الثابت والمتغير في الكون المرئي
    السبت 14 سبتمبر / أيلول 2019 - 05:19
    د. جواد بشارة
    منذ الثورة العلمية التي بدأت في القرن السابع عشر وإلى اليوم، كانت النظريات الفيزيائية العلمية تهتم بأجزاء محددة من الكون كالأرض أو الشمس أو المنظومة الشمسية أو مجرة  أو بضعة مجرات أو خلية بشرية أو دماغ الإنسان أو إشعاع ما أو جسم فضائي ما الخ.. ولكن عندما نصف " جزء من الكون" فإننا نترك خارج " النظام المدروس" أجهزة قياساتنا بل وأنفسنا نحن، ونضع جانباً دورنا كجهة اختيار  وتحضير للنظام الذي نقوم بدراسته، كما نضع جانباً المرجعيات التي استخدمت لتكشف لنا أين ومتى وجد هذا النظام وما يطرأ عليه من تغيرات، خاصة عامل الزمن. فتوسيع رقعة الفيزياء لتشمل علم الكونيات ترتب عليها تحديات كثيرة تتطلب تفكيراً جديداً ومقاربات جديدة. والحال أنه لا يمكن لنظرية كونية علمية حقيقية أن تركن جانباً أي شيء، ولكي تكون كاملة وشاملة، عليها أن تأخذ كل شيء بالاعتبار والحسبان في هذا الكون المدروس باعتباره " نظام" ، بما فيه نحن الدارسون باعتبارنا مراقبون، وأجهزتنا وأدواتنا الحسابية والرصدية كذلك . فمن المستحيل الخروج " من النظام" الذي ندرسه خصوصاً عندما يكون ذلك النظام هو الكون برمته. وكل نظرية كونية يعتد بها وتستحق هذه التسمية عليها أن تكون قابلة للفحص والتحقيق  وتأكيد صحة المشاهدات والتوقعات والتنبؤات من خلال التجارب العلمية والمختبرية المتكررة ، لذا من المستحيل أن نقوم بذلك ونطبقه على الكون المرئي كله، لذلك نكتفي بالجزيئات والعينات الكونية. وبرغم هذا التحدي يعمل العلماء على إيجاد علم كونيات يستند على الفيزياء المعاصرة ويتعاطى مع النظريات السائدة التي أثبتت جدارتها كالنسبية العامة وميكانيك الكموم أو الكوانتوم والنظرية المعيارية للجسيمات الأولية، والتي بنيت على دراسة وملاحظة عينات وأجزاء مقتطعة من الكون ومن ثم تعميمها على الكون المرئي برمته. البعض من العلماء ، في تعاطيه مع حياة وتطور الكون المرئي، اقترحوا مقاربات وآليات تحدثت عن " تطور قوانين الكون الجوهرية" ، على غرار قوانين التطور البيولوجي وتخيلوا أن للكون المرئي جينات وراثية على غرار الكائنات الحية وإنه يقوم بإنتاج أكوان وليدة " بيبي – كون ، وأجيال متعاقبة من الأكوان المتعددة ، تتغير وتتطور فيها القوانين من جيل كوني إلى آخر مثلما تحدثت في ذلك نظرية الأوتار الفائقة. فكل كون يختار القوانين التي تناسبه وتلائمه والتي عليه الخضوع لمقتضياتها وشروطها شريطة أن يكون الزمن المرتبط بها واقعياً وحقيقياً وليس افتراضياً أو ظرفياً، وأن تكون القوانين تطورية .
    بعبارة أخرى ينبغي ألا تفرض القوانين على الكون من خارجه، فلا وجود لأية كينونة خارجية، حتى لو كانت إلهية أو رياضياتية، تقوم مقدماً بتحديد ما يجب أن تكون عليه قوانين الطبيعة . فقوانين الطبيعة لا تنتظر بصمت، خارج الزمن، أن ينبثق الكون أو ينطلق، بل هي تنبثق من داخله وتتطور على مر الزمن مع تطوره عندما تقوم بوصفه وإدارته. بل ومن الممكن أيضاً ، على غرار ما يحصل في البيولوجيا، أن تنبثق قوانين جديدة باعتبارها عناصر تسوية وتعديل وتنظيم لظواهر جديدة قد تظهر وتنبثق خلال تاريخ ومسيرة الكون .
