مع النفس والقلب*
    الجمعة 21 يونيو / حزيران 2019 - 20:10
    علي محمد الشبيبي
    لشدّ ما أكثرت حساب النفس وأطلته، فلم أحظ بطائل. وعنفت القلب ولمته، فلم يجد اللوم والتأنيب.

    وقلت: أرجعي أيتها النفس، ورويداً أيها القلب. وتأملا بما جاءكما عن مرح الشباب، وجمال الحياة. لا تتخذا الخيال مركباً، والعاطفة دليلاً، فتتنكبا الطريق وتضيع عليكما السبل، وتتغلب عليكما العواصف، فيتبدد الأمل، ويتضاعف الألم.

    قد انخدعتما بالأصدقاء، وهم لا ينفعون، وتغنيتما بالأحباب وهم يغدرون. واعتمدتما على سواكما خاطئين. أفلم تعرفا من قال (ما حك جلدك مثل ظفرك). ومن قال:

    وإنما رجل الدنيا وواحدها

    من لا يعول في الدنيا على رجلِ


    الناس أخوة في الرخاء وأباعد في الشدائد. فكافحا كل شديدة بحزم المنقطع، وحول المستميت، دون اعتماد على أحد، واتكال على الغير، ولا تجعلا للوهن سبيلاً، ولا للضعف دخيلاً.

    من هو الذي يقول لكما: أنا الصديق الصدوق! أفيحمل في نفسه وداً أكثر منك عليك، وقد تقدمين على الهلاك في سبيل هواك.

    ومن هو الذي يقول: أنا الحبيب المواسي! أفكانت رأفته رأفة الأم الحنون؟ والأب العطوف؟ وربما حارباكما لغير جرم. ونبذاكما على غير ذنب، سوى أن الزمن لم يسعد، والحياة لم تَجُدْ، فايديكما صِفر، وريعكما جديب!

    لا تحسنا بالناس ظناً، ولا تحاربا الناس لمجرد سوء الظن؟ فما الناس إلا مثلكما، يتطرق إليهم حسن الظن وسوؤه! ولا يفعلون الإحسان إلا مقابل إحسان. فأحسنا إلى الناس، إن رجوتما إحسانهم. وان غدر منهم أحد ما يدريكما السبب؟ وما يدريكما الباعث؟ وهو إن أحسن فضل. وان أساء فهو بعيد، لا يحملكما بصدره، ولا يدرك عذابكما بحسه.

    كم تحار أيها القلب بوادي الشكوك. كم تنغمرين أيتها النفس بلجج الأهواء، فتعود أيها القلب ساكناً وحدك كما يسكن العصفور الكسير الجناح. وتفغرين فاك أيتها النفس بالدعاء، ضلةً ترتجين النجاة.... والنجاة والعذاب في هذا الوجود، كالطائر لابد أن يأوى إلى وكر. وأنتِ وسواك وكرهما، طوراً لذا وطوراً لذا، ومنكما الداعي ومنكما السبب!

    دَعا الضجر والقنوط، فالحياة حلوة وجميلة، تريانها غير هذا عندما تغشاكما سحابة اليأس والقنوط. أما إذا كنتما كالمرآة المجلوة بالاطمئنان، وكحديد الفولاذ، من قوة الأيمان، فسوف تريان، أنها جميلة أبداَ.

    كوني يا نفس ضاحكة كل آن. عند الراحة والتعب، في السعادة والشقاء، فلا يكون الفوز إلا نتيجة التعب والكفاح، وبعض الألم لذة. وأكثر الراحة خمول، وعذاب للفكر الذي وجد ليدبّر!

    كن يا قلبي شبيه الجو، فيه النسيم وفيه العاصفة، كالنسيم ينعش النفوس إذا خطر، وتنتشي الأجساد إذا مر، وكالعاصفة قسوة إذا اريد صلاح الموجودات اللازمة للحياة، وتدمير ما هو مضر!

    خذا العبرة من كل شيء. في الراحة بعد التعب، والتعب عند الراحة والخمول، والسمعة الحسنة في العمل الصالح، والرفعة بين الناس في معرفة المقام. ولزوم الحد. وفي عثرة العاثر، ونكد المنكوب، وعاقبة المخطئ، وثمرة المجد المصيب. في هفوة اللسان المهذار، وفي عقبى السكوت الحكيم. وفي بال التسرع، ومحمدة التروي والتأمل. وبعد هذا لا تندما على خطأ وقعتما فيه، عن سهوٍ وعدم تدبر.

    لا نجح مع الضجر، ولا سعادة مع التشاؤم. ولا ظفر مع الجبن. ولا رجاء مع التردد. ولا مقام للضعيف. فجاهدا بمرح وابتهاج. واطلبا السعادة مع الأمل والأيمان. وحاولا الظفر بالإقدام. والتردد لحظة هدمٌ لسعي زمن طويل. والضحك مجلبة الشقاء، ونذير الفشل، ومدعاة الاحتقار والمتاعب. والنكبات دروس وتجارب، فاحفظا تلك الدروس، وأتقنا تلك التجارب، فهما يعرّفانكما كيف الصديق ومن هو. وطريق العمل والصواب، وسبيل النجاح.

    ولا يقعد بكما تفكر في خيبة، ولا يردكما خشية من عقوبة وصعوبة. فالعمل الدائب ضمين الوصول. والتصلب كفيل الفوز، والتغلب على كل عقبة وصعوبة. ومن أقعدته الخيبة عن العمل، وردّه الخوف، عاش روحاً ميتاً في ظلام دامس، دونه ظلام اللحد. وعبث به الهم دونه عبث الدود بجسده فوق تراب الرمس.

    المربي الراحل علي محمد الشبيبي 1913- 1997 


    *- نشرت في مجلة الاعتدال النجفية عدد 7 صفحة 380 عام 1937.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media