البرنامج التسجيلي: شعلة زهرة الغبار
    الجمعة 16 أكتوبر / تشرين الأول 2020 - 05:43
    د. ميسون البياتي
    البرنامج التسجيلي الذي سنعرضه اليوم عنوانه كاملاً هو : حياة وإرث الطاهره _ شعلة زهرة الغبار . يتحدث عن السيده الطاهره قرة العين البابيه , تم اعدامها خنقاً في ايران عام 1852 في عهد الشاه ناصر الدين القاجاري بسبب عقيدتها البابيه 

    البرنامج إنتاج فرنسي أمريكي تم تسجيله عام 2015 على شكل ماده فلميه عرضت في سينمات مختلفه حول العالم وتمت دبلجتها الى عدة لغات منها العربيه وهذه هي النسخة 
    أنتجت وأخرجت البرنامج المخرجه الإيرانية الأصل ( شبنم طلوعي ) ميلاد 1971  تعيش في باريس منذ عام 2004 وحصلت على الجنسيه الفرنسيه 2019 وهي بهائية الديانه , ومن هنا جاء إهتمامها بعرض حياة وإرث السيده الطاهره قرة العين من خلال مجموعه من الشهادات قدمها عدد من الباحثين تناولت جوانب متعدده مما حفلت به حياة السيده 
    [[article_title_text]]
    المخرجه الإيرانية الأصل, شبنم طلوعي
    كشرقيين متعاطفين مع معاناة السيده تم تقديمها على انها إمرأه مظلومه بسبب عقيدتها التي كلفتها حياتها , وهذا صحيح , لكنه قاصر جداً عن تقييم دوافع ودور هذه السيده ورفاقها الذي يتحكم بحياتنا كشرق أوسطيين وعرب حتى اليوم رغم مرور حوالي 170 عاماً على إعدامها 
    عيبنا كمتعلمين ( ولا أقول مثقفين ) أننا في بحثنا حول ماهية أي أمر أننا لا نعرف كيفية ربط المحلي بالإقليمي والدولي , ولهذا تأتي تفسيراتنا ويتبعها فهمنا قاصرين عن معرفة الحقيقه برمتها ولهذا فغالباً ما تفوتنا أشياء تؤدي الى خسارات فادحه . أما عيب مجتمعاتنا القاصرة عن الفهم فهي حالما تواجه معضلة ما فسرعان ما تؤول سببها الى العهر أو الكفر أو الجنون وتقفل الأمر على هذا , حتى تتفاقم المعضله وتتشعب ويصبح من المستحيل فهمها أو حلها  