    هذه المقاربة ليست جديدة، فلقد قال بها أول فيلسوف في العلم منذ بدايات الثورة العلمية والذي تساءل بجدية كيف يمكننا إنتاج نظرية علمية عن الكون بعيداً عن الخرافات والشعوذات والخزعبلات، وهو غوتفريد فلهيلم ليبنيز Gottfried Wilhelm Leibniz، الذي كان منافساً لإسحق نيوتن في مبارزة فكرية وعلمية شهيرة فيما يتعلق بالأب الحقيقي لحساب التفاضل والتكامل اللانهائي. وكان ليبنيز يتميز بالألمعية وهو  أول من قال بالمنطق الحديث والمعاصر وطور نظاماً للأعداد المزدوجة أو الأرقام الثنائية nombres binaires، وغيرها من الأفكار  العلمية الثورية التجديدية المتطورة. وكان أحد الأفراد الأكثر ذكاءاً وأعلمية في زمنه ولقد صاغ مبدأ يؤطر النظريات الكوسمولوجية وهو " مبدأ  السبب الكافي le principe de raison suffisante" والذي يقول بضرورة وجود سبب عقلاني وراء أي اختيار ظاهري مرئي وواضح للبناء الكوني. فيجب أن يكون هناك جواب على أي تساؤل شكلي من قبيل" لماذا يكون الكون على هذه الهيئة بدلاً من تلك؟" ولو كان هناك إله صنع الكون أو خلق العالم فسوف لن يكون لديه خيار آخر على طاولة تصميمه سوى الخيار الذي نراه ". وكان لمبدأ ليبنيز تأثير كبير على تطور الفيزياء ومايزال يؤثر في علماء الفيزياء الكونية الكوسمولوجيين ورؤيتهم للكون وسعيهم لصياغة نظرية كوسمولوجية متكاملة.
    رؤية ليبنيز للعالم هي أن كل شيء موجود ، ليس في المكان ، بل ضمن شبكة علاقات متشابكة على هيئة زخرفية تشجيرية أو شبكية، من العلاقات المترابطة ، وهذه الأخيرة هي التي تحدد الفضاء أو المكان وليس العكس. وهي فكرة انتشرت اليوم وتقول أن الكون مكون من كينونات وكيانات مترابطة ومتداخلة تربطها علاقات زخرفية متصلة ببعضها البعض متفاعلة ، وهي فكرة باتت متجذرة في الفيزياء المعاصرة، وكذلك في البيولوجيا وفي عالم المعلومة الحاسوبية l'informatique، حيث العلاقات تسبق المكان . ففي عالم تفاعلي علاقاتي لا وجود لمكان أو فضاء بدون كينونات أو كيانات، فلا وجود لفضاء أو مكان مطلق مستقل أو بمعزل عن الأشياء كما كان يعتقد نيوتن. وحيث يتم تحديد الذرات من خلال موقعها في المكان الذي لا يتأثر بحركة الذرات فلا وجود لما يسمى بانعدام التناظرات أو التماثلات asymétriesفي عالم العلاقات والترابطات ، فالأشياء تتحدد بعلاقاتها مع بعضها البعض . الأفراد موجودون ويتمتعون باستقلالية جزئية إلا أن الإمكانيات المحيطة بهم تتحدد وتتحكم بها شبكة العلاقات الكونية  والشبكات تكون ديناميكية وتتطور باستمرار. من هنا يعتقد ليبنيز أنه لا يوجد " زمن مطلق" مستقل عن الأشياء  ويجري بمعزل عما يحدث في العالم. فالزمن هو نتيجة أو نتاج للتغيير، فبدون التغيرات التي تحدث في العالم لا وجود للزمن ، فالزمن هنا أيضاً " علاقاتي relationnel، وهو يمثل مظهر من مظاهر العلاقات ، كالسببية على سبيل المثال، التي تحكم التغيير ، وبالتالي يجب أن يكون المكان أيضاً علاقاتي، بما أن الإثنين مرتبطين بنسيج واحد هو الزمكان وفق نسبية آينشتين العامة. فأية خاصية لشيء في الطبيعة يجب أن تكون انعكاساً لعلاقات ديناميكية بين الشيء والأشياء الأخرى في العالم ، وهذا يكون بالضد من الأفكار الجوهرية التي تضمنتها الفيزياء النيوتنية . وكان آينشتين من أوائل من تلقف أفكار ليبنيز وتبنى إرثه واستخدم مبادئه لتفكيك الفيزياء النيوتنية واستبدالها بالنسبية الخاصة والنسبية العامة وهي نظرية عن المكان والزمان مندمجين في نسيج الزمكان ، كما استخدمت أفكار ليبنيز ومبادئه في الثورة الكوانتية أو الكمومية الموازية للنسبية ، حيث إن ثورة العلم في القرن العشرين والواحد والعشرين هي ثورة علاقاتية تشابكية ترابطية. 
