المسألة القانونية في الاتفاقية العراقية الصينية
    الثلاثاء 11 فبراير / شباط 2020 - 06:14
    صباح نعوش
    باحث إقتصادي
    احتدم النقاش في العراق لأن الاتفاقية العراقية الصينية لعام 2019 لم تعرض على البرلمان. كما لم تنشر رغم تسرب قسطاً من نصوصها إلى أجهزة الإعلام. بلا شك يعبر هذا الوضع عن نقص في الشفافية وعن وجود تداعيات خطيرة من الزاويتين السياسية والاقتصادية. رغم ذلك تعتبر الاتفاقية شرعية وفق القوانين العراقية. لكن هذه الشرعية لا تجعلها قادرة على المساهمة في تحقيق المصلحة العامة. بل قد تفضي إلى التأثير سلبيا على مستوى معيشة المواطنين.

    تحتوي الاتفاقية على مذكرات تفاهم ترتبط بالاستثمارات الصينية في العراق. ستترتب عليها نتائج وخيمة تتمثل بالدرجة الأولى بتفاقم المديونية الخارجية. لذلك بات من اللازم العمل على التخفيف من تداعياتها السلبية عن طريق تقليص هذه الاستثمارات إلى أقصى الحدود.

    تنص القوانين العراقية على خضوع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية للبرلمان. تختص الحكومة بالتفاوض بشأنها وتتولى التوقيع عليها. ولكن لا تنفذ إلا بموافقة ثلثي أعضاء البرلمان عليها (المادتان 61 و 80 من الدستور والمادة 127 من النظام الداخلي للبرلمان). بيد أن صلاحية البرلمان لا تسري على مذكرات التفاهم. فقد نصت الفقرة الثانية من المادة الثالثة من قانون عقد المعاهدات رقم 35 لسنة 2015 على ما يلي: لا تسري أحكام هذا القانون على "مذكرات التفاهم التي تعقد بين الوزارات والهيئات غير المرتبطة بوزارة وما يقابلها في الدول الأخرى مهما كانت تسمية هذه المذكرات ويخضع نفاذها لموافقة رئيس مجلس الوزراء...". ما نطلق عليه اسم الاتفاقية العراقية الصينية عبارة عن سبع مذكرات تفاهم واتفاق إطاري واحد. وبالتالي لا تخضع هذه الاتفاقية لصلاحية مجلس النواب.

    وعدم خضوع مذكرات التفاهم للبرلمان معروف في العلاقات الدولية. فعندما تتوخى الحكومة السرية في علاقاتها مع الدول الأخرى تلجأ إلى المذكرات بدلاً من المعاهدات. ويحقق هذا الإجراء مرونة اكبر. إذ يمكن تعديل المذكرات دون اتباع إجراءات تنظيمية معقدة.

    في بعض الدول كفرنسا تخضع الاتفاقات الدولية كيفما كانت تسميتها للبرلمان عندما تتعلق بالتجارة أو المالية العامة. وبالتالي تصدر هذه الاتفاقات بقانون. أما في العراق فلا يوجد مثل هذا التنظيم. إذ تستطيع الحكومة العراقية إبرام اتفاق دولي وإحاطته بالسرية لمجرد اعتباره مذكرة تفاهم وبغض النظر عن طبيعته.

    أن عدم خضوع الاتفاقية العراقية الصينية للبرلمان لا يعني أنها غير شرعية حسب النصوص أعلاه. وعلى افتراض أنها من اختصاص البرلمان فأن الموافقة عليها من قبله لا يضفي عليها مواصفات إيجابية من الناحية الاقتصادية. وشرعية هذه الاتفاقية تمثل عبئاً ثقيلاً على الحكومات القادمة والأجيال اللاحقة. كما تدل هذه الشرعية على أن الخلل الأساسي يكمن في القوانين التي منحتها هذه الصفة رغم نتائجها الخطيرة.

    يتجلى عبء الاتفاقية في آليتها وبموجبها يضع العراق في حساب مشترك عراقي صيني مبالغ تعادل 100 ألف برميل من النفط يوميا. أي حوالي عُشر الصادرات النفطية العراقية للصين. وتمنح الصين قروضاً للعراق بقيمة عشرة مليارات دولار سنويا لمدة عشرين سنة (مدة الاتفاقية). وإذا قرر العراق زيادة مساهمته إلى 300 ألف ب/ي عندئذ تصل القروض الصينية إلى ثلاثين مليار دولار.

