الإنسانية ومستقبلها.. هل كل ما هو موجود سيكون افضل في المستقبل؟
    الثلاثاء 9 يوليو / تموز 2019 - 21:16
    موسى الخميسي
    افتتح وزير الكنوز الثقافية الايطالية في مدينة روما بقصر العروض التاريخي معرضا فنيا كبيرا باسم  ( الانسانية ومستقبلها) شاركت فيه اضافة الى عدد من الفنانين الايطالين والاوربين والصينيين واليابانيين والامريكيين، مجموعة كبيرة من الشركات العالمية المعروفة بإنتاجها للتكنولوجيا المتقدمة، حيث عرضت كل ما من شأنه الكشف عن الوسائل والأساليب لتغيير حياة الإنسان .

    لقد بلغ حجم وتسارع تقدم التكنولوجيا في عصرنا نسبة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الانسانية، في كل يوم هناك اكتشاف علمي جديد، وهناك آلات وتكنولوجيا جديدة واساليب مكتشفة جديدة في عالم الفن والادب تقوم على خدمة الإنسان. كما ان عالمنا خلال العقدين الأخيرين شهد تغيرات مذهلة جرت في ميدان المعلومات والاتصالات، واصبح من المتعذر في النشاط الإنساني المعاصر الاستغناء عن أجهزة التكنولوجيا المتقدمة، بدءا من النشاط السياسي مرورا بالإبداع الثقافي والفني وصولا الى المتعة الشخصية.لقد جعل هذا التغير السريع الى حد ان يطلق على انساننا الحاضر اسم( الإنسان التكنولوجي) وعلى بيوتنا بـ( الأكواخ التكنولوجية). اما الفنون ، فقد تخطت الدقة والكمال ، لتترك للمتلقي مجالات واسعة  للتأويل والمناقشة والتحليل البعيد عن الأحكام المطلقة، فقد سعى الفن بولوجه إلى الرقمنة والعالم الافتراضي إلى البحث عن متلقين جدد، وجماهيرية أوسع والكثير من التحرر والانفلات من القيم والاساليب والمدارس التقليدية .

       الا ان منظمي معرض روما فضلوا  القول بان التكنولوجيا في خدمة الإنسان، فرفعوا شعار لمعرضهم يحمل بعض الشك والحيرة ( الانسانية ومستقبلها ) على اعتبار ان كل ما هو موجود( لربما) سيكون افضل في المستقبل.

    علاقة الإنسان بالتكنولوجيا تتطور بسرعة من حولنا الى حد ان الآباء والأبناء يعيشون في عوالم مختلفة، بعكس آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا في عالم لا يختلف كثيرا عن مجتمعات آبائهم وأجدادهم، وهذا التقدم في التكنولوجيا استدعى تغيرات في الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، اذ لكل اختراع تكنولوجي آثاره الاجتماعية والنفسية، كما له آثاره في عملية البناء الاجتماعي والفردي التي تصاحبها عمليات كبيرة في إعادة بناء الوعي والسلوك والذائقة الجمالية، والتحكم بالرأي العام.

     المعرض يواجه مشاكل جسيمة، كمشاكل البيئة( التصحر، إتلاف الغابات، اضمحلال طبقة الأوزون، تلوث الماء والهواء، والانفجار السكاني، وقلة المواد الغذائية، وتعمق الهوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، الى جانب المتغيرات في ذائقة الانسان الجمالية). وقد بلغت التغيرات التي أحدثها الإنسان في الطبيعة في زماننا هذا حدا أصبحت فيه تهدد بتدمير التوازن الطبيعي وانقراض الأنواع البيولوجية، إضافة الى ما تسببه الحروب من تخريب واسع للموارد الطبيعية، ولعلاقة الانسان بارثه الفني والحضاري.

    كل المعطيات والإحصاءات والجداول والنتائج  تؤكد على انه من الضروري لبقاء الإنسان وتطوره، خلق نظام اقتصادي سياسي اخلاقي عالمي جديد وعادل ، يتجه لتحرير العلم نفسه، أي التحول من العلم للعسكرة والسيطرة، والربح الأعمى، الى علم للشعوب يخلو من الظلم والاستغلال وسيطرة بلد على بلد آخر، يحل فيه التفاهم والتعاون وتوظف فيه التكنولوجيا لخدمة الأغراض الإنسانية النبيلة، تزدهر به ثقافة الانسان ويتسع وعيه ويتطور ذوقه الجمالي، بعد ان بلغت إساءة العلم والتكنولوجيا مدى واسعا عالميا، في المجالات العسكرية او المدنية.