    الثوابت والمتغيرات:
    هناك الكثير من الثوابت والقيم  في الكون المرئي لكنها صالحة إلى أمد ما وقابلة للتغير ،والزمن من هذه الثوابت المتغيرة. وهناك مكونات غامضة تربض على أنفاس الكون وتحتل ما يربو على 85% من كتلته، مثل المادة المظلمة أو السوداء وجسيماتها الأولية المراوغة ، والتي تعتبر أحد أعقد وأصعب ألغاز الكون ، إلى جانب الثقوب السوداء الأولية البدئية التي نشأت مع ولادة الكون إثر البغ بانغ الانفجار العظيم في نفس الفترة الزمنية، والطاقة المظلمة أو السوداء، التي تقوم بتوسع الكون،  والمادة المضادة، والكتل السالبة Masses Négatives والحلقات ذات الأبعاد المتعددة خارج الجسم الكوني الظاهر Boucles extradimensionelles، ما يخلق مناخاً من الأزمة وزعزعة الثقة بالنفس لدى علماء الفيزياء والكوسمولوجيا أي علم الكونيات. غرق علماء الفيزياء والكونيات وفيزياء الجسيمات الأولية  والمختصين بميكانيك الكموم في بحر من الشك والاعتقاد بصحة أطروحاتهم العلمية ، وأحد أسباب ذلك هو عجزهم عن فك ألغاز الثقوب السوداء كلياً خاصة ما يحدث في داخلها، والتوصل إلى طبيعة وماهية المادة المظلمة أو السوداء، فمن المهول عليهم الاعتراف بأنهم يجهلون ما نسبته 85% من مادة الكون لتأسيسية. 
    منذ سنوات الثلاثينات من القرن المنصرم، القرن العشرين، تيقن العلماء أن القارات أو الجزر المضيئة في عمق السماء هي عبارة عن مجرات وأكداس أو حشود وعناقيد مجرية، وكل مايشاهدوه ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد  الكوني كما يقول المثل والذي قدروا حجمه وكتلته خمس مرات أكبر من الأرقام التي كانت بحوزتهم عن كتلة الكون . وهذه الكينونة الكونية الغامضة وغير المرئية مكونة من مادة تمارس تأثيراً ثقالياً على المادة العادية المرئية للكون لكنها لاتتفاعل معها كهرومغناطيسياً وهي لا تصدر أي ضوء لذلك أسموها المادة السوداء. ولحل الإشكال النظري الفيزيائي الناجم عن ذلك علقوا الآمال على وجود جسيم أولي تخيله العالم الحائز على جائزة نوبل للفيزياء ستيفن وينبيرغ وأسماه الويمب WIMP، وهو يمكن أن يكون سراباً أو معجزة حقيقية لو تم العثور عليه . فمن خصائصه أنه يمتلك كتلة كبيرة مقارنة بكتلة البروتون في الذرة حيث تزيدها ببضعة مئات من المرات، وهو جسيم لا يتأثر بالضوء، وعند زرقه في مخاض الانفجار العظيم البغ بانغ يتشكل ذاتياً بكمية تزيد خمس أضعاف على جسيمات المادة العادية ، أي بالنسبة المطابقة تماماً للدور الذي يجب أن تلعبه المادة السوداء أو المظلمة. وتحمس العلماء لهذه الفرضية وأسموها معجزة الويمب  WIMP- particule massive interagissant faiblement، ومعناه الجسيم الكتلوي الذي يتفاعل على نحو ضعيف أو واهن. لكن المعجزة النظرية لم تتحقق عملياً و لا مختبرياً و لا تجريبياً حيث لم تستطع الكواشف المتطورة المدفونة تحت الأرض كشفه أو رصده منذ تسعينات القرن الماضي وإلى اليوم. وبعد ذلك اتجهت الأنظار إلى الفضاء حيث تحاول التلسكوبات الفضائية الرصد والمشاهدة الدؤوبة بحثاً عن وميض أو بصيص ضوء ناجم عن تصادم جسيمين من الويمب يفنيان بعضهما البعض لكنها لم تعثر على شيء يذكر.
