مبارك ومبروك لك
    الجمعة 30 أغسطس / آب 2019 - 19:34
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    شيء من اللغة

    ومما كتب لي الصديق التواجهي المذكور في الحلقة السابقة، أن من الخطأ الشائع استعمال مبروك، لأنه اسم مفعول من الفعل برك يبرك. والصواب أن يقال: مبارَك، لأنه اسم فاعل من بارك يبارك.
    الحوار:
    ذكر بعض القدماء أن الجذر (ب. ر. ك) له أصل واحد هو الثبات، ثم تتفرع منه فروع يقارب بعضها بعضا. وأصله، عندهم: برَك البعيرُ بروكا. ونقل المعجميون عن الخليل بن أحمد، نصا، جاء فيه: البَرْك: يقع على ما برًك من الجِمال والنّوق على الماء أو بالفلاة من حرّ الشمس أو الشِّبَع. الواحد: بارِكٌ، بكسر الراء، والأُنثى: بارِكَةٌ. وأنشد شاهدا على البروك هربا من شدة الحر.
    ولكنّ الذين جاؤوا بعد الخليل أخذوا بعض النصّ وأهملوا بعضه، فلم يجدوا أمامهم إلا أصلا واحدا للجذر هو: الثبات.
    ونرى أنّ الثبات لا صلة له بما قاله الخليل، بل لا صلة له باشتقاقات الجذر المتفرعة منه ولا نراها دالة على الثبات، بل على شيئين متلازمين تضمنهما تحديده لسبب البروك أنه الشبع أو حرّ الشمس. الأول على الماء والثاني في الفلاة. فما دلالة هذا التحديد؟
    دلالته أنها حين تكون شبعى تبرك مطمئنة تعلوها سَكينة الشبع، في الحالة الأولى، وتطلب الاستراحة والاطمئنان والسّكينة في الحالة الثانية. ولا تعجب من هذا فللحيوانات أحاسيسها أيضا. فهي باركة ولا يقال: مبروكة.
    ولفظة مبروكة هذه تنقلنا إلى مستوى آخر من الموضوع. هو مستوى الاشتقاق النحوي والصرفي، فهل يمكن صياغة مبروك من برك؟ فإن أمكن فبأية دلالة؟
    أرى أن من أجاز اشتقاق اسم المفعول من الفعل اللازم اضطر إلى القول بخطأ (مبروك) معتمدا مرتكزين:
    الأول: إن معناها عنده (مجلوس) باعتبارها اسم مفعول من الفعل اللازم (برك).
    الثاني: تصوره أن الأصل في الجذر هو بروك الإبل، غير أن الأصل دلالة الجذر على الطمأنينة والهدوء المتسببين عن الخير والبركة، على ما سيأتي. كما أن البروك لا يختص بالإبل. بل هو نوع من الجثوّ، نوضحه بعد قليل.
    وهنا يظهر سؤال: هل يُصاغ اسم مفعول من الفعل اللازم؟ أي هل تكون (مبروك) اسم مفعول من الفعل بَرَكَ؟ ولإيضاح هذه المسألة أقول إن النحويين اشتقوا اسم فاعل من الأفعال عموما، متعدية ولازمة. كتب كاتب، وقعد قاعد. واشتقوا اسم مفعول من الفعل المتعدي مثل: كَتَبَ فلانٌ الرسالةَ فهو كاتب وهي مكتوبة. ولكن هل يصحّ اشتقاق اسم مفعول من الفعل اللازم؟ وكيف يأتي اسم مفعول من فعل لا يتعدى إلى مفعول؟ أي هل نقول: قِيْمَ (من قام) فهو مقووم وهل في اللغة الفعل قِيْمَ المبني للمجهول؟
    أم هل نقول قُعِد يُقعَدُ فهو مقعود، وبُرِك يُبْرَكُ فهو مبروك، وجُلِسَ يُجْلَسُ فهو مجلوس؟ بحيث يكون كل من مقعود ومبروك ومجلوس اسم مفعول؟ بل هل يوجد مقعود ومجلوس في الاستعمال اللغوي؟
    نحن نتحدث عن لغة مستعملة لا عن لغة مفتَرَضة.
    لقد سبب تضارب مصطلحات الصنعة النحوية الاضطراب في تداخل ما سموه بالمصدر الميمي واسم المفعول واسم المكان وغيرها. فكلمة (مبروك) لا تكون اسم مفعول من (برك) إلا في حالة واحدة، تقول: برك فلان احتراما لأبيه. أي جثا أمامه، فأبوه مبروك له. وهيأتها أن يجثو المرء على ركبته أو ركبتيه احتراما لأبيه. وهذه عادة قديمة ما زالت قائمة في حالات دينية واجتماعية معينة.
    ومن مشتقات (ب ر ك): مبارك عليك، ومبارَك لك، ومبروك لك، ومبروك، ومبارَك أنت، وفيك البركة، وبك نتبرّك.. إلى آخره. أما (تبارك) في مثل: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فقد تعددت فيها أقوال المفسرين واللغويين واختلفت، غير أني أرى - بناء على السياقات التي وردت فيها- أن تبارك الله، تعني تجلى الله لعباده بنعمه ورحمته وسائر بركاته.
    ولهذا اللفظ (تبارك) حقله الدلالي الخاص الذي يحتاج تفصيلا لا تلخيصا.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media