سُراق ألمال ألعام و سُراق ألدولة
    الثلاثاء 26 نوفمبر / تشرين الثاني 2019 - 07:07
    د. غانم المحبوبي
        ليس غريباً أو مخفياً على ألناس أن تجد مَن يسرق ألمال ألعام مستغلاً لذالك موقعَه أو منصبَه كمسؤولٍ في دولة ما، ويتباين عدد هؤلاء ألسُراق وكمية سرقاتهم حسب مستوى تحَضُر ذالك ألبلد وطبيعة نظامه ألسياسي. هذا ألنوع من سُراق ألمال ألعام لايختلفون عن باقي ألمجرمين حيث هم يختلسون ألأموالَ عن طريق صلاحياتِهم ألوظيفية في ألوصول إلى تلك ألأموالِ ويتم ألإختلاسُ أو ألسرقة بطرق غير قانونية. هذا ألنوع من ألفساد ألمالي يتميز بما يلي:

    ١. هؤلاء ألسراق يعلمون ويقرون أنهم مجرمون، لذالك يحاولون ألتستر على جريمتهم وألهروب من سلطة ألقانون.
    ٢. هذا يعني إن هؤلاء ألسراق يتواجدون في دولة غالباً ما تكون دولة ضعيفة، ولكن فيها قانون فعال يطبق على ألجميع بواسطة ألقضاء.
    ٣. إن كُشف أمرهؤلاء ألسراق، فسيُحالون إلى ألعدالة لنيل ألقصاص.

    أما ألنوع ألآخر من ألسراق فهم سراق ألدولة برمتها. هؤلاء ألسراق ألغير تقليديين هم غالبآً ألحكام، يسرقون كل شيء في تلك ألدولة ولكن بطرق غير تقليدية، حتى يصبح شعبُها جزءاً من ممتلكات ألسارق (ألحاكم) وما زاد عن ذلك فلعائلته ثم لحاشيته ألمقربين. ويتصف هذا ألنوع من ألسراق وسرقاتهم بما يلي:

    ١. هذا ألنوع من ألسراق لا يعتبرون أنفسهم سراقاً بل يعتبرون إن كل ما يستولون عليه ليس إلا جزأً من إمتيازاتهم ومستحقاتهم، وإن لم يُقَر هذا في قوانين ألدولة.
    ٢. هؤلاء ألسراق يتواجدون في دولة غالباً ما تكون دولة قوية وصارمة وفيها ألكثير من ألقوانين ألفعالة ولكنها ليست سارية ألمفعول على هؤلاء ألسراق.
    ٣. هذا ألنوع من ألسرقة غير مخفيا في ألغالب كي يحتاج لمن يكشفهُ بل على ألعكس إن كل أفراد ألشعب مطلع عليه ولكن ومع ألأسف ألشديد يرضون بذلك إما كأحد ألمسلمات ألمشروعة أو خوفاً من بطش ألسلطة ألسارقة للدولة.

    مما لا شك فيه إن في ألدولة ألعراقية ألحالية ألكثيرُ من سراق ألمال ألعام وأللذين يجب كشفهم وإنزال ألعدالة بحقهم. وما نراه ألآن إلا محاولات ألشعب لكشفهم وإحالتهم إلى ألقانون وإرجاع كل ما سُرق من أموال ألدولة. هذا شيء رائع يحسب للشعب ولكن ما هو مؤسف للغاية إن ألكثير من أفراد ألشعب يقعون في خطأ كبير عندما يتصورون إن ألنظام ألسياسي ألسابق قبل ٢٠٠٣ كان يخلو من هؤلاء ألسراق أو على ألأقل يرددون ألعبارة ألساذجة "كان سابقاً صدام واحد وألآن عندنا ألف صدام". إن خطورة مثل هذا ألطرح ألساذج لا تكمن في محاولة تبرير ألخطأ بخطأ أكبر، بل في غياب ألوعي ألصحيح وخلط ألأوراق. لم يدرك هؤلاء ألمتقولون إن سبب عدم وجود فرصة لسراق ألمال ألعام ألتقليديين ألحاليين في زمن صدام حسين لا يكمن في نزاهة وعدالة ألدولة آنذاك بل لأن ألدولة بكاملها كانت مسروقة من قبل ألحاكم (صدام) ومن لَفَ حولهُ، أرضها وخيراتها وأموالها وقيمها بل وأهم من ذلك حرية وكرامة شعبها.

