عاشوراءُ الحدثُ الحَيُّ
    الجمعة 30 أغسطس / آب 2019 - 19:37
    زعيم الخيرالله
    هُناكَ مقولةٌ تقول : ( كُلُّ يومٍ عاشوراء ، وَكُلُّ ارضٍ كربلاء) ، ويقابِلُها قولٌ مَروِيٍّ عن الامامِ الحسنِ عليه السلام لمّا دخلَ عليهِ اخوه الحسين عليه السلام وتَأَلمَ لمّا رأى اخاه الحسن (ع) ، وهو يكابدُ الام السم الذي دّسَّهُ اليهِ مُعاويةُ ، قال الحسن عليه السلام لاخيه الحسين (ع) : ( لايوم كيومِكَ أَبا عبدالله) .
    البعضُ يرى تَعارُضاً وَتَنافِياً بينَ القولين سَنَداً وَدِلالةً . اما من جهة السند ؛ فانَّ القول الاول ، لم يتصل سنده الى امامٍ من ائمتنا . وامّا من جهة الدلالة فهناك تنافياً في دلالتيهما فالأولُ يلغي خصوصية يوم عاشوراء ، ويلغي خصوصية ارضَ كربلاء ، ويلغي خصوصيةَ رموز عاشوراء ، وكلُّ خُصوصيات حَدَثِ عاشوراء .
    تأملتُ في القولينِ لأجَدَ حلاً لهذا التعارض ؛ فابتدعتُ مقولةً من خلالها اجدُ حلاً لهذا التعارضِ ، وهذه المقولةُ هي : ( الاحداثُ التأريخيّةُ تَتَكررُ بأمثالِها لابأعيانِها) .
    فَحَدَثُ عاشوراء لايمكن ان يتكررَ بعينهِ ، برموزه وشخصياتهِ ووقائِعِهِ ، وزمانه ومكانه ؛ لانّ الاحداث التاريخية لاتتكرر باعيانها ، ولكن تتكرر بأمثالها ، فَأيُّ مواجهةٍ بين الحق والباطلِ هي كربلاء ، وعاشوراء ، وان اختلفت الشخوص ، والرموز والوقائعِ ، والزمانِ والمكانِِ . الامثال تَتَكَررُ وبالتالي ينتفي التعارض بينَ القولين ، ويحتفظُ يومُ عاشوراءِ بكل خصوصياتهِ ورموزه ، وزمانه ومكانهِ .
    الادبُ وَمقولةُ " التأريخُ يُعيدُ نفسّهُ"
    --------------------------------
    راجعت مقولة " التأريخُ يعيدُ نَفسَهُ" ؛ لافتش عن مقولتي : ( الاحداث التأريخيّةُ تتكررُ بأمثالِها لاباعيانِها ) ، فيما اذا كان احدٌ قالَ هذهِ المقولةَ ، فوجدتُ مايُشبِهُ مقولتي ، من القولِ بالايحاء عن طريق الرمزيّة "symbolism" أو القول بالمجاز "allegory"،عندما تعقد مقارناتٌ بين الحادثة التاريخية والواقع الراهن . مقولتا الرمزية والمجاز تتحدثان عن اسقاط شخصيات التأريخ وأحداثه على العصر الحاضر . هاتان المقولتان ، الرمزية والمجاز لاتجيبان عن الجدل المحتدم ، والسؤال الذي يفرض نفسه : هل التأريخُ يُعيدُ نفسهُ؟اما مقولتي : ( الاحداث التأريخيّةُ تتكررُ بأمثالِها لاباعيانِها ) ، فهي تجيب عن هذا السؤالِ ، وتحل مشكلة التعارض بين مقولتي " كل يومٍ عاشوراء ، وكل ارضٍ كربلاء " و" لايوم كيومِكَ ابا عبدالله" .
    الأثباتُ القُرانيُّ للمقولةِ
    ----------------------
    مقولة : " الاحداثُ التأريخيَّةُ تَتَكَرَرُ بأمثالِها لابأعيانِها" لها سَنَدها القُرانيُّ ، فالقرانُ الكريمُ يَتَحَدَثُ عن الامثالِ المُتَكَرِرَةِ من اجلِ العِظَةِ والاعتبار، فالله تعالى يقول :(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). الحشر: الاية : 21 . 