    وعاد العلماء إلى الأرض وتركزت آمالهم على ما يمكن أن يفعله مصادم الجسيمات الأولية الكبير LHC  التابع لوكالة الفضاء الأوروبية سيرن ، وذلك منذ منتصف العقد الأول من القرن الواحد والعشرين 2010، وكانت خيبة الأمل كبيرة فلقد رفع مسرع ومصادم الجسيمات إلى 1000 مرة كتلة أحد البروتونات دون أن ينتج ذلك أي جسيم منشود يمكن أن يعتبر جسيم أولي للمادة السوداء . وتردد التساؤل ماذا لو كان جسيم المادة السوداء أو المظلمة مجرد سراب ووهم؟ فقد لا يكون موجوداً، فلايمكن البحث عنه إلى ما لا نهاية ، ولكن عدم العثور عليه لايعني عدم وجوده الأمر فقط في غاية الصعوبة والتكنولوجيا الحالية لاتتيح إمكانية العثور عليه. فقد يكون أثقل 2000 مرة أو أكثر بكثير من البروتون ، وقد يكون بوسع تلسكوبات أشعة غاما  تحسس وجوده من خلال آثار إبادته لنفسه إثر تصادمه مع جسيم مثيل له في الفضاء. وقد يكون أخف بكثير من البروتون ، فالبحث جاري عن المادة المظلمة أو السوداء " الخفيفة" وهناك تجارب عديدة تجري في عدة مختبرات في جميع أنحاء العالم حالياً مثل سنسي وفيرميلاب وداميك - أم  ومودان الخ.. وهي مسألة وقت وصبر بانتظار تصادمه مع إحدى ذرات الكواشف المتربصة . فالوميب لم يمت وغياب الدليل ليس دليلاً الغياب أي على عدمه. والكل بانتظار الجيل الجديد من مسرعات ومصادمات الجسيمات الأولية التي ستخلف LHC، فاليابانيون عازمون على تشييد مسرع ومصادم للجسيمات بمبلغ 7.5 مليار دولار . ووكالة الفضاء الأوروبية سيرن كشفت عن مشروع تشييد المصادم والمسرع المستقبلي الدائري FCCفي نفق طوله 100كلم  بكلفة 20 مليار دولار  والصين تفكر ببناء مصادمها الخاص وبسرية تامة. وانقسم مجال الأبحاث  والطرق والمنهجيات والمقاربات إلى عدة مشاريع متباينة ومتنوعة وكلها تبحث في نفس المجال ألا وهو العثور على " المادة السوداء أو المظلمة". التي اتخذت مسميات أخرى مختلفة  وسيناريوهات متنوعة بنيت على فرضيات  متباينة . فهي تارة عدد من الثقوب السوداء البدئية الأولية المجهرية ومادون المجهرية، وأخرى تقول بأنها مادة مضادة تمتلك كتل سالبة تحلق بين سدم وأكداس المجرات أو مجرد تأثير غائم لثقالة كمومية أو تجلي لأبعاد مكانية إضافية ،  أو هي تعويض عن الكتلة المفقودة في الكون وأخيرا هي بوابة عبور جديدة نحو فهم أعمق وأكثر جوهرية لبنية الكون ، ووسيلة جديدة أو فرصة جديدة سانحة لدراسة نماذج نظرية كونية كوسمولوجية جديدة بذريعة الكشف عن المادة المفقودة  والمسماة المادة المظلمة أو السوداء .

    يتبع
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media