العتبة.. والعقبة
    السبت 3 أغسطس / آب 2019 - 19:41
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة 

    سألني مدوّن عزيز عن النحو واللغة في بيت له، قال:
    (لم التقاليدُ نبكيها لتقتلنا
    لمَ الأنامُ لمَ الأيامُ نعتتبُ
    هل الأنام والأيامُ والتقاليدُ كلها مرفوعة وجوبا؟ ونعتتبُ، المقصود بها، يعني: نسترضيها. فهل هي من الناحية الصرفية سليمة؟ وإذا كانت سليمة لماذا لا تكون الأيّام والأنام مفعولين لنعتتب، أي تكون لم نعتتب الايامَ والأنامَ؟ (ثم عقّب فقال): صحيح قد يكون هناك فرق في الدلالة الخاصة، لكن أسأل: أيجوز لي أن أقول نعتتب، وإنما أريد كلمة أعاتب؟).
    ***
    نمرّ، هنا، على الإعراب مرور الكرام، لئلا نثقل على القراء بمشكلات حذلقات الصنعة النحوية المعروفة، من جواز الوجهين، بل ما هو أكثر من وجهين، وزعم وقيل.. وغير ذلك.
    أما لفظ (نعتتب) فخطأ اشتقاقي إن قصدت به نعاتب. ويمكن أن نؤصّله لمعنى آخر، من: نُعتّب الباب، أي نتخذ عتبة لها، وانفك تضعيف التاء لضرورة شعرية.
    أما التقاليد فمرفوعة لأن الفعل (نبكي) أخذ مفعوله. وستجد من يجيز لك نصبها ويذكر وجها إعرابيا لها، وللضمير (ها) من نبكيها.
    والنصب حكم الأنام والأيام، لأنّ الفعل بعدهما لم يأخذ مفعوله. وستجد، كذلك، مَنْ يحكم لك بجواز الرفع على تقدير محذوف بعد الفعل يقع مفعولا به.
    أمّا نعتبُ فهو من الجذر (ع. ت. ب) وقد رأى ابن فارس أنه دالّ على بعض الصعوبة من كلام أو غيره (المقاييس 4/225). ولكن مشتقاته تشير إلى أنه دالّ على حدّ فاصل بين موضعين أو حالتين، قد تكونان ماديتين وقد تكونان معنويتين. ونرى أن مشتقات الجذر في القرآن متأطرة بهذا الإطار الدلالي.
    وعتَبَة الباب خشبة أو مرقاة معترضة في أسفل الباب أو قبله. يجتازها الداخل إلى الدار والخارج منها، فكأن العتَبَة فاصلة بين عالَمين، عالم البيت والعالم خارجه. وعتبات السلّم مَراقيه، كل مرقاة عتبَة، بالدلالة ذاتها.
    وقالت العرب لمن يُجْبَر على أمور كريهة إنه حُمل على عَتَبَة كريهة، كأنه انتقل من حالة حسنة إلى حالة سيئة.
    وعتبت الدابّة تعتِب، إذا ظلعت في مشيتها كما يظلع الأعرج، كأن تكون قد أصيبت إحدى قوائمها، أو شدّ صاحبها قائمتيها الأماميتين معا كي لا تهرب. فوصف العرب من يمشي تلك المشية بأنه يعتب، شأنه شأن من يرفع رجله ليعبر العتبة، أو يرقى السلّم.
    على أن أشهر اشتقاق من هذا الجذر: العتاب. ونرى أن العتاب دالّ على الرغبة في الانتقال من حال إلى حال. كما في العتاب بين الأحباب والأصحاب، وإلا فلماذا العتاب إن لم يكن لذاك الهدف؟
    ومنه قول المتنبي:
    ترفق أيها المولى عليهم
    فإن الرّفقَ بالجاني عتابُ
    وعينُ المخطئينُ همُ وليسوا
    بأوّل معشرٍ خَطِئوا فتابوا
    ولا يصح أن يكثر العتاب بين الأصدقاء ولا أن يكون قاسيا، وقد بيّن بشار بن برد أثر العتاب بين الأصدقاء، فقال:
    إذا كنت في كل الأمور معاتبا
    صديقك لم تلقَ الذي لا تُعاتبُه
    فعش واحدا أو صِلْ أخاك فإنه
    مقارِفُ ذنبٍ مرّة ومُجانبُهْ
    إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
    ظمئتَ وأيّ الناس تصفو مشاربُهْ
    ونوعان أولئك الذين تعاتبهم، نوع محب يعترف إن أخطأ ويستجيب لعتابك، فيعبر من حال الجفوة إلى حال المودة وهو ما ذكره بشار في أبياته الآنفة.
    والنوع الآخر الذي لا ينفعه العتاب فالأجدر بك أن تقطعه، وهو ما قاله الشاعر:
    فعاتبتُه ثمّ راجعتُهُ
    عتابا رقيقا وقولا جميلا
    فألفيتُه غير مستعتبٍ
    ولا ذاكرَ الله إلا قليلا
    أي باق على الجانب الآخر من العتبة. فدعه وشأنه. ولك ملاذ في قول الشاعر:
    إذا ذهب العتابُ فليس حبٌّ
    ويبقى الحبّ ما بقي العتابُ
    وعلى أية حال، فإنك حين تعاتبه إنما تريد منه أن يعبر العتبة الفاصلة بينكما ويصل إليك، وما عبورها بالأمر الصعب. أما إذا تحولت العتبة إلى عقبة، فدع العتاب والملام، إذ لا ينفع، في هذه الحالة، إلا الخصام والاقتحام.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media