دكتاتورية أو ظهور مستبد دون ان يلاقي الرفض والفضح والمقاومة، ولا يمكن نكران تغير الوضع المعيشي بشكل ايجابي نتيجة لتمكن العراق من تصدير نفطه بشكل حر بعد الغاء قرارات مجلس ألأمن ضده وسقوط الكثير من المديونية التي خلفها النظام وغيرها الكثير من الانجازات التي يضيق المقال بذكرها.

    وهنا استعيد من التاريخ بعض الوقائع الدالة لقيمة هذا التغيير الذي جرى بفضل وقيادة أمريكا..
    البعثيون ابان الجبهة الوطنية 1973 التي ضمتهم والحزب الشيوعي العراقي في علاقة تحالف رغم ذلك التحالف السياسي كانوا يعاملون الشيوعيين بكل ازدراء وحقد وغدر وتصفية، بينما تعامل الحاكم المدني الامريكي بول بريمر بكل احترام وتوقير مع السيد حميد مجيد موسى سكرتير الحزب الشيوعي العراقي واثنى عليه بوصفه قائداً سياسياً عراقياً وأحد اعضاء مجلس الحكم الانتقالي.. وهذا يدل على ان منافذاً للنشاط السياسي الحر قد توفرت بفضل هذا التغيير، وحظي الحزب الشيوعي بفرصة عمل علنية كبيرة، مقرات، جريدة، منظمات ناشطة له، وجرى انصاف الكثيرين من رفاقه وأصدقائه من خلال عملية دمج الميليشيات وعودة الكثيرين الى وظائفهم، واستيزار وزراء نواب برلمان وحضور اعلامي نشط الى جانب مزايا كثيرة...
    في الايام الاولى لسقوط النظام الفاشي تجمهر الشيوعيون وانصارهم ترحبياً وفرحاً بهذا التغيير التاريخي، طبعاً ليس بالقوات الامريكية كقوى احتلال، بل بإسقاط الدكتاتورية وتباشير عهد جديد مما يدل على ان إسقاط النظام بأي وسيلة كان مطلباً عادلاً وواقعياً.
    قد يقول لماذا اخترت الحزب الشيوعي العراقي تخصيصاً في هذا المثال..؟ الجواب ان كل العهود تناوبت على ذبح واضطهاد الشيوعيين سجناً وتشريداً وقهراً إلا في العهد الجديد الذي صنعته امريكا. من الممكن القول ان الخصم العقائدي للشيوعيين امريكا تعاملت بواقعية مع وجود حزب شيوعي ناشط، بل وفرت فرصة تاريخية لتواصله بصورة علنية وفعالة، ناهيك عن الاكراد وبقية الشعب العراقي. لقد أتاح هذا التغيير التاريخي فرصة انصاف ملايين العراقيين ممن شردوا وقتلوا واضطهدوا وتحسن الوضع الاقتصادي للملايين. والأهم ان دماء الكثير من الشهداء والضحايا لم تذهب سدى فلقد عوقب بالقصاص العادل اركان النظام وعلى رأسهم المجرم صدام حسين.. لكن ادارة العملية السياسية بطريقة سيئة ومختلة والأسباب التي ذكرتُها كانت وراء الفساد والفشل والطائفية والتخلف ومازال الجرح غائراً والتحديات والاستحقاقات هائلة. وهنالك الكثيرون ممن ظلموا وهمشوا ومازالت متاهة التغيير مترامية بدون افق.
    من هذا المنطلق اقول ان اسقاط النظام الدكتاتوري بواسطة امريكا لم يكن تحريراً فحسب، بل كان إنقاذاً لشعب وبلد كانا على حافة الاحتضار والهاوية. وما يجري الآن وفي المستقبل من فشل وخراب وظلم وفساد ودماء تسيل يتحمل مسؤوليتها العراقيون الحاكمون بالدرجة الاولى الذين أخفقوا في بناء مرتكزات دولة المواطنة، اضافة الى تلك القوى الشريرة والظلامية التي تقف عائقاً في وجه اي تحول مدني حضاري. لقد فسرتُ بعض الوقائع وبررتُ بعضها وهذه مهمة المثقف الناقد الحر الذي لا تقيده ايدلوجية شمولية أو غايات نفعية رخيصة أو تصادره دونية اهداف...

    طلال شاكر كاتب عراقي
    عشر سنوات على انقاذ العراق من الدكتاتورية..
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=352996
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media