الاقتصاد العراقي وتشوه المؤسسات
    السبت 22 يونيو / حزيران 2019 - 19:42
    حامد عبد الحسين الجبوري
    مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
    تلعب المؤسسات في الوقت الحاضر دوراً كبيراً في تيسير وتسيير حياة الأفراد والحكومات بشكل عام والاقتصاد بشكل خاص، فلا استثمار ولا انتاج ولا فرص عمل في ظل تشوه المؤسسات فضلاً عن غيابها، وتعقيد حياة الأفراد اخيراً.
    ما المقصود بالمؤسسات؟
    هي المؤسسات التي تجعل أداء العمل بمختلف انواعه -سياسياً، اقتصادياً، تعليمياً، عسكرياً...- يسير بشكل انسيابي دون تعقيدات داخلية أو خارجية، ومستدام دون انقضاءه بانقضاء المدير أو الرئيس، وتعمل على تقييمه وتطويره باستمرار لمواكبة التطورات المستجدة.
    بمعنى آخر، في ظل غياب او ضعف هذا المؤسسات سيرتبط العمل وأداءه بالمدير أو الرئيس، ويسير بشكل غير نظامي وعشوائي وفقاً لما يريده المدير أو الرئيس، ومتى ما تغير المدير أو الرئيس ستتغير معه كل القرارات والخطط وفقاً لما يريده المدير أو الرئيس الجديد، أي أن العمل يكون مرهون بالشخوص وعواطفهم واهواءهم المزاجية بعيداً عن العلمية والمهنية.
    واقع الاقتصاد العراقي
    أن ابرز مايوضح واقع الاقتصاد العراقي ويعطيه صورته الواقعية هي الاختلالات التي تصيب أغلب مفاصله، وأبرزها:
    1- اختلال الناتج المحلي الاجمالي حيث يسيطر قطاع النفط بنسبة كبيرة جداً تتجاوز نسبته ٤٠% من الناتج المحلي الإجمالي في حين ظل قطاع الزراعة والصناعة التحويلية ذات نسب متواضعة جداً لم يتجاوزا 5% والباقي مساهمة القطاعات الاخرى.
    2-اختلال بنية التجارة الخارجية بشقيها، الصادرات حيث تتجاوز نسبة الصادرات النفطية 90% من الصادرات الكلية في حين لم تشكل الصادرات الأخرى 10%، وكذا الحال بالنسبة للاستيرادات فهو يستورد أغلب المنتجات بسبب ضعف الجهاز الإنتاجي وتلبية للطلب المحلي.
    3- اختلال المالية العامة حيث تعاني الموازنة العامة من اختلال بنية الإيرادات كارتفاع الإيرادات النفطية لتصل مساهمتها 90% من الإيرادات العامة في المعدل في حين لم تشكل الإيرادات الأخرى أكثر من 10%، كما أن بنية النفقات تعاني من اختلال واضح متمثل في ارتفاع النفقات التشغيلية لتصل إلى أكثر من 75% كمعدل على حساب النفقات الاستثمارية التي تشكل 25% كمعدل.
    4- اختلال سوق العمل، يمكن ملاحظة مدى حجم الاختلال في سوق العمل من خلال العرض والطلب على القوى العاملة، فالطلب على القوى العاملة أقل من عرض القوى العاملة، وهذا انعكس على حجم البطالة التي أخذت ترتفع إلى مستويات خطيرة قد تصل الى 40% حسب بعض الإحصائيات.
    ان هذه الاختلالات التي أصابت مفاصل الاقتصاد العراقي وجعلته اقتصاداً مشوهاً ما هي إلا نتيجة لأسباب عديدة تراكمت عبر الزمن، ومن بين هذه الأسباب المهمة هو غياب أو ضعف المؤسسات.
    التشوه ما قبل 2003
    ظل العراق يعاني من غياب المؤسسات منذ زمن بعيد، منذ مرحلة الاحتلال العثماني ومروراً بلاحتلال البريطاني وحتى الحكم الشمولي الذي انهار عام 2003، حيث كانت السياسة والاقتصاد والجيش والإعلام، جميعها مرهونة بالشخص المدير أو الرئيس تنقضي بانقضاءه.
    النظام الشمولي
    قبل عام 2003 كان النظام السياسي السائد هو النظام الشمولي الذي يعتمد الحزب الواحد المهيمن والمسيطر على كل قرارات الدولة، والماسك لجميع السلطات السياسية التشريعية والتنفيذية والقضائية، فهو من يشرع وينفذ ويراقب ويتابع ويحاكم ويقاضي.
    النظام الاشتراكي
    وبما أن الاقتصاد يكون رهينة النظام السياسي الشمولي فالنظام الذي يتم تبنيه لتسيير الشأن الاقتصادي هو النظام الاشتراكي، ووفقاً لهذا الأخير قامت الدولة العراقية بالنشاط الاقتصادي ولمختلف العمليات الاقتصادية ابتداءاً بالملكية ومروراً بالإنتاج والتوزيع وانتهاءاً بالاستهلاك والتصدير، مع إقصاء القطاع الخاص عن النشاط الاقتصادي الا بشكل محدود.
