تخليص الإسلام من قيود خمسة عشر قرنا
    الجمعة 8 نوفمبر / تشرين الثاني 2019 - 08:01
    سامر عبد الحميد العماري
    قراءة في كتاب (بناء الدولة/ أثر الإسلام وتفاعل الأزمنة)
    المؤلف: الدكتور هادي حسن حمودي
    الناشر (Samson Publisher) لندن 2018م
    ***
    هل هذا الكتاب قراءة علمانية للإسلام، أم قراءة إسلامية للعصر الراهن؟
    المعروف عن المفكر العراقي هادي حسن حمودي اهتمامه باللغة حتى اعترف له المنصفون، بأنه شيخ اللغويين العرب. وآثاره اللغوية (84 مؤلفا وعدد كبير من المقالات والبحوث) شاهدة على ذلك.
    وبقائمة مؤلفاته عناوين من تخصصات أخرى.
    وسبق لي أن كتبت عن كتابيه (الإسلام والأزمنة الحديثة) و(الإسلام من الثابت إلى المتغير). ونبهت إلى أن بحوثه في قضايا الإسلام تنطلق من الفهم اللغوي لآيات القرآن. وأن كتاباته ترتقي فوق المذاهب والروايات، لا لتعود إلى الأزمنة القديمة، ولا لتستعيدها اليوم، فهو مؤمن أنه لا يمكن استعادة التاريخ، ولا يمكن الاستقرار والتجمد في لحظة من لحظاته. وإنما لتقول: إن لكل زمان منطقه. وإن الإسلام وضع الأسس وترك للناس بناء حياتهم. واستدل على هذه الحقيقة بآيات وأحاديث نبوية يعترف بها المسلمون بكافة طوائفهم. ولم أجد عنده رواية واحدة فيها اختلاف بين الطوائف.
    وحين رأيت كتابه هذا (بناء الدولة/ أثر الإسلام وتفاعل الأزمنة) في أكثر من 300 صفحة، أيقنت أنه قد أدرك الغاية من كتاباته، فلم تعد مجرد تنظيرات، بل نقلها لفائدة بناء الدول العربية المعاصرة، إذ يقدم الإسلام لهم بفهم علمي موضوعي لا مجال لاتهامه بالعلمنة على ما نشره بعض المتعجلين، ولا لاتهامه بالتغريب بسبب كونه مهاجرا في الغرب منذ سنوات طويلة، ولا اتهامات التجمد التي توصف بها الدراسات والبحوث الدينية. فمنذ بداية السطور الأولى من كتابه هذا، يقول:
    (نقرر، منذ البدء، أنّ هذا الكتاب لا تعنيه الشعارات التي تريد أن تجمّد الفكر في صناديقها المقفلة، سواء كانت شعارات تقليدية محنّطة، أم تَعالُميّة صاخبة، أم شعارات مؤدلجة متعصبة. ذلك أن في التجمّد مقتلَ الفكر فيعقم عن تلمس طريق التطور والتقدم. وبالرغم من الضرر البالغ الذي ألحقته تلك الشعارات بواقع المجتمعات العربية، فإنها (أي تلك الشعارات) ما تزال تغري هذا الفريق من الناس، أو تثير نقمة ذاك الجمع المعارض له).
    فالسيد المؤلف يؤكد أن الإسلام لا علاقة له بالتصورات المناقضة لمسيرة التاريخ، ويعيد سبب انتشار تلك التصورات إلى شيء آخر لا صلة بينه وبين الدين ولا يهتم بتطور التاريخ. فهو يرى أن الإسلام ظهر في جزيرة العرب قبل خمسة عشر قرنا، مما أتاح لخمسة عشر قرنا، أي ألف وخمسمائة عام، أن تضع عليه أثقالا جعلته حبيس صندوق مغلق، وجعلت المسلمين متجمدين في ذلك الصندوق، شغلتهم الخلافة بالحروب والغزوات وعطلت العلوم منذ سقوط بغداد على يد المغول. لذلك يجب استنقاذه منها ليعود كما هي حقيقته رسالة بناء وإعمار وتطور وتقدم يتماشى مع التطور الطبيعي للبشرية، وهذه الرسالة هي رسالة الأديان جميعها، في أصولها وجوهرها.
    فمحور الكتاب، إذن، الخروج من صندوق التخلف إلى آفاق المعرفة والحضارة، بمراعاة فروض العصر الذي يجد المجتمع نفسه فيه.
    وقد خصص الأستاذ المؤلف عدة فصول للحديث عن أهم القضايا المعاصرة في بناء الدولة، مثل العلاقات الدوليّة وقضايا الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة في العصر الحديث. وطرح سؤالا: (هل قنّن الإسلام كلّ الأشياء، بجزئياتها وكلّيّاتها وحدودها، بحيث لم يعد لدى الإنسان المسلم إلاّ تطبيق ذلك التقنِين، جامدا عليه، متكلّسا عنده؟ أم يصح أن نقول بأنّ الإسلام وضع المبادئ العامّة والقواعد الكلّيّة وترك للناس فسحة الاجتهاد والتطوير، تأسيسا على تلك المبادئ والقواعد، وبالاستفادة من ظروف العصر الذي يجدون أنفسهم في خضمّ أحداثه).
    سؤال يجيب عليه السيد المؤلف بما يغري القارئ بمواصلة النقاش معه.

    سامر عبد الحميد العماري
    (باحث تونسي – المونستير - تونس)
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media