قراءة في رواية ( الجنائن المغلقة ) الجزء الثاني
    الأربعاء 12 يونيو / حزيران 2019 - 21:41
    جمعة عبد الله
    يضعنا المبدع الكبير ( برهان الخطيب )امام عمل روائي متكامل الابداع والتقنية والصياغة  . في النص الروائي  . وهو يخوض في غمار الواقع السياسي ,  في مرحلة معينة من تاريخ العراق الحديث , المضرجة  بالدماء والعنف المفرط واساليب التسلط الشمولي ,  الحبكة السردية وتداعياتها تمثل ارهاصات خلاصة  التجربة الحياتية  والمعايشة والفعلية في لب الصراع المتعدد الاطراف والاشكال . في الخوض في خارطة  التفاصيل , لاصعب مرحلة او  حقبة سياسية معقدة ومتشابكة . وهي تتناول كيفية  انتزاع  السلطة بالطرق اللاشرعية , وكيفية احتكار العمل السياسي , وكيفية ملاحقة الخصم على أمل  تدميره , سياسياً وجسدياً . المتن الروائي يتناول ايضاً  التخبط في اسلوب وعمل التنظيمات المعارضة العراقية في الخارج  . يسلط الضوء الكاشف على كل اطرافها  الساسية بكل الوانها واشكالها . وخاصة في فترة السبعينيات من القرن الماضي , والفترات المتعاقبة والمتلاحقة بعد ذلك . من خلال المعطيات الحقيقية , بالوثائق المستندات الدامغة . ليستقرئ الاوضاع السياسية السائدة آنذاك  ,في تقمص  دور  دور رجل الامن  الغليظ  والمتزمت , وبالسلوك الذي يعتمد على الاساليب في  المكيدة والدسيسة والاحتيال . في  ممارسة نهج التصفيات السياسية والجسدية للخصم السياسي . مما خلقت  اوضاع شاذة في اراقة  الدم العراقي , وفي التضييق الكامل  على الحرية العامة والخاصة , وانتهاك حقوق الانسان   . وتصاعد وتيرة الارهاب  بطفرات كبيرة  ,  مما خلقت النزوح والهجرة  والتشرد خارج الوطن .  في محطات الغربة والمنفى  والاغتراب .  وهذه المحطات  :  ( سوريا . روسيا . السويد . الدنمارك ) تناول مسار المتن السردي بتسليط الضوء على كل محطة من هذه المحطات , التي تتواجد الجالية فيها  العراقية   . مثلاً سوريا , لا يخرج ولا يدخل اي عراقي  , بعيداً عن مجهر المراقبة الامنية  , وتحت سمع وبصر المخابرات السورية , وعيونها منتشرة حتى  داخل تنظيات المعارضة , ولها اليد الطويلة على اطراف المعارضة بكل اشكالها والوانها . كما يكشف المتن الروائي , التنابز والخلاف والتناحر  , الذي يسود عمل التنظيمات المعارضة  السياسية . والكل يدعي بأنه سيكون  الوريث الشرعي  بعد سقوط النظام في بغداد   , وكذلك يد النظام الاخطبوطية , المتغلغة في اعماق المعارضة وتنظيماتها   . ويتناول النظرة  الارتيابية ,  لكل من يدعي انه مستقل ولا يحبذ العمل السياسي ولا الانخراط فيها     ,  فمعنى  الاستقلالية مرفوض  , يعني يضع نفسه في وضع غير مأمون وصعب وغير مرغوب به  , ولا يمتلك شرعية الاقامة على الارض السورية , إلا بتزكية من احدى تنظيمات المعارضة . حتى ( خالد ) كان يخطط بأن يكون بعيداً عن الاجواء السياسية والحزبية وطقوسها كلياً  , وان يكون مستقلاً , متفرغاً للعمل الادبي . لكنه وجد نفسه يغوص في اعماق بحر السياسة المتلاطم بامواجها العاتية , وجد نفسه مشدوداً الى خيوطها ( أراد  خالد كل حياته ان يكون بعيداً عن السياسة فوجد نفسه في لبها ! . أن يكون متفرجاً مستقلاً فوجد أنه مشدود بخيوط مرئية وغير مرئية الى مسرح الحياة ) ص405 .  والمتن الروائي سلط الضوء على الشخوص المحورية في  الرواية ( خالد . عدنان . صلاح ,  رباب . غالا . ضرغام . حامد ) . ويتابع خيوط تواجدهم في روسيا . وكذلك في انتقالهم الى السويد لطلب اللجوء , يتابع تفاصيل حياتهم وطرق تفكيرهم في هذه البلدان , التي احتلت مساحات واسعة في  ثنايا الحبكة السردية . التي جاءت من ثمرة عمل روائي ,  بالجهد المثابر والدؤوب , وبالعمل المتواصل دون انقطاع , أستمر ست اعوام . ليقدم  هذا العمل الروائي . الذي وظف عدة اساليب متنوعة , في اشكال التقنية الفنية والتعبيرية في اسلوبية الرواية الحديثة , واهم هذه الاشكال , الرصد البوليسي  , في الملاحظة والتدقيق والتحليل والمتابعة  . في اسلوب رشيق ومرهف . 
