حول الديمقراطيه فى العراق
    الخميس 30 مايو / أيار 2019 - 10:55
    د. حامد السهيل
    متابعه لمقالة د. عبد الخالق حسين (هل حقاً الشعب العراقي غير مؤهل للديمقراطية؟) المنشوره بتاريخ 29/  5 

    ان د. عبد الحالق حسين غنى عن التعريف لما يطرحه من افكار وما يحمله من فكر متقدم ووطنية عالية مستنيره, انه يحمل هموم وطنه والام  شعبه وهو بلا شك متحمس للديمقراطية فى العراق.

     قبل كل شىء يجب التاكيد من ان الديمقراطية كنظام اجتماعى/ سياسى يمثل عملية مجتمعية متعددة والحقول,الا ان تكون ناجحه يجب ان تتبلور عن حاجة مجتمعية تنعكس على اثر تغييرات, وتطور فى هيكلية البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع. هنا يفرض السؤال نفسه هل حصلت عملية تغيير نوعية فى هيكلية البنية الاقتصادية الاجتماعية فى العراق منذ تاسيس الدولة العراقية فى نهاية العشرينات من القرن الماضى. مع دخول القوات العسكرية الانكليزية العراق كان مشروعها الاستقرار فيه, قدموا لنا شيئا من الحداثة وصوره شكلية للنظام الديمقراطى االقائم فى بريطانيا. ليس هنا حاجة لشرح اسباب عدم  تجاوز بعضا من شكلية الديمقراطية فى ثوبها العراقى, وكما ذكر د. عبد الخالق ان رئيس الوزراء نورى السعيد قد احل المجلس النيابى لوجود 14 نائبا منتخبا من الجمهور يمثلون معارضه برلمانية. ولابد من السؤال: هل يمكن بناء الديمقراطية من دون ديمقراطيين ناهيك تحت سلطة واشراف دولة لها مصالح كبيرة متنوعة فى البلد.؟؟. من ناحية اخرى فأن الاحزاب الوطنية فى العهد الملكى كانت نخبوية وغالبية اعضائها من المثقفين, هل كانت تدور فيها نقاشات ديمقراطية ام ان الرؤساء يحددون المواضيع ويشكلون المرجعية, هذا بالاضافه الى ان احد اقدم الاحزاب العراقية الذى حمل لواء  مشروع بناء مجتمع اشتراكى وكان له شعبية كبيره كان ممنوعا ومطاردا ويعمل فى الخفاء , وتحت هذه الشروط لم يعرف الديمقراطية ولم يمارسها وكل الذى حصل ممارسة ما يسمى بـ "الديمقراطية المركزية", هذا يعنى ان الاعضاء والانصار والمؤيدين يستلمون وصفات وتقييمات حول الوضع جاهزة دون ان يستطيعوا المساهمة فى بلورتها. اما عن حزب البعث وبعد ثلاثين سنه فى الحكم اعتمد مبدأ " نفذ ثم ناقش". هذا يؤكد بان الاحزاب التى تأسست فى العراق والحكومات لم تضع لبنات اولية  لممارسات ديمقراطية, ثم ينال من الشعب العراقى انه لايستطيع ممارسة الديمقراطيه  وانه صعب المراس ولا ينفع معه الا طغاة مثل يزيد,الحجاج وصدام حسين!!.   ان  " ثورة, انقلاب" 14 تموز 1958كانت حركة وطنية للضباط الاحرار,  سابقة لاوانها  بعشرات السنين, يحملون   تصورات وافكار سياسية ومشاريع متنوعة وتفتقد الى قاسم مشترك فعال. لقد بدأت الخلافات فى صفوف الثوريين, بالاضافة الى صراع القوى الحزبية فيما بينها والبعض منها ضد السلطة الجديدة ايضا, بالاضافة الى ممارسة ضغوطات وتدخل من مصر العربية والسفاره البريطانية, وبذلك لم تكن السنين القليله سنين بناء اجتماعى اقتصادى للانسان والمجتمع, ولكن قد حصلت خلال السنين القليلة نهضة عمرانيه واقتصادية وتوسع كبير فى البنية التحتية والصحة والتعليم. انى اقصد بذلك ان الانسان العراقى , حينما تتوفر ظروف ملائمه يصبح مبدعا وسريع التعلم, كذلك فى اسلوب وحيثيات الديمقراطية. 

