كركوك... عراق مصغر
    الأثنين 15 يونيو / حزيران 2020 - 12:38
    صلاح الزبيدي
    يدور سجال منذ اسابيع بين الحكومة المركزية واقليم شمال العراق بشأن حقيقة استئناف تنظيم داعش الإرهابي أنشطته في كركوك والمناطق المتنازع عليها, حيث يطرح البعض فرضية ان تكون الاحزاب الكردية بصدد استخدام ورقة التنظيم المتشدد الذي سبق ان سيطر بين عامي ٢٠١٤--٢٠١٧ على ما يقارب ثلث مساحة العراق, في حملة دعائية فحواها أنه لا غنى عن دورهم ودور قوات( البيشمركة)في حماية كركوك والمناطق المختلف عليها وحفظ استقرارها.

    تعتبر مدينة كركوك والتي تمثل( عراقا مصغرا) ليست محافظة عراقية عادية, بل تميزت عن غيرها بثرواتها المهمة, ولا سيما النفط والغاز وتركيبة سكانها ذات التنوع الفسيفسائي,إذ تحوي ٤٠% من نفط العراق ونحو٧٠% من الغاز الطبيعي, فضلا عن وجود أكثر من مكون من مكونات المجتمع العراقي  يقطن المحافظة موزعين بين العرب والتركمان والأكراد, وهو ما يجعل منها على قدر كبير من الأهمية حاضرا وفي المستقبل.

    يؤكد مراقبون ان كركوك كانت محافظة عراقية ولم تشهد أي نزاع او صراع بين مكونات المجتمع في المدينة إلا بعد الاحتلال عام ٢٠٠٣ حيث برز الصراع بين الأحزاب وجماعات المصالح القومية للهيمنة على المدينة, حتى امتد الصراع ليصل إلى الأحزاب داخل القومية الواحدة.

    الاحزاب الكردية وخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني لم تستطع الى اليوم هضم اخراج( البيشمركة)من المحافظة والاطاحة بالمحافظ السابق نجم الدين كريم ضمن تداعيات استفتاء الانفصال,إذ يعتبرها الاكراد المصدر الأساسي في اقتصاد الإقطاعيات العائلية التي تستحوذ على مركز القرار في اربيل, الذي راى النور بعد سيطرتهم على ملف كركوك بعد الاحتلال الاميركي للعراق عام ٢٠٠٣, مما جعلهم يفكرون بالانفصال عن العراق,

    واليوم  لاتترك الاحزاب الكردية اي فرصة لتثبيت رغبتهم في السيطرة على كركوك ثانية,حيث نشرت وسائل الإعلام الكردية خلال الأسابيع الماضية تتحدث عن معاودة تنظيم (داعش) أنشطته في المناطق الوعرة المتاخمة لمدينتي اربيل والسليمانية أبرز معقلين  للأكراد في شمال العراق,ويشكك المتابعون في المعلومات المتداولة من قبل الاعلام الكردي والسياسيين الاكراد        ,وذلك بتلاعب الاكراد بورقة (داعش)تصل حد اتهامهم بتسريب معلومات للتنظيم تساعده على نصب الكمائن وتنفيذ الهجمات ضد القوات الحكومية, 

    يرى المراقبون بأن جيوب (داعش) المتواجدة في اطراف كركوك متورطة فيها بعض الاطراف الكردية في تسهيل تسللهم وتواجدهم من اجل العودة الى كركوك ومسك ملفها الامني, في ظل تسريبات الإعلام الكردي وتضخيم الأخبار من قبل الأحزاب الكردية , جاءت تحركات رئيس الحكومةالجديد مصطفى الكاظمي بإطلاق عملية عسكرية في كركوك والمناطق المحيطة بها, يرى بعض المتابعين بأن العملية العسكرية لها أبعاد سياسية وعسكرية,من ناحية لمحاربة داعش الإرهابي وحسم المعركة بالاعتماد على قدرات الجيش العراقي والقوات المساندة له بشكل اساسي مكتفيا بالمساندة الجوية من التحالف الدولي, فضلا عن رسالته الى دول الجوار الجغرافي خصوصا( تركيا وإيران) بان الجيش العراقي بات قادرا على حسم التحديات والمخاطر بسبب تدخلات دول الجوار  في الشأن الداخلي العراقي, والملاحظ ان العملية لم يتم اشراك القوات الكردية( البيشمركة)فيها, وهي رسالة واضحة على رفض الاستمرار بنفس السياسة العنصرية الانفصالية التي دأب عليها قادة الاقليم وعليهم العودة الى الحاضنة العراقية التي تضم الجميع, خصوصا وان هناك مؤشرات على تعاون بعض الأطراف الكردية في احتلال مدينة الموصل,كما وان هناك مؤشر على عدم اعطاء اي دور فاعل للحشد الشعبي سوى الدور الاعتباري.

    الواقع الجديد الذي أفرزته عودة كركوك الى سلطة الحكومة المركزية, فضلا عن بروز قناعة مفادها أن الحفاظ على وحدة العراق واستقراره لا يمكن أن تكون مجرد شعارات بل لابد من توظيف مختلف الوسائل بما فيها العسكرية ان تطلب الامر للحفاظ على وحدة البلد واستقراره وسيادته هو الحل الأمثل للخلاص من كافة الدعوات والأحلام الانفصالية التي تعيش في أذهان بعض الاقطاعيات العائلية في الإقليم, فمن يحاول أن يفرض واقعا بالقوة لا يمكن أن يتنازل عن ذلك إلا عبر المنطق الذي يفهمه, وهو ما عكسته السياسة التي اتبعها الحزب الديمقراطي.

    وعليه فإن مسؤولية الحكومة الجديدة والأحزاب الحريصة على وحدة العراق وسيادته أن تجعل من مدينة كركوك( العراق المصغر) نموذجا يحتذى به لناحية الأمن والاستقرار والتطور الاقتصادي, ومحاولة الوصول الى ارضية مشتركة للعبور الى بر الامان وفقا لمبدا لاغالب ولا مغلوب, وأن الجميع لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات, لتكون سدا منيعا بوجه محاولات الانفصال وتفتيت العراق.





    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media