هل تندلع النيران على شواطيء الخليج؟ (قراءة في قرار سحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان)
    الأربعاء 18 نوفمبر / تشرين الثاني 2020 - 05:42
    عباس سرحان
    قد يكون قرار سحب القوات الأمريكية بشكل مفاجيء من أفغانستان والعراق، انعكاسا لما تمر به الولايات المتحدة من انقسام داخلي.
     وربما هو استجابة لمطالبات داخلية أمريكية ترفض زج الجنود الأمريكان في صراعات بعيدة عن بلادهم، ولاشك أن العقدين الأخيرين شهدا قتل الآلاف منهم في العراق وأفغانستان، وهو ما يثير شجونا في وجدان المواطنين الأمريكيين.
    ولكن، أيضا هناك وجهة نظر أخرى لايمكن استبعادها حين نقلّب أوجه المعاينة الفاحصة لقرار الإنسحاب، وقد تكون وجهة النظر هذه قوية ومدعّمة بحجج وأسانيد تجعلها الأقرب إلى الواقع.
    فإلى وقت قريب كانت إدارة ترامب مصرّة على إدامة تواجدها العسكري في العراق، وعززت من أساليب حماية سفارتها في بغداد ونشرت صواريخ الباتريوت في قاعدتها الرئيسية، عين الأسد.
     ووسعت من هذه القاعدة، كما ورفض ترامب صراحة الخروج من العراق، وطالب بغداد بمليارات الدولارات تعويضا عن نفقات تشييد هذه القاعدة في حال أصرّ العراقيون على مطالبته بالانسحاب.
    وذهب الأمريكان إلى أبعد من ذلك حين عزّزوا الانقسامات السياسية العراقية باستمالة بعض الأطراف( الكورد والسنة) إلى صالح بقاء قواتهم في العراق.
     واعتبروا قرار الانسحاب الذي أصدره مجلس النواب مطلع العام الجاري لايمثل وجهة النظر الوطنية العراقية، بل يمثل الشيعة دون غيرهم بحسب المسؤولين الأمريكان.
    واستراتيجيا، فإن أمريكا مهووسة بالهيمنة والتوسع الدائم في المناطق الثرية حول العالم، ولم يسبق لها أن سحبت قواتها من بلد احتلته إلا تحت وابل النيران والخسائر الفادحة، والمثال على ذلك ما حلّ بقواتها في العراق من خسائر قبل ان تنسحب مجبرة في 2011.
    إذن ما سرّ هذا التبدل المفاجيء في السياسة الأمريكية حيال موضوع الإنسحاب من العراق وأفغانستان؟
     لا ضير هنا أن نرى هذا الإنسحاب الأمريكي من زاوية مختلفة في ضوء التوتر المتصاعد بين إيران وأمريكا، وفي ضوء العقلية التي تقود الإدارة الأمريكية.
     فهذا الانسحاب قد يكون محاولة للابتعاد عن فوهات النار الإيرانية المباشرة، إذا ما افترضنا أن أمريكا بصدد شن ضربات محدودة ضد مواقع عسكرية إيرانية مهمة.
    فقد جرّبت الإدارة الأمريكية الردّ الإيراني عقب قيامها باغتيال (المهندس وسليماني) مطلع العام الجاري، وكان الرد مقتصرا على ضرب قاعدة عين الأسد ولم يتجاوزه إلى ضرب المصالح الأمريكية في دول الخليج مثلا.
    بل لم يستهدف الإيرانيون حلفاء أمريكا في الخليج، وهو الموقف الذي قد يعتبره القادة الأمريكيون إحجاما إيرانيا عن الدخول في حرب واسعة مع الولايات المتحدة والإكتفاء باستراتيجية الرد المباشر المحدود أو الرد غير المباشر من خلال حلفاء إيران في المنطقة في حال تعرضها لهجوم أمريكي.
     ومن هنا يمكن للعقل العسكري الأمريكي أن يستنتج أن سحب الجنود الأمريكان من محيط إيران الإقليمي( العراق وأفغانستان) سيفوت على الإيرانيين فرصة استهدافهم ردا على أي اعتداء أمريكي، ولتستهدف بعدها إيران من تشاء!.
     وفيما يخص قاعدة العديد الأمريكية في قطر، فينبغي أنها تحظى بالحماية الصاروخية المكثفة من قواعد الباتريوت لإحباط أي هجوم جوي إيراني.
     ويعتقد الخبراء العسكريون الأمريكان أن بإمكان أسلحتهم التصدي للصواريخ الإيرانية طالما أن الخطر على القاعدة سيكون من الجو فقط بعكس حال قواعدهم في افغانستان والعراق المحاطة بحلفاء إيران ممن يتحركون بحرية على الأرض.
    أما احتمال لجوء إيران الى ضرب حلفاء أمريكا في المنطقة، ردا على الهجوم الجوي الأمريكي المحتمل عليها والذي من المرجح أن يكون صاروخيا.
     فيبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية غير مكترثة كثيرا بتعرض حلفائها للخطر وربما تكون راغبة فيه.
    فتعرض حلفاء أمريكا في الخليج للنيران الإيرانية المباشرة سيعمّق الانقسام في المنطقة، وسيدفع بدول الخليج نحو أمريكا  أكثر طلبا للحماية.
    ويمكن استثمار ذلك اعلاميا ودعائيا لزيادة مشاعر الكراهية ضد إيران في مقابل مشاعر التطبيع مع إسرائيل التي يراد لها أن تسود المجتمعات العربية.
    وفوق هذا وذاك فإن ضرب إيران حلفاء امريكا لن يجعل الأخيرة تشعر بالحزن اذ طالما عرّضت الولايات المتحدة حلفاءها في أكثر من مكان للخطر وجعلتهم ورقة تكسب بها محليا ودوليا دون أي اعتبار أخلاقي.
    ولكن قد تخشى أمريكا على إسرائيل، من ردّة فعل حزب الله في لبنان على أية ضربة أمريكية لإيران.
     غير أن رد حزب الله من وجهتي النظر الأمريكية والإسرائيلية لن يشكّل تحديا خطيرا للوجود الإسرائيلي، بل قد ترى فيه القيادة الإسرائيلية فرصة ثمينة لإلحاق الأذى الكبير بلبنان وهو يعاني من أزمة مالية وانقسامات داخلية.
    ربما هو الوقت المفضّل لإسرائيل كي تشعل حربا مع حزب الله لأنها تدرك حجم الضغط الذي يواجهه بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية.
     وعدم قدرة لبنان على تحمل أعباء حرب مدمرة، بالإضافة إلى أن سوريا التي شكلت دائما ظهيرا داعما لحزب الله باتت منشغلة بمشاكلها الداخلية.
    قد يكون هذا هو نمط تفكير إدارة ترامب قبل أن تغادر البيت الأبيض. ولكن للإيرانيين نمط آخر من التفكير قد يقلب موازين القوى في المنطقة.
     فإذا كان هدف امريكا وإسرائيل تدمير المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية بضربة جوية خاطفة وكفى، فقد يغيّر الإيرانيون من استراتيجية الرد المحدود إلى الرد اللا محدود.
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media