طواحين الذات المنكوبة!!
    الجمعة 26 يوليو / تموز 2019 - 20:38
    د. صادق السامرائي
    رحى الطواحين تدور على أبدان الذات المنهوكة المنكوبة بالويلات والتداعيات والقهر المقيم والوجع الأليم والشعور بالسأم والندب الرجيم.
    هذه الطواحين تستمد طاقات تدويرها من الفكر السقيم , وتمضي في سحقها لمدلولات ومفردات الذات الساعية نحو الجد والإجتهاد والعمل الرحيم.
    وقد إنتشرت في أرجاء المجتمعات الخالية من قدرات التفاعل الإيجابي التلاحمي المؤكد لمصالحها المشتركة , وتطلعاتها العزيزة الكفيلة بإيصالها إلى آفاق التواجد المعطاء المؤزر بالأخوة والألفة والرجاء.
    وهذه الطواحين ذات قدرات تدميرية وطحنية أشد تأثيرا من أعتى صخور الطواحين الدوارة بقوة الرباح أو المياه أو المحركات الديزلية والكهربائية.
    وكل قوة مهيمنة عبارة عن طاحونة فكرية وسلوكية تسحق الموجودات من حولها وتحيلها إلى طحين تعجنه وتخبزه على مرامها وهواها , وتضعه في قوالب وأفران وفقا لما تشتهيه وتقرره مصالحها ورغباتها , وما مطمور فيها من النوازع والدوافع والندهات.
    الطحن السافر والمروع تقوم به الأحزاب والكراسي والفئات والمجاميع , التي تلد من بينها مَن يقوم بتدوير الطاحونة الكفيلة بتدمير الذات المرهونة , وتفتيتها وعجنها وخبزها وأكلها وفقا لميقات الجوع والشبع.
    والكثير من المجتمعات تعاني من الطواحين الناشطة في إتلافها وطحنها وتحويلها إلى فتات ,  أو طعام لذذيذ على موائد المفترسين الفتاكين المحتشدين حول موائد التسول والتبعية والمذلة والخنوع , التي تدر عليهم أموالا طائلة وتغمرهم بالمنهوبات والمسلوبات , وتبررها لهم بقوانين وفتاوى شرعية وما تأوله من الكتب وتضعه من أحاديث تنسبها لهذا وذاك وتمتهنهم بقبضة "قال" و"ذكر" , وما إلى غير ذلك من أساليب التخنيع والترويع والإستعباد المبيد.
    ويبدو الطحن على أشده في المجتمعات التي تبضعت وتشرذمت وتطيّفت , وتمذهبت وتحزبت وتفسدت وتراجمت وتكفّرت وتديّنت أو تظاهرت بدين , وما دينها إلا من وحي نفس أمارة بسوء مشين.
    والذين يتناحرون يتفتتون ويُطحنون ويُخبزون ويُصبون في قوالب مرغوبة , ويتحولون إلى أهداف مطلوبة ذات قدرة على السقوط في شِباك الصيادين , والتزحلق على سفوح الوعيد والإقامة في مستنقعات الأنين.
    وما دام التشرذم ديدن فالطحن أهون , والحصول على العجينة المطلوبة يكون أسهل وأمهر , وبهذا يصنع الخباز ما يريد أكله من الخبز والمعجنات التي يفضلها , ما دامت الموجودات تننهمر على الطاحونة , وتستحيل إلى طحين متجانس ودقيق خانس.
    وعليه فأن الطواحين ستبقى تدور , لأنها تنتج خبزا طيبا وتوفر طحينا جيدا يساهم في إرضاء الرغبات وإشباع الجياع الذين يأكلون بملاعق من ذهب , وأوعية طعامهم جماجم الرعاع المغفلين التابعين لطاحونة أفاكٍ مراءٍ بدين!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media