كمالاثال!
    الخميس 21 مايو / أيار 2020 - 06:02
    خالد جواد شبيل
    أول الكلام:
    في النصف الثاني من الستينات اعتدت أن أخرج من الكلية في أيام محددة باكرا، فاتمشى نحو باب المعظم.. في طريقي أقطع المسافة الفارغة من دائرة انحصار التبغ حتى أصل الى نادي الجباة، حيث تبدأ سلسلة من الحوانيت ومنها مطعم صغير، وكل شيء فيه صغير، كراسيه المنتظمة أمام منضدة ضيقة طويله مشتركة..وفي ركن الغرفة وعاءا طبخ تجاورا، ثم صف عال من أطباق معدنية..وفي المطعم علقت ورقة مكتوب عليها (60 فلس)..والوجبة هي أرز وفوقه مرقة غالباً ما تكون بامياء أو باذنجان (تبسي) في الصيف وفاصوليا يابسة في الشتاء، وفي كل الأحوال عليها قطعة صغيرة من اللحم ولهذا يطلق على الوجبة اختصاراً وربما تندرا "فوكه" !! لم تتح لي الفرصة أن أجربها لأن طعامي غالباً في البيت أو في نادي الكلية، كان صديقي سعد يحب هذه الوجبة ويقول عنها لذيذة. ويحمل ذكريات عن مشاوي باب المعظم تكة وطماطة (شقف) ووعاء صغير فيه ملح خشن، وكل مروياته في الجزائر، أي فات زمانها وبعُد مكانها مما يجعلني نادماً لأنني لم أجرب الارتياد ولو مرة واحدة!!
    معظم رواد هذه المطاعم الرحيمة هم من الجباة، وطلاب الجامعة حيث تقع دار الطلاب وكذلك من المارة..كان مشهد الناس وهم يجلسون متجاورين وربما متعارفين تشعرك بمحبة وحميمية توحيها أُلفة الناس وطيبتهم..وكنت كلما أمر على هذا المطعم أحرص أن أختلس نظرة سريعة تثير في نفسي الحب لأناس لا أعرفهم!! 
    كنت أدخل مطعم تاجران في بداية شارع المتنبي مرات قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لآكل القوزي! وكان زميلي رياض مولع باكتشاف محلات كباب جديدة وفق مبدأ يؤمن به أن المطعم الجديد يقدم أكلا جيداً ليكسب الزبائن! ومقابل مطعم تاجران هناك مطعم صغير هو كباب الإخلاص.. وفي أحيان كثيرة كبة السراي الرحيمة هي الأخرى!
    ***
    ولعل الصديق ينتظر الكلام عن العنوان الغريب، فأقول له أبشر:
    كامالاثال سيدة هندية مُسنة تجاوزت العقد الثامن بعام، هي نموذج إنساني شائع في الهند، هي تجهد نفسها أيما إجهاد لتحضر كبة الأرز لتبيعها في مطعمها الصغير كوجبة مشبعة للعمال الكادحين، عليها أن تسحق الأرز والعملية مجهدة ثم تكوره وتسلقه، وتقدمه على أوراق الموز وتغمره بصلصة صفراء هي صلصة الكاري!
    والثمن بخس للغاية حيث يكون سعر الوجبة روبية أي سنتاً واحدا، عليها أن تبيع مائة وجبة لتحصل على دولار واحد..تقول كامالاثال: مضى عليّ ثلاثون عاماً ولم أرفع السعر! وكل شيء ارتفع خلال الأعوام الثلاثين، هي فرحة بزبائنها من الجنسين، ومن مختلف المشارب يجمعهم الفقر وتجمعهم كامالاثا كأنها أمهم الرؤوم..
    يقول الزبناء بالإجماع: أن وجباتها لذيذة وجدّ رخيصة وفوق هذا مشبعة، عندما نأكل عند غيرها فإن الجوع ينتابنا بسرعة على خلاف وجبة السيدة المسنة كامالاثا!!
    لا أدري كم مرة زرت الهند، لكنني مازلت  أتذكر عندما زرتها أول مرة تمنيت لو أركب الى المطار وأغادرها في أول طائرة، ولكن ما أن أمضيت فيها يومين حتى اعتدت على هذه البلاد العجيبة وطيبة سكانها وسلاسة الحديث مع مثقفيها التقدميين الرائعين الذين سرعان ما تعقد صلات صداقية معهم!!
    زرت هذه البلد من كشمير وجامو في الشمال حتى كيرالا في الجنوب ومن كلكتا حتى بومبي، وكل مدينة في الهند لها خصائصها العمرانية ومعابدها ومساجدها..الهند بلد الأديان المتعددة والألسن المتعددة. قسيمهم الفقر والطيبة حيث لا يشعر من يزورهم بأنه غريب!
    الإعلام الصادق هو مرآة حقيقية والمرآة لا تخدع، والإعلام النزيه لا يصفق للحاكم ولا للحكومة، بل يرينا المقابح بمثلما يرينا ملامح ومكامن الجمال..فهو ينقل لنا النموذج الإنساني من قبيل كامالاثا وينقل لنا كيف يضرب عامل وافد من قبل متطوع في توزيع الإفطار الرمضاني في أحدى بلدان الخليج العربي الذي لا يتكلم عربي!!..
    وينقل لنا عجائب بلدان الخليج حديثة النعمة، وحديث النعمة يحمل علل الماضي كامنة في ذاته يخرجها أو تخرج عنه على شكل ممارسات بشعة.. 
     اصطف الوافدون في طابور حتى وصل الدور لأحدهم ليستلم وجبته وكان ذا ملامح أسيوية، فسأله المتطوع: أنت مسلم، فأجاب الوافد: لا، فجاء الرد قاسياً: إذهب. فبلع الرجل الإهانة وتلاشى، وفي نفسه سؤال بطعم الغصة: أي دين هذا الذي يمنع الماعون عن جائع!!
    في آسيا الكافرة يحترم الحيوان و يطعم،، وإن أنسَ لا أنسَ منظر تلك السيدة جلست ترضع طفلها وتقدم وعاء حليب لكلب، فالطفل يرضع في حضنها ويدها تمسد ظهر كلب جائع يعب الحليب في فمه!!
    وقد قال المُخبّل السعدي:
    عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى – وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

    الثامن والعشرون من شهر رمضان 1441
    الحادي والعشرون من أيار 2020
    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media