الهوية الغائبة والتطرف المستقيد!!
    الأحد 30 يونيو / حزيران 2019 - 21:49
    د. صادق السامرائي

    البشرية تواجه معضلة تطرفية متفاقمة وتحاول أن تجد لها حلا , ويجتهد المفكرون والفلاسفة في دراستها وفهمها ومواجهتها.

    فالبعض يرى أن لا بد من إصلاح الخطاب الديني , والآخر يجد أن العلمانية هي الحل , وغيرهم يرى أن يضرب بقبضة من حديد , وآخرون يسطرون قائمة طويلة من الأسباب والحلول , وجميعها ما أفلحت بالتصدي الحقيقي للتطرف بأنواعه , وإنما تزايد وتعقد وتنامت نشاطاته وكثرت مواجهاته الدامية التي أقلقت البشرية.

    وفي القرن العشرين عاشت العديد من المجتمعات حالات تطرفية مرعبة , وفي المجتمع العربي أول بوادر التطرف برزت في زمن عثمان بن عفان , وبلغت ذروتها في معركة صفين , عندما إنطلقت حركة الخوارج.

     وعندما نتأمل التطرف كسلوك في جميع المجتمعات , نكتشف أن هناك علاقة ثابتة ما بينه وبين فقدان الهوية.

     فحركة الخوارج كانت وليدة إضطراب وضبابية الهوية الدينية , إذا كيف يتم فهم قتال المسلم للمسلم , وكيف يمكن إستيعاب التقاتل ما بين صحابة النبي الكريم؟

    هذا التفاعل أدى إلى تشويش هوياتي أوجد تطرفا واضحا عند المسلمين , وحينما ندرس الحركات المتطرفة بأنواعها سنجد هذا التلازم القوي ما بين حالة فقدان أو زعزعة الهوية والميل للتطرف.

    فالمسلمون - على سبيل المثال - عبّروا عن ذروة التطرف في القرن الثالث عشر بعد سقوط بغداد , وشعورهم بمحق هويتهم المتصلة بالعروبة والإسلام , مما أوجد فقهاء متشددين وفتاوى صارمة , وحركات في غاية الشدة والتطرف.

    وتكررت الحالة  في العديد من القرون , وفي القرن العشرين بعد سقوط الدولة العثمانية , فنشأت الحركات والأحزاب الدينية المتطرفة.

    وفي العراق المعاصر عندما غابت الهوية الوطنية الجامعة , إندلع التطرف والتشدد ودخلت البلاد في أنفاق مظلمة سُفكت فيها دماء الأبرياء , ولا يزال التطرف قائما لأن الهوية الوطنية مميعة.

    وما يحصل في الدول الغربية من ولادات للتطرف مبعثه الخوف على الهوية الوطنية , أو الشعور بأنها مهددة بسبب الزخم العرمرم من المهاجرين.

    وعليه فأن من المعالجات الصائبة للتطرف العودة إلى تعزيز الهوية الوطنية , وتعميق الشعور بالإنتماء الوطني والمصالح المواطنية المشتركة.

    فلن تفلح الطروحات الفلسفية والمعالجات الفكرية لوحدها , إن لم يرافقها بناء قويم للهوية الوطنية , وتجسيد روح الإنتماء الوطني بسلوكيات ذات قيمة معرفية وحضارية واضحة.

    فهل من إهتمام بالهوية الوطنية لكي تنكمش الحركات التطرفية وتذبل وتغيب؟!!

    د-صادق السامرائي

     


    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media