نماذج الحوار في مقابل الإنهيار
    الأربعاء 28 أغسطس / آب 2019 - 08:06
    د. أحمد نعمة
    باحث وأستاذ جامعي - لندن
    نزلت وسائل أعلام إلى وسائل إسفاف. إلا في حالات. ومن هذه الحالات القليلة حوارات بين المفكرين والأساتذة الأفاضل. وسبق أن خضنا صراعا مع المتخلفين عقليا في إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن للإسفاف الذي وصلت إليه.
    وهنا حوار علمي بدأه الأستاذ محمد فايد عثمان من جامعة القاهرة وهو شاعر له عدة مجاميع شعرية. يدور الحوار حول ما نشر في هذا الموقع (الأخبار) في الحلقة السابقة (المثوى الأخير والتكفير) من سلسلة شيء من اللغة لأستاذنا الدكتور هادي حسن حمودي وامتاز ذلك الحوار بسعة صدر ودقة علمية أعجبني جدا لموضوعيته، ليكون مثالا لما يجب أن يكون الحوار:
    فإليكم ما قرأت:
    * كتب الدكتور فايد: والله أنا أقدِّمُ رجلًا وأؤخر رجلًا ، قبل الدخول إلى مقامكم الأجل أستاذنا الكريم ، ولتسمحوا لنا معاليكم : ليس الثُّواء ، بمطلق الإقامة ، والركون إلى السكون ، المخالف للسعي والحركة . 
    فإنَّ الثواء ، قد يعني الإقامة مع الحركة ، والسعي ، فقد قال الله عز وجلَّ ، للرسول صلى الله وسلم وبارك عليه : (وما كنت ثاويًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنَّا كنا مرسلين) .
    فنفى عنه الثواء ، الذي لو تحقَّقَ له ، لتحرك يتلو على أهل مدين الآيات ، ويستنهض همتهم للإيمان ، والسعى في الأرض . 
    ومن هنا ، لا نرى أن الثواء مناف للحركة والسعي .

    * فكتب الدكتور هادي: كلامكم سليم الأستاذ محمد فايد عثمان. الثواء الإقامة، وبطبيعتها لا تعني القيام والوقوف فحسب، بل كل نشاط المرء. وهذه كانت فقرة في النص حذفتها لدلالة الشواهد عليها من شعر الحارثة والكتاب النبوي إلى أهل نجران. وفي الآية التي ذكرتم تحددت (التلاوة) فحسب، واستدركت (ولكنا كنا مرسلين) ولهما أبعاد دلالية جمة. والتلاوة هنا أفرد ذكرها على الرغم من أنها لا تراد لذاتها فقط ولكن ذكرها انسجم مع الإطار العام للثواء الذي مهما كان دالا على حركة فهو أقرب إلى السكون مقارنة بالأفعال الأخرى الدالة على الحركة والسعي.
    ولذا لا نصف الهجرة النبوية إلى المدينة بأن النبي الكريم ثوى في المدينة.
    وتعلمون أن الثواء يفيد اللبث أيضا أو البقاء ويفيد الموت.
    وحتى في جهنم التي هي (مثوى) لأهلها فهم فيها يصطرخون ويستغيثون .. إلخ..
    وأما الجنة فليست مثوى.. لأن الحركة والنشاط فيها لهما طبيعة أخرى لا علاقة لهما بالثواء الحمّال للمعاني الآنف ذكرها.
    نورتم النص وأضأتموه بمتابعة محترمة وإضافة سديدة سليمة. شكرا لكم.

    فردّ الدكتور فايد: وإنما كان التعليقُ ، سيدي الكريم ، على قولكم : 
    ( فأقول: إن كلمة (مثوى) لا تدلّ على حيوية وانشراح، لذا أطلقت على الموت، كما في قول الشاعر:
    فمن للقوافي شانَها من يحوكها
    إذا ما ثوى كعبٌ وفوَّز جرولُ؟ (هما شاعران)
    ومثله قول الأخر راثيا:
    فإنْ ثوى.. ثوى الندى في لحدِهِ ) اهـ .
    وأقول : إذا كانت كلمة ( ثوى ، ومثوى ، وثاويًا ) ، لا تدلُّ على حيويةٍ وانشراحٍ ، وبفهوم المخالفة تعني: الهمود والخمود وضيق الصَّدر ، فإنَّ كل ذلك إذا تحقَّقَ ، لا يليق بمرسلٍ ، يثوي في ، أو مع أهل مدين ، يتلو عليهم الآيات قعيدًا . 
    حتى الثواء لأهل النار - أعاذنا الله تعالى وإياكم منها - فيه الحركة والاصطراخ ، والجدال ، والاعتذار ، والأماني الكذاب والرجاء والندم .

    فكان مما كتب أستاذنا العلاّمة الدكتور هادي: الأستاذ العزيز (محمد فايد عثمان) إن غاية النص تتلخص في أن القولين المذكورين عن المثوى والمثوى الأخير لا كفر فيهما ولا إلحاد ولا خطأ. وبقية الحلقة تفصيل لمعنى الجذر واشتقاقاته. 
    ومن ناحية أخرى، تعلمون، سيادتكم أن كل كلمة تكتسب من السياق ظلالا دلالية متنوعة من سياق لآخر. فالشاهدان:
    فمن للقوافي شانَها من يحوكها
    إذا ما ثوى كعبٌ وفوَّز جرولُ؟ (هما شاعران)
    وقول الأخر راثيا:
    فإنْ ثوى.. ثوى الندى في لحدِهِ )
    الدالان على الموت وافتقاد الحركة اكتسب اللفظ (أعني الثواء) حقله الدلالي من سياقهما.
    وفي شعر ابن حلزة اليشكري المذكور في النص اكتسب دلالة من السياق فأسماء لم تمت ولم ترحل إلى لحد. ولكن المعنى الأصيل الذي يتلون بالسياق لا حيوية فيه ولا انشراح، وأسماء لو كانت منشرحة أو من معها كان منشرح الصدر لما آذنتهم ببينها.
    والآية (وما كنت ثاويا في أهل مدين) قد نفت عن النبي الثواء. وجاءت تتمة الآية (ولكنا كنا مرسلين). والذين أرسلهم النبي إلى نجران لهم مهمة محددة فعلى القوم أن يوفروا لهم منزلا (يسكنون) فيه.
    ولا أرى أن الهمود والخمود وضيق الصدر هي بالضرورة ما يخالف الحيوية والانشراح. وفي القرآن آيات تبين بوضوح مفهوم مخالفة ذلك في آيات جليلة منها: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) ومنها: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا).
    أما ضيق الصدر فقد ورد بشأن سيدنا موسى أنه خرج خائفا يترقب. وأيضا: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ). والآية: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ).
    ***
    تحية للعلماء يضربون أمثلة حسنة للحوار ما أحوجنا إليه.

    د. أحمد نعمة آل علي
    (ليفربول – المملكة المتحدة)
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media