    ان التشكيلات المجتمعية قد افرزت انماط من الحكم ترتبط مباشرة بالقوة الاقتصادية التى تعبر عنها, او تمتلكها جماعة معينه لها ايديولوجية وتنظيم. ان كبار ملاكى الاراضى والارستقراطية وكبار الضباط لم تكن الديمقراطيه فى حساباتهم, ولكن مع انتقال الصناعة من العمل اليدوى ثم الى المانيفكتورا فالانتاج الكبير فى المعامل ويتم الانتاج الى عملاء مجهولين, برزت جماعة جديدة تمتلك القوة الاقتصادية والايديولوجية لبلورة نظام جديد يتفاعل ويدعم تطلعات الطبقة الجديدة, لقد استغرقت هذه العملية بضعة عشرات من السنين ولم تقتصر على الهيكل السياسى وانما مع تطور التكنولوجيا اصبحت المصانع مجالا واسعا للممارسات الديمقراطية, و فهم وادراك الحقوق والواجبات  كما ان هذة الطبقة كانت حاذقة وذو عقلانية اقتصادية فاعلة واخذت بناء مساكن ومحلات تسوق وسينما وحدائق الذى ساعد على تحسين وضع العاملين المعيشى ولمسوا الفائدة المباشرة من عملية التطويع الذاتى والاندماج بواقعهم الجديد. ان هذه الطبقة لم تمارس الحكم بشكل مباشر وانما تركتها لجماعة المثقفين والخبراء من الذين يشكلون الحكومة عن طريق الانتخابات الديمقراطية التى تعاد كل 4 او 5 سنوات والتى فيها اما ان تستمر الاحزاب السابقة فى الحكم او ان تفوز احزاب اخرى. ان جميع حكومات الديمقراطيات الغربية تعمل على تنظيم العملية الاقتصادية الاجتماعية بما يتلائم مع مصالح وتطلعات اصحاب المصانع والبنوك والقوى المؤثرة فى المجتمع, ان "اصحاب العمل" كان لهم مشروع مجتمعى, انه مشروعهم, وكانت الديمقراطية ضروريه لنجاح هذا المشروع.

    ان الانظمة الديمقراطية فى تاريخها الطويل لم تسير فى خط مستقيم مستمر من التطور والنمو. فى المانيا لم يستطيع اصحاب العمل بلوغ السلطة فى ثورة 1848 , ولم يكن المستشار الحديدى بسمارك, بالرغم من نجاحه فى توحيد المانيا ديمقراطيا, فنظام الانتخابات لم يكن عاما وانما تمتع الاغنياء وكبار اصحاب المقاطعات الزراعية بحقوق اكثر من العمال, وحتى بعد تطور الاقتصاد الالمانى بشكل سريع جدا وتبلورت طبقة راسمالية فاعلة لم تستطيع تحقيق طموحات بسبب عقلية النظام القيصرى وصلاحيات القيصر المؤثرة جدا. بعد الحرب العالمية الاولى قامت " ديمقراطية جمهورية فايمار" وكان السعى من اجل قيام دولة القانون والمؤسسات, ولكن هذه الديمقراطية الفتية لم تستمر طويلا, اولا  لما افرزته الحرب من مشاكل مجتمعية خطيرة وظهور احزاب يمينية كثيرة ومنها الحزب النازى المتطرف بقيادة هتلر, هذا بالاضافة الى القيادات الادارية وقيادات الجيش لم تكن مقتنعة بالديمقراطية كنظام لانهم مازالوا يعيشوا بافكار وتصورات القيصر, هذا بالاضافة ان القوى الاقتصادية لم تدعم ديمقرطية فايمار. انتهت تجربة اليمقراطية الالمانية الاولى بصعود النظام النازى العنصرى الى الحكم, وما زال العالم يئن تحت الجرائم وتدمير الدول والشعوب التى اشعلها النظام النازى فى الحرب العالمية الثانية. ان صعود النازيه الى السلطة كانت كارثة شاملة اصابت الديمقراطية فى المانيا ايضا, عاشت الديمقراطية فى الولايات المتحدة الامريكية ازمة كبيرة مع السيناتور القروى "مكارتى" الذى اقام محاكم لاستجواب العديد من الفنانين والمثقفين واتهامهم بنشاطات وافكار غير امريكية تهدد الامن القومى.