    ولغرض ألإيضاح أسرد بعض هذه ألأمثلة: كل ألعراقيون يعرفون إن ما تملكه ألزمرة ألحاكمة ألسابقة هو غير محدود من قصور وبساتين وطائرات ويختات وسيارات فخمه وأرصدة مفتوحة في ألبنوك ألمحلية وألخارجية وغيرها ألكثير. إن ما لم ينتبه إليه ألناس، وأنا ألآن في صدد إيضاحه، هو إن ألنظام ألسياسي ألسابق وبناءاً على ما سبق ذكره أعلاه لا يحتاج أن تكون هذه ألممتلكات مسجلة بإسم شخص معين كصدام أو عدي أو رغد لأنها جميعاً ممتلكات ألدولة وألدولة بذاتها من مستحقاتهم وإمتيازاتهم، ومن له أن يعترض على ذلك؟ بتعبير آخر، لايحتاج حينها عدي أو عزة ألدوري (ولا حاجة لي أن أقول صدام)، أن يمتلك رسمياً قصراً فخماً على ضفاف دجلة أو مزرعة كبيرة في تكريت أو طائرة خاصة في ألحبانية لكنها جميعاً وغيرها ألكثير تحت تصرفاتهم. كلها تابعة رسمياً إلى ألدولة كرئاسة ألجمهورية أو ألقيادة ألحزبية أو غيرها وما كان لذالك أن يغير شيئاً لأن ألدولة كلها ملكاً لحاكمها.

    إن سرقة ألدولة سابقاً لا تقتصر على ألأموال وألممتلكات بل تشمل سرقة ألقيم وألمعايير ألمعنوية للدولة. لم يكن لأحد أن يجرأ ويتسائل من أين جاء صدام وحسين كامل وعلي حسن ألمجيد وعزة ألدوري وغيرهم بأعلى ألرتب ألعسكرية في ألجيش ألعراقي وألمزدحمة على أكتافهم؟ أليس هذا سرقة علنية لقيم وأعراف ألدولة؟ في ألوقت ألحالي، هناك من يُزَور شهادة مدرسية أو جامعية ويتستر على ذلك، لكن جنرالات ألحكم قبل ٢٠٠٣ لم يحتاجون أن يزوروا رُتبهم ومؤهلاتهم ونياشينهم ألعسكرية بل تمنح لهم مكرمةً وبحفل رسمي أمام ألشعب.

    أما سُرقت كرامة وشرف ألشعب عندما أباح صدام وأبناءه وغيرهم ألكثير أن يسرقوا عذرية وشرف ألكثير من نساء ألعراق؟ أولم تُسرق كرامة عشرات بل مئات ألآلاف من ألعراقين وذالك بتجريدهم من وطنيتهم ألغالية جداً وبسرقة (إلغاء) جنسيتهم ألعراقية ورميهم في ألعراء خارج حدود ألوطن ثم سرقة ممتلكاتهم؟

    وفوق هذا وذاك، لقد سُرقت إرادة وحرية ألشعب ألعراقي ولسنين طوال في ألتعبير عن رأيهم وألمطالبة بحقوقهم حتى في ألعمل وألسفر وألزواج وألسكن وغيرها ألكثير. ثم جاء بعد ذلك سرقة أرواح ألشعب ليس فقط في ألسجون وألتعذيب وألإعدام وألقتل ألجماعي بل وزجهم في حروب طاحنة ليس لهم بها ناقة ولا جمل.

    نعم، إنهم جميعاً مجرمون، إن كانوا سُراق ألمال ألعام ألحاليين أوسُراق ألدولة ألسابقين. وألحقيقة ألمهمة هي إن ألعراقيين قد أعادوا ألدولة من سُراقها ألسابقين إلى ألشعب وأنزلوا عقاب ألشعب بهم وما عليهم ألآن إلا أن يكشفوا سُراق ألمال ألعام ألحاليين ويُرجِعوا أموالَهم ألمسروقة للشعب وإحالتهم إلى ألقضاء ألعادل.
     
    ألدكتور غانم ألمحبوبي  
    ملبورن، أستراليا

    galmahbobi@hotmail.com
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media