    تتكدس في دول الغرب الصناعي يوميا تجارب ومنجزات جديدة في ميدان الاكتشافات التكنولوجية الجديدة، مما يؤدي الى إشاعة ثقافة ووعي جددين في هذه المجتمعات ، ونتيجة لمثل هذه التحولات، تعاظم دور المعرفة والوعي لدى الإنسان على نحو انفجاري . والتكنولوجيا المتطورة التي صاحبتها ثورة لا مثيل لها في تعاظم المعلومات تخطت الحدود المعقولة، جعلت الإنسان قادرا على الحصول 485 مليار جملة عبر شبكات التلفزيون والكومبيوتر والراديو والصحف والمناقشات ووسائل الإعلام الأخرى، كذلك انعكس ذلك التطور على زيادة قدرتنا الجسدية والفكرية وذلك من خلال زيادة القدرات العقلية في محاربة ما يحيطنا من ظواهر مرضية تتعلق بوجودنا وعلاقاتنا وأفكارنا وعاداتنا الاجتماعية، الى جانب صحتنا الجسدية والفكرية وإدامة أعمارنا، كما انها قادرة على الحفاظ على موروثنا الفني والثقافي، الذي تتنازعه السرقات والاهمال والاندثار والتخريب المتعمد، ومن جانب آخر أحدثت اهتزازات وتداعي في أفكار وعادات الناس.لقد دخلت التكنولوجيا كل مرافق الحياة البشرية، ففي الطب يحصل الكومبيوتر على كل المعلومات الخاصة بالمريض، ويقوم الريبوت الذي عرضت منه نماذج متنوعة ومتطورة بالعديد من العمليات الجراحية والمكتبية والمنزلية، وتقوم المنظومة الكومبيوترية في مصانع السيارات بتفسيخ السيارات واعادة تركيبها ضمن برمجة محددة، كما هو الحال مع العديد من العمليات الإنتاجية الاخرى. اما في الفن، فان كل الدعوات ترى في الفن توثيقا أو أداة توثيقية لا غير، فقد ولجنا فعلا زمن الرقمنة والفن الرقمي،  فكل العروض الفنية الي تتوزع في صالات هذا المعرض الكبير ، مقاطع الفيديو والأقراص المدمجة والبرامج الحاسوبية والمركبات الشكلية، تتسم بطابع الحداثة وتعكس طموح عالٍ في البحث عن بدائل الاشتغال الجمالي.

    التكنولوجيا هي سلاح فوق العادة بإمكانه اكتشاف ما يحيط البشرية من عوالم أخرى يحملها هذا الفضاء الكبير الذي ستتحول فيه أرضنا الى " قرية صغيرة" تنتقل فيها السلطة من المؤسسات السياسية التقليدية الى مؤسسات المعلومات والإعلام تسودها أسمى أشكال الديمقراطية بالمقارنة مع الأوضاع الحالية التي تعيشها بعض المجتمعات في اسيا وافريقيا. المشرفون على الجناح الإيطالي وكذلك الفرنسي والياباني يؤكدون على ان إنسان المستقبل القريب جدا سوف لن يحتاج الكتاب او المجلة او اللوحة التشكيلية التي يحملها اطار ، لتعلق على الجدران في المستقبل، وان المعلمين سوف يغيرون أساليبهم لان المكائن ستأخذ على عاتقها تدريجيا مهمة التعليم، وان الكومبيوترات تنقل المعلومات بسرعة وتكون قادرة على تخزين معلومات اكثر من المخ البشري، اذ يمكن حيازة المعلومات عن طريق ضغط أزرار الذاكرة الكمبيوترية لتعكسها في ثوان معدودة على الشاشة.