    الجيش
    وكذا الحال بالنسبة للجيش، حيث لم يسلم من سيطرة الحزب الأوحد عليه فارتبط بالحزب ومن يتراسه وأُفرغ الجيش من مسؤوليته الحقيقية، المتمثلة بالحفاظ على البلد من الاعتداء الخارجي، إلى تنفيذ ما يريده الرئيس بعيداً عن الإدارة المهنية فكانت النتيجة دخول العراق في نفق الحروب التي لايزال يدفع ثمنها، ونفس الأمر ينطبق على الأمن الداخلي.
    الاعلام
     كما ان الإعلام الذي ينبغي أن يكون مستقلاً وحراً في عمله، حتى يستطيع أن يحدد مواطن الخلل ويلفت انتباه الجهات المختصة نحوها لمعالجتها، أصبح في ظل النظام الشمولي فاقداً الاستقلالية وموجهاً في عمله، خاضعاً للحزب ولرئيسه، بحيث صار أداة بيده لنشر ثقافته وترسيخ مبادئه لدى المجتمع، بعيداً عن العمل المؤسسي ووظيفته الحقيقية.
    ما بعد ٢٠٠٣
    وكنتيجة لغياب المؤسسات قبل عام ٢٠٠٣ وضعفها بعد عام ٢٠٠٣ بسبب حداثتها وولادتها بشكل مفاجئ، أصبح التحول نحو النظام الجديد أشبه بالتحول نحو الفوضى، خصوصاً على مستوى المدى القريب بعد تبني التحول، ومن المؤمل أن تتبلور الديمقراطية والسوق مع مرور الزمن.
    ان تبني التحول نحو الديمقراطية سياسياً والسوق اقتصادياً لايزال في المرحلة الانتقالية ومن المتوقع أن تطول هذه المرحلة لأسباب عديدة تتعلق أهمها بضعف المؤسسات وخطأ عملية التحول التي تم تناولها في مقال سابق متاح على شبكة الانترنيت.
    حيث لاتزال هذه المؤسسات المذكورة آنفاً تعمل وفقاً لعقلية الإدارة السابقة، اي بالاعتماد على الشخص المدير أو الرئيس، حيث يعمل الشخص الجديد على تغيير القرارات والخطط التي كان يتبناها الشخص السابق، دون وجود سياسة عامة يسير عليها الجميع لإكمال البناء الوطني سياسياً واقتصادياً واجتماعياً...إلخ.
    عدم وجود سياسة عامة يسير عليها الجميع، دون التأثر بالشخص الجديد، أسهم في غياب الاستقرار وزيادة حدة الاضطرابات التي انعكست على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كانت تنتفي هذه الاضطرابات ويتحقق الاستقرار في حال جود سياسة عامة، نابعة من الوجود الراسخ للمؤسسات، ويسير عليها الجميع كما هو الحال في أغلب البلدان المتقدمة.
    الفساد
    إن أبرز ما يدلل على ضعف دور المؤسسات في العراق هو الفساد المستشري في أغلب -إن لم تكُن كل- الجهات الرسمية، وما يثبت هذا هو صدارة العراق ضمن التي تحتل مراتب متقدمة في مؤشر مدركات الفساد العالمي الذي تعده منظمة الشفافية الدولية، حيث يحتل العراق المرتبة ١٦٨ من اصل ١٨٠ دولة في عام ٢٠١٨.
    سوء مناخ الأعمال 
    كما ان مناخ الاعمال يُعد عنصرا كاشفا عن مدى فاعلية المؤسسات، فكلما يكون مناخ الأعمال جيدا وجاذبا للاستثمار كلما يدلل على فاعلية المؤسسات وكفاءتها ورسوخها، والعكس صحيح. وبما ان مناخ الاعمال في العراق مناخ طارد للاستثمار الوطني فضلاً عن الاستثمار الاجنبي، حيث يحتل المرتبة ١٧١ من أصل ١٩٠ دولة عام ٢٠١٩ في مؤشر سهولة أداء الأعمال الذي يعده البنك الدولي، هذا ما يكشف عن مدى ضعف المؤسسات.
    ان استشراء الفساد وسوء مناخ الأعمال يوضحان بدرجة كبيرة مدى هشاشة المؤسسات والتي انعكست على واقع الاقتصاد العراقي قبل وبعد عام ٢٠٠٣. ويمكن القول حتى خطأ عملية التحول الذي حصل عام ٢٠٠٣ كان نتيجة لغياب دولة المؤسسات، لأنه في حال وجود المؤسسات ورسوخها وارتفاع كفاءة أداءها سيتم عتق المؤسسات وقراراتها من أهواء وامزجة الأشخاص الذين يكونون محل اتخاذ القرار.
    صفوة القول، أن تشوه الاقتصاد العراق كان نتيجة لغياب المؤسسات قبل عام ٢٠٠٣ وضعف دورها وفاعليتها بعد عام ٢٠٠٣، والدليل هو الفساد وسوء مناخ الأعمال. ويكمن الحل في العمل على تقوية المؤسسات لمحاربة الفساد وتحسين مناخ الاستثمار حتى يكون موطنا للاستثمار الوطني وجاذبا للاستثمار الأجنبي.
    * باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
    www.fcdrs.com
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media