    في الفتره التي نشأت فيها الحركه الشيخيه فالبابيه, وهي فترة منتصف القرن 19 كان هناك اضطراب عالمي كبير هو انفجار ربيع الثورات الأوربيه , وربيع الثورات الصينيه , وربيع الثورات اللاتينيه . الولايات المتحده الأمريكيه حاولت في كل هذه الثورات رجّ العالم لتحقيق مكتسبات لدولتها الفتيه , في ربيع الشرق الأوسط  منتصف القرن 19 كانت محاوله أمريكيه لايجاد دين بديل عن الإسلام للمنطقه . فمثلما سعت بريطانيا في نفس الفتره الى تأسيس الديانة السيخيه ( مزيج من التشيع الإسلامي والهندوسيه ) لخدمة اغراضها في الحفاظ على مستعمراتها في ايران وافغانستان والهند , سعت الولايات المتحده ومنذ ذلك الحين الى تأسيس دين يجمع كل الديانات التوحيديه في دين واحد تدخل منه الى الشرق الأوسط .. والدعوه اليوم الى الإبراهيميه هي ليست دعوة جديده بل لها جذور تمتد الى ما يزيد على قرنين من الزمان تجلت في بدايتها على شكل الشيخيه ثم البابيه التي إنتجت لنا زعيم النهضة العربيه جمال الدين الأفغاني وهو بابي ماسوني , ثم شيخ الأزهر محمد عبده وهو بهائي ماسوني , ومن نتاجهما متحداً مع البعثات التبشيريه الأمريكيه الى لبنان وصل جرجي زيدان الى مصر وهو لبناني مسيحي ماسوني أسس دار الهلال التي نشرت عن العروبه وإستكتبت متعلمين دبجوا لنا بالحماس والأكاذيب والمبالغه تاريخاً مجيداً لا يأتيه الباطل لا من فوقه ولا من تحته فطرنا في سماء أمجاد يا عرب أمجاد , وما هي غير سنوات قليله حتى تحولنا الى أخي جاوز الظالمون المدى , وإن للباطل جوله 
    السيده الطاهره قرة العين هي فاطمه البراغاني (1814 _ 1852 ) ابنة العالم الديني السيد محمد صالح البراغاني . علّم الوالد إبنته القراءة والكتابه والأدب والفلسفة واللاهوت ورباها تربية ممتازه , ثم تزوجت في سن المراهقه من ابن عمها وكان زواجاً صعباً خالياً من التفاهم أنجبت منه ولدين وبنتين . بحدود عام 1840 تعرفت السيده على تعاليم الشيخ أحمد بن زين الدين الإحسائي مؤسس الشيخيه وأعجبت بآرائه وبدأت تراسله بشكل سري عن طريق خليفته كاظم رشتي الذي من كثر إعجابه بآرائها أعطاها لقب ( قرة العين )  ثم سافرت من قزوين الى كربلاء لملاقاة كاظم رشتي لكنه مات قبل وصولها عام 1843 
    [[article_title_text]]
    في كربلاء قامت الطاهره بتدريس تلاميذ كاظم رشتي المتوفي . سمحت لها أرملته بالوصول إلى الكثير من أعماله غير المنشورة والإقامه في منزله. لكنها أُجبرت على اتباع التقليد بتعليم التلاميذ من وراء ستار ، حيث كان يُنظر إلى وجه المرأه في الأماكن العامة على أنه أمر غير لائق. أثار وجودها الكثير من الجدل في كربلاء رغم إكتسابها العديد من المتابعين والشعبية
    عام 1844 وعبر المراسلات تعرفت على علي محمد شيراز ( الباب) وأصبحت التلميذه رقم 17  لحضرة الباب وسرعان ما عُرفت كواحده من أشهر أتباعه رغم أنها لم تلتقِ به وكانت تعيش في بيت المتوفي السيد كاظم رشتي . حين إنتقد بعض اتباع الباب تحمس السيده للبابيه وتكلمها بما لم يقله الباب منحها الباب لقب : الطاهره , ليرد عنها كلام أتباعه
    أثناء وجودها في كربلاء في العراق ، واصلت الطاهرة التبشير بالبابيه فإشتكى منها بعض رجال الدين الشيعة فنقلتها الحكومة إلى بغداد حيث أقامت في منزل مفتي بغداد الشيخ محمود الألوسي ، الذي أعجب بإخلاصها وفكرها
    جادلت السلطات العثمانيه مع الحاكم في بغداد أن الطاهره كانت فارسيه لذا يجب ترحيلها الى فارس فتم ذلك 1847 . خلال رحلتها إلى قزوين ، قامت علناً بتدريس العقيده البابيه  بما في ذلك في محطات توقف في كيراند وكرمانشاه وتجادلت مع رجل الدين البارز في المدينة آغا عبد الله بهبهاني الذي كتب الى والد الطاهره يطلب إخراجها من كرمانشاه . كان والدها وعمها متضايقين بشكل خاص من سلوكها وعند عودتها إلى قزوين في تموز 1847 رفضت العيش مع زوجها الذي اعتبرته كافراً وأقامت مع شقيقها
    بعد بضعة أسابيع طلقها زوجها بسرعة وبدأ عمها محمد تقي البراغاني في انتقادها علناً بقسوه وكان هذا مثيراً للجدل في قزوين زاد من تقويض سمعة عائلة البراغاني . انتشرت الشائعات من البلاط القاجاري عن زنا الطاهرة ، وأن لديها 9 أزواج ثم تحول الرقم الى 90 وحكايات اخرى غيرها عن الفحش والمجون للنيل منها ومن عقيدتها ومن أتباع العقيده 
    أثناء تواجدها في قزوين قُتل عمها الملا محمد تقي براغاني ، وألقى زوجها تهمة التحريض عليها رغم نفيها أي تورط لها , اعتقلتها السلطات بالقوة وتم استجوابها , ولكن أطلق سراحها بعد اعتراف القاتل الحقيقي بجريمته 
    قام بهاء الله ( ابن الباب ) بتهريبها من قزوين الى طهران حيث اقامت في منزله وتعرفت على زوجته وإبنه ( عبد البهاء) الذي كان بعمر 4 سنوات , طلبت من بهاء الله السفر الى ( ماكو ) في أذربيجان لتلتقي بالباب في سجنه لكن بهاء الله أخبرها استحالة الرحله 