    وفي مجال التحدي لاثبات اعجاز القران الكريم ، القران يتحدى المشركينَ ان يأتُوا بسورة من مثل القران ، لاعينه ، يقول الله تعالى :
    (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ). البقرة: الاية : 23. وفي النسخ الذي هو : رفعُ الحُكمِ ، الله تعالى يأتي بايةٍ ناسخةٍ خيراً من المنسوخةِ أو مثلِها . يقول الله تعالى :
    (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة: الاية:106.
    والاقوال لاتتكرر باعيانها وانما تتكررُ بامثالِها ، كما في قوله تعالى :
    (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ). البقرة: الاية : 113. ، فقول اليهود والنصارى لايمكن ان يتكررَ بعينهِ ، وبشخص قائلِهِ ، وانما يتكررُ مثل القولِ . وكما في قوله تعالى :(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).البقرة: الاية : 118. فقول الذين لايعلمون يتكرر مثله لاعينه ؛ لان المثل هو الذي يقبلُ التكرار ، اما الاعيان فلا تقبلُ التَكرار.
    والعقوبة كذلك لاتتكرر بعينها ، وانما يتكرر المثل . يقول الله تعالى :
    (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).البقرة: الاية: 194.
    وكذلك الايمان يتكرر بمثله ، ولايمكن ان يتكرر بعينه ، يقول الله تعالى :
    (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ).البقرة: الاية: 137.
    فلسفة تكرار الامثال
    -------------------
    والسؤال الذي يطرحُ نَفسَهُ ، ماهي الحكمةُ من تكرارِ الامثال ؟، او بتعبيرٍ اخرَ ، ماهي فلسفةُ التكرار في المثل؟ قلنا ان تكرارَ الاعيانِ بخصوصياتها امرٌ غيرٌ ممكنٍ . وامّا الحكمةُ من تكرارِ الامثال ؛ فهي من اجل بقاء الاحداث حيّةً.
    نحنُ حينما نقتصرُ على اعيانِ الاحداث ؛ فاننا في الواقعِ ، نميتُ الحدثَ ، أونجمدُهُ في سجني المكانِ والزمانِ ، اما تكرار امثالِ الاحداثِ فيبقيها حيةً.
    عاشوراءُ حدثٌ حيٌّ لايموتُ تجاوز الزمان والمكان . عاشوراء ليست حدثا تاريخيّاً ؛ لان الحدثَ التاريخي حدثٌ ميتٌ ، لاروح فيه ، وعاشوراء حدثٌ حيٌّ ينبض بالحياة ، رغم مرور الليالي والايام .السيد زينب سلام الله عليها قالت ليزيد وهو في نشوة انتصاره الكاذب : ( كد كيدك ، واسعَ سعيكَ، وناصِب جهدكَ، فوالله لاتمحو ذكرَنا ، ولاتميتُ وحينا ) . مثير الاحزان ، ص 80 .
    والامام الصادق عليه السلام دعا الى احياء امر اهل البيت ، من خلال احياء مجالس الامام الحسين عليه السلام ، من اجل ان تكون عاشوراء حيةً في ضمير الامةِ ووجدانها الشعبي . فقد روي ان الامام الصادق عليه السلام قال لفضيل بن يسار : ( تجلسون وتتحدثون ؟ قال الفضيل : نعم ، فقال الامام (ع) : ( ان تلك المجالس احبها فرحم اللهُ من احيا امرنا ؛ فانَّ من جلسَ مجلساً يحيى فيه امرنا ، لم يمُت قلبهُ يومَ تموتُ القلوب ).(وسائل الشيعة ، الحر العاملي ، ج10 ، باب 66 ) . 
    وخلاصة القولِ ، اننا يجب ان نحييَ عاشوراء بجعلها حيةَ في واقعنا بتفعيل امثالها ، فكل موقع من مواقع المواجهة مع الباطل هو كربلاء ، وكل يوم فيه مواجهة بين الحق والباطل هو عاشوراء . مع احتفاظنا بقدسية عاشوراء ، وخصوصيتها ، وخصوصية رموزها ووقائعها .
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media