    في جميع الحالات ستمول الصين 85% من كلفة المشاريع بالقروض. ويتحمل العراق النسبة المتبقية عن طريق ذلك الحساب والحسابات الأخرى.
    الاتفاقية صورة أخرى من صور توجه بكين نحو بسط نفوذها الاقتصادي والسياسي في العالم خاصة في البلدان النامية عن طريق استثماراتها الناجمة عن إمكاناتها المالية الهائلة وعن قدرتها التكنولوجية المتقدمة. ويستوجب هذا التوجه تقرير استثمارات بالقروض: القرض ممنوح من مصرف صيني. وتتولى شركة صينية تنفيذ الاستثمار. وتقدم الحكومة الصينية للبلد المضيف دعماً لسعر الفائدة.

    سيترتب على ذلك حصول العراق على استثمارات تفوق بكثير حاجاته وقروض تتجاوز قدرته. وهكذا تتقيد مالية الدولة بالتزامات مالية ثقيلة لمدة زمنية تزداد كلما ارتفعت الاستثمارات.

    أضف إلى ذلك أن القسط الأكبر من الاستثمارات المتفق عليها ينصب على البنية التحتية كالمدارس والمستشفيات والسكن. أنها ميادين خدمية وغير إنتاجية رغم أهميتها الاقتصادية. فهي لا تنتج سلعاً للاستهلاك المحلي أو للتصدير. لذلك لا تسهم مساهمة فاعلة في تقليص الواردات وزيادة الصادرات. وبالتالي لا تعالج مشكلة ريعية الاقتصاد ولا تحسن قدرة العراق على الوفاء بالتزاماته المالية الخارجية.

    وعلى هذا الأساس يصبح تقليص الاستثمارات الصينية ضرورة تمليها المصالح العراقية. وارتباط موضوع المقال بالجانب القانوني للاتفاقية يستوجب الإشارة إلى إمكانية البرلمان في تقليص الاستثمارات. وفق المادة 12 من قانون الإدارة المالية يحق للبرلمان تخفيض الإنفاق العام (القانون ينص على تخفيض إجمالي سقف الموازنة وهذا تعبير ركيك). وليس من صلاحياته زيادة هذا الإنفاق بل يمكنه فقط اقتراحها على مجلس الوزراء. وللنواب المناقلة بين أبواب وفصول مشروع الموازنة. من الناحية المبدئية يمكن إذن للبرلمان تقليص الاستثمارات الصينية في العراق لأن ذلك يدخل ضمن صلاحيته باعتبار الاستثمار نفقة عامة. لكن الحكومة الحالية كالمستقيلة والقوى الفاعلة والأحزاب المهيمنة على مجلس النواب تصر بشدة على تنفيذ الاتفاقية كما هي. مما يدل على وجود عوامل تحول دون هذا التقليص. وفي مقدمة هذه العوامل إيران التي ترتفع مكاسبها بازدياد الاستثمارات الصينية. لابد إذن من دراسات مستفيضة وموضوعية لعلاقة إيران بهذه الاتفاقية.

    لا تعني شرعية الاتفاقية تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة. الشرعية شيء والتنمية شيء آخر خاصة في العراق. بل أن مثل هذه الشرعية ستعقد الأمور على الأجيال القادمة التي ستتحمل أعباء الديون الناجمة عنها.

    يعاني العراقيون من الفقر والبطالة وتدهور مستوى المعيشة والتخلف في جميع القطاعات. وبالتالي لابد من الاستثمار لمعالجة هذه المشاكل. لكن اقتصار الاستثمار على الخدمات في بلد يتسم بفقدان السيادة واستشراء الفساد المالي وسوء إدارة الشأن العام يقود إلى تردي اكبر للوضع الاقتصادي والاجتماعي خاصة من الزاوية المالية. لا معنى إذن للشرعية إن لم تقد إلى تحقيق مكاسب حقيقية للمواطنين.
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media