العلاقة بين بغداد وإقليم كُردستان: تداعيات مابعد الإستفتاء
    الأربعاء 11 سبتمبر / أيلول 2019 - 18:34
    د. أحمد عدنان الميالي
    مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
    بعد إنتهاء أزمة إستفتاء إنفصال إقليم كُردستان ومشاركة المكون الكُردي بالانتخابات البرلمانية العامة عام ٢٠١٨ وتشكيل الحكومة، عادت قضية طرح العلاقة بين بغداد وأربيل إلى الواجهة.
     كان من المفترض أن يشكل موضوع الإستفتاء درسا لساسة الإقليم يدفعهم بإتجاه تعميق أسس الوحدة والمشاركة، كما كان من المتوقع جدا أن يتراجع النفوذ الكُردي بشكل عام، ولقادة ورعاة الإستفتاء بشكل خاص نتيجة رفض الاستفتاء من قبل المجتمع الدولي والإقليمي، وكذلك أعطى هذا الحدث زخما لبغداد قبالة الإقليم، تزامن مع انتصار العراق على داعش وتحرير الموصل وحسمت إلى حدٍ كبير قضية كركوك بعد دخول القوات الإتحادية إليها، وفعلا تم تأشير تراجع بموقف القضية الكردية برمتها وقورنت التجربة الكردية بتجارب أخرى كإقليم كتالونيا، التي أضعفت شرعية خطوة الاستفتاء، وأيضا قوضت شرعية قادة الإقليم، وفي خضم أزمة اقتصادية عاشها كُردستان العراق مع وجود اضطرابات سياسية لحركات معارضة واحتجاجات تزامنت مع الحدث كان رهان بغداد في الإجهاز على الإقليم شاخصا، لكن ما الذي حصل بعد ذلك؟.
    مؤشرات التراجع والتقهقر لم تستمر بالنسبة لموقع الإقليم سياسيا فاشتراكهم بالانتخابات النيابية كان بزخم غير متوقع بعد الاستفتاء ولم تتراجع الأطراف الكُردستانية بنتائج الانتخابات من حيث عدد الأصوات والمقاعد، بل أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الراعي الأبرز للاستفتاء حقق مقاعد أكثر من انتخابات ٢٠١٤ رغم مقاطعته الدخول بانتخابات كركوك، وبعد إعلان نتائج الانتخابات العامة أمست أربيل قبلة حج لقادة الكتل وساسة بغداد لغرض إقناع الزعامات الكُردستانية للانضمام إليها لتشكيل ما يعرف بالكتلة الأكبر، وتناست تلك القوى مواقفها الصقورية تجاه الاستفتاء ورعاته، لكن قادة الإقليم كانوا بارعين سياسيا واستثمروا لحظات الانقسامات السياسية التي عصفت بقادة الكتل الشيعية وصراعهم على منصب رئاسة الوزراء ولم ينضموا إلى جهة معينة بعينها، مما دفعهم أن يكونوا مرة أخرى بيضة القبان في حسم تعقيدات تشكيل الحكومة ورئاسة مجلس النواب "رغم إنشطار القوى الكردية بين الإتحاد الوطني والديمقراطي الكُردستاني حول منصب رئيس الجمهورية"، بل موقفهم كان مساهما وبشكل حاسم في إقصاء حيدر العبادي من الولاية الثانية كجزء من رد تصفية الحسابات معه في قضية التعامل مع الاستفتاء والدخول إلى كركوك.
    وبالفعل بدا إنهم أكثر نفوذا وفاعلية من رئيس الوزراء السابق، وبدأ النفوذ الكردي يتصاعد ونجح الإقليم في نسج علاقات سياسية وشراكات مع أطراف من تحالفي البناء والإصلاح وأطراف أخرى وتحييد ائتلاف النصر والحكمة، ثم دخل الأكراد بقوة في ملف تشكيل الحكومة بعد حسم منصب رئاسة الجمهورية والنائب الثاني لرئيس مجلس النواب وحصلوا على أهم منصب سيادي فيها وهو وزارة المالية ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وأيضا حصلوا على وزارتي العدل والإعمار والإسكان، فضلا ملف السفراء، وما ينتظرهم من استحقاقات الدرجات الخاصة الذي سيكرس لهم مساحة مهمة تعمق وجودهم في مفاصل الدولة والحكومة الاتحادية، ولم يتوقف المنجز الكُردي عند هذا الحد بل حصلوا على اتفاق مهم في الموازنة العامة لعام ٢٠١٩، إذ نصت المادة (١٠) على تسوية المستحقات مع الإقليم منذ عام ٢٠١٤ من قبل ديوان الرقابة المالية مع وجوب تصدير 250 ألف برميل عن طريق شركة النفط الوطنية سومو وتأمين رواتب البيشمرگه وموظفي الإقليم فضلا عن نسبتهم من تنمية الأقاليم من النفط المصدر وفوائد المطارات والمنافذ الحدودية والضرائب.