    ان تصاعد مدارات العولمه افرزت اوضاع جديدة ما زالت  الحكومات  تعانى من عملية تكيييف والتأثير على القوانين وسلوكيات المواطنين.  ان العولمه تحتاج الى  عناصر ضبط ورقابة وتحديد حرية الرأى والخطابة, والسكان يتطلعون الى ديمقراطية جديدة تفتح المجال لمشاركة واسعة للمواطنين فى سن القوانين وتوسيع المجال لانتخاب شخصيات تتمتع بصلاحيات كبيرة عن طريق الانتخاب المباشر. من القضايا الهيكلية للديمقرطيات الغربية ان الاحزاب التى تشكل الحكومه تفقد مصداقيتها بشكل متطرد وتظهر دائما فضائح رشاوى وتهرب ضريبى او المحسوبيات. ان سلطة الاقتصاد تهيمن على عمل الحكومة وعمل ممثلى الشعب فى البرلمان, حيث  تتم صياغة القوانين بمشاركة كبيرة مؤثرة من قبل جماعات الضغظ. ان موضوع الديمقراطية ياخذ اهتماما واسعا من شرائح اجتماعية واسعة ويطرح السؤال فيما اذا كانت الديمقراطية فى القرن الواحد والعشرين ما زالت صالحة ويمكن العمل بها, ام انها تحتاج الى عملية اصلاح حقيقية!!.  

    ان السؤال يفرض نفسه حول اهمية وضروره طرح اشكالية الديمقراطية فى العراق واشكالية الانسان العراقى مع الديمقراطية فى هذه الاوضاع الكارثيه, خاصة حينما لاتتناول الاسباب الحقيقية ومن ثم تبنى عليها مقولات واحكام, انها تبدو لى كنظريات الدكتور" على الوردى" حول الشخصية العراقية, انه اخذ بالظواهر وتناسى الاسباب, وبذلك تحولت الى جلد الانسان العراقى واتهامه بالشسفرونيا, وكما هو معلوم ان " التناشز الاجتماعى" ظاهرة اجتماعيةعامه وليست حالة مرضيه ولا تخص العراقيين . لقد نشر د. عبدالخالق مقالات كثيرة حول 2003 وسقوط الدكتاتوريه فى العراق, وكان يأمل ويؤيد التجربة الديمقراطية التى جاء بها "المحرر الامريكى" ويدافع عنها. الا انه لم يخضع الشخوص والنخبة التى جاء بها "المحرر" للبحث العلمى ويقيم مدى صلاحيتهم لاستلام السلطة, وكان عدد كبيرا منهم مقيم , قريبا منه فى لندن يتعيشون بقراءة المأتم الحسينى او يزاولوا اعمال بسيطة ويتحايلوا على ضوابط المساعدات الاجتماعية, والكثير منهم ادعى الخرف والامراض العقلية من اجل تحسين التخصيصات المادية والاجتماعية. هل يمكن بناء الديمقراطية من قبل شخوص سرعان ما ظهرت عليهم الاستعداد للجريمه وسرقة المال العام والوعود والكذب المزمن. كان نموذج "ديمقراطية المحاصصه" التى يمكن وصفها بـ "ديمقراطية الفوضى" وليست "فوضى الديمقراطية" وهى بذل افضل منهج واسلوب عمل لتهديم العراق, دولة ومجتمعا وحضارة.  

    د. حامد السهيل  30/5/2019                                 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media