    عام 1848 التقى عدد من قادة البابيين في قرية ( بدشت ) لمناقشة أمر مهم وهو هل تستمر الحركه البابيه كمذهب من مذاهب الإسلام أم تنفصل عنه كدين جديد , والأمر الثاني هو العثور على وسيله لتحرير الباب من سجنه حيث اقترحت الطاهره القيام بتمرد مسلح لهذا الغرض . تم الإنفصال عن الإسلام وأدى التمرد الى إعدام الباب 9 تموز 1850 واعتقال الطاهره واقتيادها الى منزل الزعيم محمود خان حيث كتب الشاه ناصر الدين آمراً لها انكار البابيه ليضمها الى حريمه لكنها رفضت فبقيت قيد الإعتقال 

    عام 1852 تعرض الشاه ناصر الدين الى محاولة اغتيال فاشله قام بها البابيون أدت الى نقمته وقراره الفتك بالبابيين عن بكرة أبيهم . تمّ الحكم بخنق الطاهره ثم رميت جثتها في بئر تم ردمه بالحجاره 
    السيد محمد صالح البراغاني والد فاطمه لم يتحمل المصيبة فغادر قزوين الى كربلاء حيث مات فيها 1866 . الشاه ناصر الدين تم قتله بمسدس صديء عام 1896 قتله الميرزا رضا كرماني وهو واحد من أتباع جمال الدين الأفغاني , صرخ بوجه الشاه : خذها من يد جمال الدين , ثم أطلق عليه النار . بعد 6 أشهر مات جمال الدين الأفغاني في اسطنبول بعملية جراحية فاشله لإزالة ورم من الحنجره أثناء استضافة السلطان العثماني له , ومن قام بالعمليه كان طبيب السلطان  
    الحكايه مليئه بالمفاجآت وتصلح فيلماً سينمائياً, تشعر بالدهشه وانت تفكر من أين يأتي هؤلاء الناس بالشجاعه والإمكانيه ليشقوا دين أهاليهم بدين جديد _ رغم كونهم يعيشون مع أهاليهم !! وعند الإطلاع على عدد الغربيين الذين رافقوا وكتبوا من صحفيين ومحللين ومستشرقين , وكيف تم إخراج العقيده من ايران الى العراق الى الشام والدوله العثمانيه ثم مصر , وكيف تحولت من دعوه دينيه الى دعوه قوميه , وكل هذا يحتاج الى المال والجهد والعلاقات التي لا يمكن توفيرها بمساعي بسيطه أو فرديه , نصبح على يقين أن هناك من كان يخطط ويموّل ويوطّد العلاقات لتأسيس الدين الجديد الذي يحكم الشرق الأوسط .. كان شيخيه .. ثم بابيه .. فبهائيه .. ثم دهريه أو أزليه .. أصبح اليوم : ابراهيميه . لكن الطريف في الأمر هو أن الإبراهيميين الحاليين 300 مليون يعيشون في البنغال لا يعتقدون أن إبراهيم مرسل من الرب بل هو باحث عنه , حتى أنه كان يخاطب النجوم بقوله : أغربي أيتها النجوم فلعلي أرى خلفك الذي أبحث عنه , أما ديانات التوحيد فيؤمن اتباعها أن أنبياءهم مرسلون من الرب .. فهل سيأتي يوم يتقاتل فيه الباحثون عن الرب مع المرسلين منه ؟؟

    د. ميسون البياتي
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media