    ورغم عدم التزام الإقليم بهذه المادة وعدم التزامه بتصدير النفط، إذ لم تنجز هذه المادة ولم تتم تسوية أي حسابات سابقة مع الإقليم بل تذرع قادة الإقليم بالديون الدولية المترتبة عليهم نتيجة إيقاف حصتهم من الموازنات السابقة منذ عام ٢٠١٤ ولم يشيروا بشيء إلى تصديرهم للنفط من الإقليم وكركوك طيلة السنوات الماضية، إلا أن بغداد دفعت مقدما رواتب موظفي الإقليم وحصل الإقليم على نسبة من الموازنة.
    يضاف إلى ذلك، استقرار التجربة السياسية داخل الإقليم بعد إجراء انتخابات مجلس نواب الإقليم وتنصيب نيجيرفان بارزاني رئيسا للإقليم وتشكيل حكومة برئاسة مسرور بارزاني، استوعبت إلى حدٍ كبير معظم الأطراف الكُردستانية وتم تجاوز أزمة تعطل مجلس نواب الإقليم والأزمة بين الديمقراطي الكردستاني مع حركة گوران، وكذلك نجاح تسوية نسبية بين الديمقراطي والوطني حول المناصب وملف حكومة الإقليم "رغم عدم الاتفاق على منصب محافظ كركوك لغاية الآن والتحفظ على تنصيب نيجيرفان بارزاني رئيسا للإقليم".
     كل هذا أنعكس بشكل إيجابي على واحدية الموقف إزاء بغداد، هذه المؤشرات أعادت مركزية القضية الكردية من جديد كفاعل سياسي في العراق، وأيضا بدأت علاقة الإقليم بالمحيط الإقليمي والدولي تتعافى في ظل تراجع فاعلية القوى المشكلة ما يعرف سابقا بالتحالف الوطني وإتحاد القوى العراقية، فقد عصفت الخلافات والانقسامات بشكل سمح لأن يكون الأكراد أصحاب كلمة مسموعة، كما وتراجعت لهجة الاعتراضات والتحفظات السياسية والإعلامية ضد الكُرد فيما يخص علاقة الإقليم مع بغداد في ملفات تصدير النفط والمطارات والكمارك والضرائب خارج إطار الموازنة والدستور، ورغم وجود مطالبات نيابية وسياسية إلى استقطاع قيمة 250 ألف برميل من نسبة محافظات الإقليم وإيقاف دفع الرواتب، إلا أن المطالب لم تكن بمستوى وضع الإقليم في خانة التجاوز أو التخلي عن الشراكة معهم، إنما إتباع سياسة دعائية لإقناعه بهذه الخطوة في ظل صمت واضح من قبل رئيس مجلس الوزراء تجاه هذه الإشكالية التي قد تفتح أزمة معقدة من جديد بين بغداد وأربيل.
    كل هذا يؤشر إلى نجاح سياسة الإقليم في إدارة مشاكلهم الداخلية، وأن يكونوا الرابح الأكبر في إدارة علاقتهم مع بغداد، مقابل تدهور سياسة بغداد وساستها إزاء بعضهم البعض، وإزاء ملف إقليم كُردستان، وقد يرتبط هذا الموضوع بنتائج الانتخابات العامة وطبيعة تشكيل الحكومة التي سمحت لأطراف كانت محرمة من الدخول للعملية السياسية وتحوم حولها شبهات الإرهاب والفساد والطائفية ليكونوا شركاء وزعماء مشاريع سياسية، وتخصص لهم وزارات مهمة، وأيضا إسقاط أحكام قضائية عن مطلوبين سابقين وإطلاق سراح من قبض عليهم خارج العراق بذات التهم دون محاكمة.
    كل هذا إنما يؤشر على ضعف الإحساس والاستخفاف بالمصلحة العامة وإتخاذها ذريعة لتحقيق المصالح الحزبية، الأمر الذي أدى وسيؤدي بشكل أكبر إلى أتساع دائرة السلبية واللامبالاة إتجاه كل ما يتصل بالمجال السياسي والاقتصادي للدولة، ويعزز ثقافة الانتهازية وعدم الاكتراث بالمواطن حتى وأن أقتضى الأمر التنازل عن القيم والمبادئ مقابل الحصول على الأموال والمناصب والنفوذ، فلا غرابة أن تتحول العملية السياسية وكل ما يتصل بها إلى عملية حسابية تخضع لمنطق الربح والخسارة.
    * مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001–2019Ⓒ
    http://mcsr.net
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media