عن الإمام الحسين وقيامته
    الأثنين 9 سبتمبر / أيلول 2019 - 04:39
    راغب الركابي
    وقع خلط  وتهاون  وضعه  في أهداف  -  قيامت  الحسين  -  بسبب  القراءة المغلوطة للتاريخ والعقيدة   ،  كان ذلك بسبب  الميثولوجيا والغنوصية التي أسس لها غياب العقل  في زمن الإنقباض وسقوط بغداد في القرن السابع الهجري    ،  وقد جرى تعميم  لهذا  حتى غدى حقيقة  لدى  فئة  من رجال الدين ومن  الطبقة العلمائية  أيضا  .
      ففي وصفهم لقيامة الحسين  خلطوا بين السبب والنتيجة   ،  حتى قال قائلهم  : -  إن الحسين  إنما  قام  ليضحي بدمه فداءا لأمته -   ، هذا الوصف السيء جاءنا  من خلال  الفهم السيء  لقضية  نصوص التاريخ الذي رافق قيامة  الحسين عليه السلام ، ومع تتبعنا   في دفاتر الحسين وأثاره لم نجد ما يدل على ذلك ، بل وجدنا العكس  وجدنا  : -  إن الحسين إنما تحرك من أجل تحقيق العدالة  الإجتماعية -   ،  ولم يكن ذلك ممكناً  من غير  تحرك  هادف   (  من أجل السلطة والحكم  )  فبهما يسود القانون والنظام  ، وبهذا المعنى  تذهب  تلك الأُحجية  التي يذهب إليها ضعاف النفوس  و يقولوا : -  إن الحسين إنما كان يريد الشهادة  -   أو هذا هو مطلبه من الحياة  !!  .
    في توهين متعمد للهدف السامي الذي كان يرغب عليه السلام في تحقيقه ، فالشهادة مهما علت لم تكن هدفاً له ولا لغيره من الأنبياء والمصلحين ، الشهادة في معناها تكون عرضاً حين يقف الظالمون بوجه أهل العدل فيستحلوا دمائهم ،  صحيح ان الحشد العاطفي والتجييش يجد له آذان صاغية في لحظة التعبير عن درامية الحدث ، لكنه لن يصمد أمام الواقع وطبيعة المقتضيات ، ولعل بعض رجال دين أستساغوا تعميم الخرافة طمعاً ببعض فتات دنيا زائفة ، فلوثوا حركة الحسين وابعدوها عن مضامينها الواقعية ، فالحسين لم يقدم  نفسه قرباناً   ليخرج أهل الضلالة من ضلالتهم ، ولم يُقدم على الشهادة كنوع من البطولة الزائفة  التي يروج لها ضعاف النفوس   ،  الحسين عليه السلام  كان يحمل رسالة جده   ،  بكل ما تعني من تعميم لثقافة الحياة والتعايش والعدل والتسامح وبناء الإنسان ، و لم  تكن  قيامة الحسين من أجل ان يعلم يزيد الصلاة ولا الصوم ولم يكن هدفه ذلك ،  كم  لم يقم الحسين عليه السلام   (  لأن يزيد كان شاربا للخمر ولا عبا بالطنابير  )   ، هذه حكايات  ساذجة  مريضة تدل على نوعية قائليها  ، الحسين  عليه السلام  رسالة حق وعدل بوجه الظلم  ،  ولهذا قام  من أجل أستلام  الحكم وسعى لذلك  سعيه ،  ومن يعتقد غير ذلك فهو واهم ومأخوذ بهذه الدراما الروزخونية الباهتة المضللة ، ومن لم يعتقد بان الحسين كان طالبا للحكم لم يقرأ التاريخ ولم يتفحص صفحاته جيداً .
    ولهذا كان رجالا من الشيعة في الزمان  القديم  القريب من قيامته  ،  قالوا وأعتقدوا ودونوا عبر كتبهم القيمة : -  بان الحسين عليه السلام إنما  تحرك ليقيم العدل ويرفع الظلم من على الناس  -   ، وهذه الأفعال  لا تكون بالشهادة ولا لمن يسعى لها ، إنما تكون بالعمل الجاد  وبتهيئة جميع الظروف  في ذلك ،   هذا  لمن يريد تطبيق النظام والقانون  والعدل  .
    نعم  أقول :  -  أخطأ من قال بأن الحسين ضحى بنفسه  لا سببا ولا نتيجة   -  ، كما أخطأ من تبنى  ذلك  الرأي الغنوصي  ونزعته  في نظرتها للنبي عيسى  ومقولات التضحية دفعا للخطايا والذنوب  ، فكل ذلك وهم وتخيل ليس في محله والصحيح  :  -  إن الحسين أراد الحكم له ولكل عادل مصلح في طول الزمان وعرضه  - ، وفي ذلك إشارة لمعنى قيامة الحسين  ،  نعم سقط الحسين الإمام شهيداً على يد أبغض خلق الله وأخسهم ، ولكن هذا لا يعني أبداً إنه كان قائماً من أجل الشهادة  ، ومن لم يميز بين الهدف والنتيجة يهرف بما لا يعرف كدأب الكثير ممن يمتطون المنابر ، ويخربون على الناس سكة الخير وطريق المعرفة ..

    راغب الركابي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media