جحيم المباني: اجساد ارضية بلا رئة !!!
    الخميس 20 فبراير / شباط 2020 - 13:29
    أ. د. حسن خليل حسن
    أستاذ وباحث في جامعة البصرة/ مركز علوم البحار
        اذا ادركنا ان كل بناء يخالف ضوابط البيئة هو بناء عشوائي، فقط احرزنا نصف الطريق في مسافة تصحيح الاخطاء في تخطيط المباني الذي يهدد بيئات الاستيطان الحضري، واذا صدقّنا ان البيئة ملكٌ للجميع وواجبُ حمايتها من تطاول البشر مسؤولية الجميع، فسوف ندرك ان اتلاف البيئة سيقضي على حياتنا بشكل حتمي دون ان نشعر، ويهدف المقال الى تشخيص ظاهرتين خطرتين في المشهد العمراني ونمط الاستيطان في العراق والبصرة بشكل خاص، يستلزمان متابعة وتنظيم من قبل المختصين في دوائر القرار وبالاخص دوائر البلدية لتلافي مخاطرهما الجمة:
    الظاهرة الاولى: تصاميم الدور السكنية الحديثة التي لا يخضع معظمها لمعايير بيئية وصحية لا من حيث مساحة البناء ولا من مادة البناء الملائمة لأجوائنا القاسية، فعالمياً هنالك قوانين صارمة لترك فضاءات فارغة لمساحة تزيد عن ثلث مساحة الحي السكني واخرى بنفس النسبة في كل منزل لتكون اما حيز فارغ لتخفيف الحرارة او لاستغلال ذلك الحيز في انشاء المساحات الخضراء لتلطّيف الطقس داخل البيئة المحلية وتلبية حاجة الإنسان الترفيهية، وبالتالي تحقيق جودة الهواء والماء والتربة، اذ من المهم ان تتوفر حديقة لكل 2500- 5000 نسمة وأن تكون المساحة المطلوبة للحديقة بمعدل بين 2- 10م² لكل نسمة واحدة، بينما لا نجد اهتمام او تقيّد بالمساحات الفارغة داخل الاحياء السكنية او داخل البناء المشيد نفسه، وهذا معناه اننا سنشهد في المستقبل القريب جحيماً عمرانياً بسبب كبر حجم الهياكل الكونكريتية التي تمتص الحرارة بشدة وتحتاج الى تبريد يستهلك طاقة كهربائية اضافية ويتسبب بإضافة تسخين للاجواء صيفاً،     كما انها تتسع على حساب المساحة الفارغة (الرئات) الواجب توفرها في كل حي وحتمية تركها في كل منزل، ويزداد الامر سوءاً مع قلة التشجير وانعدام المساحات المائية الملطّفة للاجواء بسبب تلوث معظم مياه الانهار وتحولها الى بيئة راكدة وآسنة، وهنا نحذر من ان معظم الخرائط التصميمية للمنازل الحديثة تتجه الى استغلال كامل المساحة في البناء والاتجاه نحو بناء اكثر من طابق واحد، والمختصون في شأن المناخ يدركون مخاطر ذلك اذ ان منزل بلا مساحات فارغة وفقاً للمعايير والاشتراطات البيئية يعني مدفأة حارقة تستهلك الطاقة وتُنتج التسخين. 
    الظاهرة الثانية: مع هذا الجحيم المستعر في المدن اضافت المدن العراقية كارثة بيئية اخرى تمثلت بظاهرة تمدد ابنية المدن باتجاه الاراضي الزراعية والقرى منذ سنوات، واستمرار ظاهرة غزو مناطق الريف الخضراء تلك الكارثة البيئية التي اصبحت امراً مسلّماً به بعد ان اطلقت الدولة يدها في توفير بنى تحتية لهذه الاحياء بدلاً من ان تضع بدائل للتعدي عليها، ان ما شجع على غزو الاستيطان الحضري للأرياف هو اتساع المساحات وفرق الاسعار ونقص البنى التحتية في الاحياء السكنية الجديدة بالرغم من ادراجها ضمن خطط توسع المدن منذ عقود، كما ساهمت الاسعار الجنونية للمناطق الحضرية واكتظاظها ونقص خدماتها في البحث عن دور تتسع للعوائل الشرقية المتلاحمة اجتماعياً بعد ان تزوج ابناءها واحتاجوا الى استقلالية خارج منزل الاسرة الكبيرة.
    وتأسيساً على ما تقدّم من المطلوب الان بذل جهد متابعة ورقابة جدية على خرائط بناء الدور السكنية والخدمية المزمع بناءها وتقييد منح اجازات البناء بما يتوافق مع التخطيط الحضري السليم وبيئة المدن الصحية. 

    د. حسن خليل حسن
    مركز علوم البحار – جامعة البصرة

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media