    الا ان هذا السلاح الذي يبشر به معرض مدينة روما لا يشير الى  ان احتكارات التكنولوجيا المتقدمة وصناعة المعلومات غير الخاضعة للرقابة يمكن ان تستغلها مؤسسات ومنظمات وجهات إجرامية توظفها من اجل أغراضها السيئة كما هو الحال مع عصابات المافيا، للحد الذي ستدفع البشر الى ارتكاب حماقات من حيث لا يدرون ، كما ان الإنسان الذي يركض نحو مستقبل افضل سيصاب بالعزلة دون الاعتماد على قرينه الانسان ليكون كما وصفته إحدى المجلات الإيطالية بأنه( لا يستطيع العيش دون مشاهدة التلفزيون) إنسان معزول يتمتع تحيطه الكومبيوترات المتطورة، يسترخي على أريكته الوثيرة ويتلذذ بتناول البطاطس المقلية، ويعاني من انفصام بين الروح والجسد، حاملا أمراض نفسية جديدة، وليس له اية علاقة بدور العروض السينمائية او غالريات العروض الفنية التي بدأت منذ سنوات بغلق ابوابها بعد التقلص الشديد بعدد زوارها ومقتني الاعمال الفنية.

     بالرغم من ان البشر يتصرفون وكأن كوكب الأرض هو الكون كله، وان الانسان نجح في غزو الفضاء الخارجي ابتداء من منتصف القرن العشرين، الا ان معلوماتنا عن الفضاء الخارجي تظل ضئيلة جدا اقرب الى الصفر، وبما ان التكنولوجيا الحديثة تبشر باكتشافات جديدة تصب في خدمة الانسان ،  فان المنظمين للمعرض حرصوا في  أجنحة  متعددة داخل صالات المعرض بتقديم كشوفات جديدة لمجموعات شمسية من المجموع الذي يقدر بملايين الكواكب لم يعرفها الانسان بعد ولم تطأها قدماه لحد الان، فهناك مجرات وليست مجرة واحدة. والتكنولوجيا تقول بأنه سيكون بإمكان الانسان ما بين2020 – 2030 الصعود بحرية الى الفضاء الخارجي لتحقيق زيارات سهلة لعدد غير قليل من الأجرام الفضائية الأخرى أبرزها الكوكب الأحمر( المريخ)،  ولم يعد الأمر حكرا على الأمريكيين العاملين في هذا الميدان العلمي والتقني الواسع، فاليابانيون والأوربيون والروس والصينيون سوف ينطلقون الى المريخ في موعد قريب ، وما على آباء اليوم وأولادهم الا الاستعداد للسفر، حاملين معهم إضافة الى عدة السفر، حوائج إلكترونية جديدة للمتعة الشخصية، معروضة أمامهم نوعية الملابس التي سيلبسونها والأجهزة والعدسات والمعدات والتجهيزات التقنية صنعت في كل من الولايات المتحدة وإيطاليا واليابان وعدد من الدول الأوربية الأخرى، إضافة الى ان المشاهد بإمكانه رؤية نماذج بلاستيكية لمركبات الفضاء الجديدة التي صممها الألمان والأمريكان واليابانيون والإيطاليون، وبرامج شاملة لعملية الاكتشاف التي ساهمت بها ثلاث دول أوربية هي ألمانيا وفرنسا وايطاليا. ومعرض  مستقبل البشرية يقدم اكبر قدر من المعلومات تتيح لإنسان المستقبل ان يعيش بشكل افضل، الا ان هذا المعرض يطرح سؤالا مهما هو كيف سيتصرف الانسان بما لديه من معلومات، وكيف يتلاءم بين ما سيعرفه وما يعيشه، وهل ستكون التكنولوجيا في خدمة الانسان او في تدميره؟.

    مابعد الحداثة من اجل مستقبل البشرية، ينعكس بظاهرة الهوس السائرة بسرعة فائقة في الفنون التي تعكسها بكل وضوح الصالات المخصصة في هذا المعرض. لقد هيمنت " المّركبات البصرية الرقمية الفنية" لتستشرف آفاق المستقبل، فهي تفتح التأويل أمام عدة قراءات متصادمة،  حيث يسعى كل عمل الى التخطي والقفز عن الواقع. لهذا يبحث كل فنان لنفسه عن أشكال متغايرة ومتنوعة وتجاوزات متعددة ولامتناهية.وهذا ما أدركه اغلب من يعمل في حقل الفنون ، إذ زامنوا التغيرات الكبرى في بلدانهم وفي العالم من انهيار جدار برلين وظهور القطبية الرأسمالية الواحدة والسوق الحرة، فبات الفنان ملزما بالبحث عن آليات تعبيرية جديدة وتسويقية للعمل، خاصة وقد صارت التنافسية مبتعدة على ما هو سياسي وبات الفنان غير ملزم بالانخراط السياسي والحزبي وغيره، بل بات ملتزما بهوس الحداثة الفنية وبكيفية تسويقها في عمله.

     رومــا: موسى الخميسي 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media