                   ×× أحداث المتن الروائي : 
    × بعد طرد وابعاد ( خالد ) من روسيا , بالمعاملة الخشنة , حيث لم يسمحوا له بأخذ اي شيء ,  ولم يخبره سبب الاستدعاء ,  او الجهة التي يتوجه اليها  , لكي يجهز نفسه . وجد نفسه  في الحجز لم يسمح لزوجته وابنه في الزيارة في الحجز   .اي انه طرد بأسلوب  تعسفي وظالم  ,  فمن الحجز الى المطار دمشق  , وهل لا يعلم الى اين ؟  واستلم جواز سفره في مطار دمشق . بدون مال سوى حقيبة سفر . فكان يبحث عن قشة انقاذ لوضعه الصعب , بأيجاد صديق ,  او من معارفه , او من اهل مدينته ( الحلة ) وراح يفتش عنهم في مرقد السيدة زينب في الشام . ووجد اقربائه ومعارفه واصدقائه هناك  , وساعدوه في تخفيف معاناته   . وجد الدعم المالي بالاقتراض المالي ,  ليمشي اموره الحياتية , وكان يخطط بأية وسيلة في الرجوع الى روسيا مجدداً , ليدبر احواله هناك ,  ثم الانتقال الى احدى  دول الهجرة . وعرف عن قرب على الخلافات في  التنظيمات المعارضة العراقية , واحوالها البائسة , التي تكتنف حياة العراقيين بالضائقة الحياتية والمالية . وبعد مساعي حثيثة ,  حصل على جواز سفر مزور وتذكرة سفر سياحية الى روسيا . وبالفعل دخل روسيا في عهد ( البيرسترويكا ) . ووجد الاحوال متغيرة في مدينته وكذلك في الاوضاع العامة في البلد   , وجدها  تعيش المعاناة والفوضى في الاوضاع الجديدة . وبدأت تعيش في وضع بائس وتعيس   ( لكن المدينة  بدت في عينيه وكأنها في بداية عهد تعيس . نظافتها ونظامها الصارمان القديمان يختفيان وتحل فوضى في الشوارع والبيوت ... مؤسسات كبيرة تتحلل الى دكاكين صغيرة . والناس في عجلة الى مجهول . القبضة القوية ارتخت فبدأ كل يبرز قبضته ) ص207 . فلم يستقر به الحال في روسيا , فشد الرحال الى السويد , طالباً اللجوء والاستقرار فيها . لكن من الصدف , أنه  وجد غريمه القديم والعتيق ( عدنان ) الذي ساهم بمكيدة منه في ابعاده من روسيا . وكما أن  ( عدنان ) يمثل شخصية عدوانية  بالمزاج الشرس والانانية القصوى  . وكان سابقاً , الحارس الامين والمدافع الشرس عن السلطة وحزب البعث , وساهم في الجرائم الكثيرة , في الاعدام والقتل , حت لاقرب اصدقائه , نفذ فيهم القتل  . ولكن حين اشتد عليه الخناق هرب من قبضة  النظام , وانتقل الى دور المعارض . واساليبه المفضلة في السلوك والتصرف , هي  المكيدة والدسيسة والحيلة , من اجل الايقاع بخصمه . وعرف ( خالد ) بأن غريمه دخل السويد  , بأسم مستعار , اسم صديقه القديم ( أياد مجيد ) الذي نفذ به حكم الاعدام في بغداد بموافقة النظام . لهذا يبقى السؤال والتساؤل , عن جريمة القتل , والجثة التي وجدت مقطوعة  الاوصال , التي عثر عليها , في احدى الغابات في السويد . والتي عرف عنها بعد التحري والتدقيق والتحقيقات المضنية والمتواصلة , عرفت جثة القتيل بأسم ( أياد مجيد ) . فمن يكون القاتل والقتيل ؟  , أذا كان القتيل بأسم ( اياد مجيد ) معدوماً في بغداد   .  لذا من ممكن جداً ان ( عدنان )  ارسل لشخص معين لينفذ به جريمة القتل بأسم ( أياد مجيد )  , لكي يهرب الى بلد اخر , وخاصة انه ضاقت عليه الدائرة اعدائه  المحيطة به ,  والذين يطالبون برأسه  . ( ضرغام ) شارك في اعدام ابيه  بدسيسة مغرضة    . و ( خالد ) ساهم بطرده من روسيا ,  رغم انه كان  متزوجاً  من روسية ولديه ابن ( سالم ) . و ( رباب ) كانت عشيقته وخليلته في الفراش , اثناء دراستها في روسيا , وكان يستخدمها لتجسس على العراقيين , واجهضها اكثر من مرة , وفي الاجهاض الاخير , لم تستطع اجراء  عملية الاجهاض  , لذلك احتفظت بالجنين . و ( حامد ) شقيق ( خالد ) ارسلته الحكومة العراقية , لينفذ عملية الاغتيال بحق ( عدنان ) لانه خرج من بيت الطاعة للنظام   ( لقد تم ارسال حامد بمساعدة المخابرات الى هنا بأعتباره هارباً من الخدمة ومعارضاً للنظام في بلده , مزوداً بعنوان عدنان لقتله والعودة الى بغداد لينعم بمكافأت ) ص328 . لكنه استغل الفرصة ليهرب من النظام ,  وينفصل عنه كلياً , ويتزوج من خطيبته القديمة بنت عمه ( رباب ) . ولكنه كان لم يوافق على تواجد الطفل في البيت  , الذي هو ثمرة غير شرعية في العلاقة الجنسية , بين ( رباب ) و( عدنان ) . أما ( ضرغام ) فهو متزوج من ( غالا ) الروسية . التي كانت  عشيقة وخليلة ( عدنان ) والتي لم تقطع علاقتها المشبوهة حتى بعد الزواج  , مما اضطر ( ضرغام ) ان  يعتدي عليها , وهذه بدورها  اقامت دعوى ضده عند الشرطة , واودع السجن بتهمة الاعتداء على زوجته . ولكنها اختفت مع اختفاء ( عدنان ) بعد ذلك  . لذلك يظل لغز اختفاء ( عدنان ) وجريمة القتل التي حدثت  . حتى التحقيقات الاجهزة الامنية  , لم تتوصل بشكل قاطع الى هوية القاتل والقتيل , حتى بعد مرور عشرة سنوات على ارتكاب  الجريمة . وفي محاورة  في المطار بين خالد  والمحقق , الذي تولى ملف الجريمة على عاتقه  ( - لم تعرفوا قاتل عدنان حتى الآن وإلا كانت وسائل الاعلام ذكرت ذلك.
    - مقتل عدنان لم يثبت بصورة قاطعة لي . وما يحيرني ان عدنان لو لم يكن هو القتيل فلماذا لم يظهر في بلده أو غيره بعد تغير النظام وانقضاء عهد صدام ) . ص422 . 
    عمل روائي يستحق القراءة . 
    × الرواية : الجنائن المغلقة / الجزء الثاني 
    × المؤلف : برهان الخطيب 
    × الطبعة الاولى : عام 2006 . في بغداد 
    × عدد الصفحات : 431 صفحة 
    جمعة عبدالله
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media