الفردية ليست حرية
    الأحد 22 مارس / أذار 2020 - 15:41
    قاسم هادي

         الجاذبية موجودة وفاعلة تحدث كل لحظة في أماكنمختلفة حول الكون، نيوتن أشار اليها واكتشفها فقط، عرّفنا بها، فسّر الظواهر المرتبطةبها، الشيوعية كذلك كحركة قائمة كصراع طبقي مستمر يحصل كل لحظة في أماكن مختلفة منهذا الكون، ماركس أشار اليها واكتشفها، عرّفنا بها، فسّر الصراع الحاصل بوجودها لكنعظمة ماركس لم تكن في التفسير فقط وإنما اصراره على تغيير الواقع وقيادة الصراع ودعوتهلكل القادة العماليين للخوض في الصراع علنياً واظهار جبروت وجسارة الطبقة ، هذا الصراعالطبقي يظهر بأشكال متفاوتة بدءاً من صكّ العامل لأسنانه وهو يتجه لعمله دون رغبتهوحتى الإضراب العام والعصيان المدني، لم تختفي الحركة يوماً لم يختفي الصراع اطلاقاً،يسكن احياناً ويركن للسراديب احيانا أخرى لكنه باقٍ وسيستمر. فيما يتعلق بالجماهيروالعمال بشكل خاص فان عاملين أساسيين يحولان بينهم وبين الانتماء الى الشيوعية او حتىالثقة بقدرتها اجتماعياً وسياسياً، مع عدم انكار انتشارها السريع في العقدين الأخيرين.

         كان لسعي البرجوازية المحموم وإنفاقها الملياراتلتحقيق هدفين أساسيين اولهما هو شيطنة الشيوعية وربط اي حدث سئ بمخططات الشيوعية حتىصار الغرب مقتنعاً (كاقتناع العرب بالمؤامرة الصهيوامريكية ضد النهوض العربي). صارالعامل لا يثق بالشيوعية بل يفضل العمل ليل نهار ليصل الى "دولة الرفاه"وحتى بعد إثبات التاريخ لهذه الكذبة فانه يبقى يتعلق باي من "الكبار" الأطرافالاخرى من البرجوازية لانقاذه لان الشيوعية حين تعطيه الحرية ولكل حسب حاجته ومن كلحسب قدرته وتعيد له الخيار ستسلبه روحه، ولا اعرف شخصيا ماذا يبقى من الروح في ظل الرأسماليةكي تسلب!!؟. سعت البرجوازية بشدّة في جعل خيارات العامل هو نائب جديد في البرلمان يحصلعلى دعم النقابات ويحقق مالم يحققه الآخرين في السبعين دوره برلمانية سابقة او عمدةاو محافظ او رئيس نزيه (افضل من غيره) استغلت في ذلك قيادات نقابية، قساوسة، رجال دين،والأعلام وانهالت الفتاوى مدفوعة الثمن مثلا من كلا جانبي المعممين شيوخا وملالي ضدالشيوعية وحصر المنهج القادر على إدارة الثروة العالمية ومنح الرفاه مع تقليل ساعاتالعمل وخفض سن التقاعد وكل ما يحلم به اي إنسان سويّ،حصره بمجرد دعوة الحاد.

         نفس هذا العامل ينطبق على دول القطب المناهضللرأسمالية وهو قطب رأسمالية الدولة وكل تلك الدول التي دارت حكوماتها في فلك الاتحادالسوڤيتي والتي ظلّت لعقود تقمع شعوبها وتقنعهم ان هذه هي الشيوعية فان العامل وأصحابالأعمال الصغيرة باتوا يعرفون كما الشمس بربرية "الشيوعية" التي تعلموهامن قادة المعسكر الشرقي والأحزاب "الاشتراكية" التي لم تختلف كثيرا عن حزبالبعث. عوضاً عن ممارساتها القمعية وخداع الجماهير ب "شيوعيتها" فانها علمتحتى أطفال المدارس ان الشمولية هي الشيوعية وهي إلغاء الفرد وذوبان أحلام وشخصية وطموحاتوانجازات الإنسان في الدولة هو القربان الذي يدفعه الإنسان ليعيش بلده الحرية والرفاهيةدون الإشارة الى ان الحرية والرفاهية التي يشيرون اليها كانت تعني وزراءهم ورجالاتالحكومة فقط. فقد العامل الثقة بالشيوعية في هذه البلدان ايضا ليس لانها تسرق روحهكما يظن العامل في الغرب بل لانها تأكله حيّاً، وحتى حين فشلت في إدارة بلدانها فانصوت سقوط نظامها الرأسمالي، كما يشير منصور حكمت، فانه صار دويّه سقوط الشيوعية.

         العامل الآخر، وهو نفس الهدف الثاني الذي تعقبهسعي البرجوازية المحموم، هو ضرب الشيوعية الماركسية في مقتل. العمل على تقديس وتعظيمقيمة الفردية (individualism) التي كل اساسها هو عدم الركون الى التجمعات والاتحادات والتجمع العامالذي هو أساس التنظيم المجالسي. حيث ان حتمية الاشتراكية التي يشير اليها ماركس لاتقومفقط على أساس أزمات البرجوازية الاقتصادية في تراكم رأس المال وغزارة السلع في وقتعدم قدرة المنتجين (العمال) على شراء نفس بضائع إنتاجهم إنما على الحس الطبقي وإدراكالعمال لأهميتهم في مسيرة الإنتاج اولا وقوتهم في اتحادهم وتجمعهم من ناحية ثانية حيثان الوعي الطبقي مع التنظيم سيمكنهم من إيقاف سلسلة الإنتاج وبالتالي هلاك الرأسماليةبانهيار ترسانتها وطفيلياتها حين لن تكون قادرة على تغذيتها. وهذا بالضبط ماتمت مهاجمته،التجمعات والاتحادات المبنية على أساس التجمع العام لكل وحدة انتاج او وحدة سكنية.بتقديس الفردية وان عدم تدخل الآخرين في شؤونك وعدم فرض الأحزاب او الاتحادات اوامرهاعليك هو مطلق الحرية دون الإشارة الى ان الفردية او التبرء من التنظيم هو الهدف النهائيلها لتسهيل إدارة الفرد وقمع الفرد واستغلال الفرد.

    لا تتعلق مسألةسكون الصراع او ظهوره بفشل التفسير وغياب المنهج او انسداد الأفق الا ان التحديات الهائلةالتي لم يكن بالإمكان حصرها في مقال واحد، اضافة الى العوامل المذكورة ساهمت في تأجيلودفع الصراع الطبقي الى صراع

    اقطاب البرجوازيةتشارك فيه الطبقة العاملة منقسمة كل جزء مع احد تلك الأقطاب. الّا ان نفس الرأسماليةأعطت بما لا يقبل الشك ان فردانية الإنسان الغربي وقرف العامل الشرقي من "شيوعية"نظامه الا ان الشيوعية قادمة في قلب شباب التحرير وفي ضمير السترات الصفراء وفي كنداكةالسودان ووعي العامل الامريكي مدى قباحة نظامه.

         في النهاية وبالرغم من أهمية النقاط التي اشرتلها لكن هنالك تحديات اكبر ولابد للإشارة ان للمقال جانب اخر اود إيضاحه في مقالاتقادمة.

    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media