خطّان دنيويّان... وخطّ أخروي
    الجمعة 9 أكتوبر / تشرين الأول 2020 - 07:11
    أبو تراب كرار العاملي
    مرّت فترة لا بأس بها على التّواجد في الغربة، هل تتساءل عن سبب المكوث بعيداً عن أرض الوطن؟ قد تجد غير عامل لذلك. تحصيل علمي أو انكباب خلف ملاحقة لقمة العيش، ولا يبعد أن يكون في إطار ديني تبليغي (وَنِعْمَ الإطار).
    هل تكون السّياحة هي السّبب؟
    مُسْتَبعَد... لعدم توقّع استغراقها فترة طويلة، فتكفيها أيّاماً معدودة... ويُقْضَى الأمر.
    ولكن مهلاً!! ليس هذا مورد الحديث، لا يهمّنا ـ هنا ـ ما سبب التّرحال وكم استغرق من أيّام الزّمن، بل المطلوب الإضاءة على جانبٍ آخر يمهّد لنا التّوسّع لفائدة أبعد ومكسبٍ منشود.

    فلو عزم المسافِر على العودة مؤقّتاً إلى مسقط رأسه
    وقرّر زيارة "بلده الأم" لفترة قليلة أو متوسّطة المدى
    فمن الطّبيعي أن يحجز بطاقة سفر لخطَّيْن: ذهاباً وإياباً، لكي ـ على الأرجح ـ يوفّر مادّيّاً.
    تالياً: يدّخر ما يُكتَب له من نصيبٍ مالي... ولو إلى حين.
    هذا في السّفر الدّنيوي، من مكان إلى آخر في ذات العالم (الدّنيا الفانية)، ماذا عن سفر آخر وترحال مغايِر؟
    تلك معادلة أخرى... ومقاربة مختلفة.

    السّفر من عالم لآخر... مروراً بمحطّة بينهما.
    الموت الظّاهري: بداية "نهاية مرحلة".
    ولكن قبل هذه البداية / النّهاية... مسارٌ طويلٌ وسبيلٌ مَديد.
    تفاصيله ومجرياته كفيلةٌ لتعطينا لمحةً استشرافيّة لماهيّة "البداية / النّهاية" ونوعيّتَيْ العالمَيْن المتوسّط والّذي يليه.
    فَمَنْ أحسنَ الاستقامة في الدّرب... حصدَ عاقبةً حميدة وإلّا... فالويل والثّبور و"بوائس الأمور".
    والنّتيجان تُحَدَّدان بناءً على العلاقة مع ربّ العوالم وخالقها.
    فَإِنْ أتقنَ العبوديّة... فهنيئاً له وحسن مآب "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)" (سورة الرعد).
    وإن سار خلاف ذلك... فَلْيَتَأمَّلْ قول الباري (جلّ وعلا): "يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)" (سورة ق).

    التّفوّق... ضمان النّجاح.
    فهيّا بنا إلى التّفوّق في العلاقة مع الخالق.
    الحدّ الأدنى: الالتزام بالواجبات والابتعاد عن المحرّمات، وهذا الحدّ هو بمثابة القاعدة لما هو أرقى... وأكثر كمالاً.
    فللعبد المؤمن طموح عميق، والمرء الّذي يشقّ دربه على طريق السّير والسّلوك إلى اللّه... له أهداف سامية تشرئبّ لها أعناق العروجِيِّين.
    ومن أوجه هذه السّبّل الفريدة والمقامات المتميّزة هو العمل وفق خطّ واحد.
    ما المقصود بذلك؟

    المُراد... وبكلِّ بساطة... وبوضوح جَلِيّ:
    اِعمَل الخير مع المخلوقين... ولا تنتظر منهم رَدّاً.
    فإن ردّوا الخير بنظيره... فهذا طبيعي وجيّد في آن.
    وإن لم يقابلوا الإحسان بمثله... لسببٍ أو آخر، تافه أو غير ذلك، فلا تُعْطِ للأمر أهمّيّة... ولا تقيم له وزناً، وليكن بناؤك على عدم توقّع الرّدّ من أساسه، فلا حاجة لك به، فحاجتك أسمى، أعلى وأرقى.
    حاجتك في مكان آخر... عند ربّها ومدبّرها "فَأسألُكَ يا مَن يَملِكُ الحاجاتِ، وَهِيَ مُستَجِيبَةٌ لِمَشِيئَتِهِ، وَمُسرِعَةٌ إلى إرادَتِهِ" (دعاء يوم الإثنين للإمام زين العابدين عليه السلام).
    فسبحانه هو المكافِئ... وهو المُعْطي، الواهِب والمُثيب.
    فتجاهَلْ ما في أيدي النّاس، فهم وممتلكاتهم إلى فناء "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)" (سورة الرحمن).
    وارّغَبْ فيما عند اللّه تبارك وتعالى "مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)" (سورة النحل).

    إِذاً، الخطّ الواحد هو الخطّ مع اللّه (تبارك اسمه)، فَإِنْ كنتَ في سفرٍ دنيوي تسعى لتوفير خطَّيْن في حجز واحد، فَلْتَجْعَلْ منحاك في السّفر الأخروي مرتكزاً على خطّ واحد... الخط الإلهي، ولا تتوقّع أن يُمَدّ لك الخط الثّاني... الخطّ البشري.

    فَإِنْ مُدَّ... فأهلاً به
    وَإِنْ لم يُمَد... فلا حاجة إليه

    "خطّان دنيويّان... وخطّ أخروي"

    وللحكاية تَتِمَّة

    [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ]

    أبو تراب كرار العاملي
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media