تركيا - أي حق تمنحها اتفاقية لوزان وما دورها في العراق والمنطقة
    الجمعة 26 يونيو / حزيران 2020 - 05:35
    صائب خليل

    طبيعي ان البلد الذي يخترق الى درجة تعيين رئيس حكومته بتهديد سفارة علنا، يكون بحكم الدولة الساقطة سياسياً، ويغري كل من يريد قضم قطعة من أرضه او سيادته، بالاستعجال ونهش البلد المشلول، قبل ان لا يبقي الآخرون منه شيئاً، وتركيا ليست استثناءاً بالتأكيد.
    البلد مشلول إلى درجة انه لم يجرؤ على تقديم شكوى لمجلس الأمن على اختراق عسكري لأرضه من قبل دولة مجاورة والسيطرة على بعض مدنه، وليس فقط إقامة القواعد العسكرية بدون إذنه وحتى علمه، واكتفى بدلا من ذلك بالاحتجاج "الشديد" عند الدولة المعتدية. وفي العرف السياسي فأن ذلك ليس سوى دعوة إلى تلك الدولة لأن تكرر فعلها متى ما شاءت!

    الاعتداء التركي الأخير لم يكن سوى تصعيدا لسلسلة طويلة من الاعتداءات التركية، خاصة بعد وصول طيب رجب اردوغان، الممثل الماهر الذي رفع رصيده الشعبي بشكل هائل بالمسرحيات الإسلامية المقاومة لإسرائيل عند شعب يتصف بالكراهية الشديدة لإسرائيل، إلى درجة أمنت له الدعم حتى بوجه الحقائق الدامغة مثل حقيقة أن العلاقات التركية الإسرائيلية في عهده وصلت مرحلة لم تصلها في تاريخها.

    إلا أن الهجوم ليس عسكريا فقط، بل يصحبه كالعادة، هجوم تشويش اعلامي على الشعب، كالذي يصاحب غارة جوية على أي بلد. ويركز التشويش على اقناع الشعب بأنه مضطر لقبول الاعتداء التركي على بلده، وقبول الرد الهزيل لحكومته العميلة.
    ومن الأسباب التي تسوق لذلك، كذبة كان قد بدأ ضخها في الإعلام منذ سنوات، أن اتفاقية لوزان بين تركيا وبريطانيا، والتي أسست لوضع الحدود التركية، تنتهي بعد 100 سنة من توقيعها (أي بعد ثلاث سنوات من الآن، في عام 2023) وأن الاتفاقية تنص على إعادة ولاية الموصل (التي تعني عملياً كل الشمال العراقي) إلى تركيا!

    والحقيقة ان اتفاقية لوزان ليس لها تاريخ انتهاء، وأكثر من ذلك ليس فيها أي ذكر لولاية الموصل أو أي من اجزائها! ويمكن لأي منكم ان يفتح الرابط(1) ويبحث بواسطة كوكل ليتأكد.

    حتى ان كلمة العراق لم تأت فيها سوى مرتين، وفي نصها: "فيما يتعلق بالعراق، فأن الحدود بين تركيا والعراق سيتم رسمها بالتفاهم الودي خلال 9 أشهر، وفي حالة العجز عن ذلك يتم احالتها إلى عصبة الأمم المتحدة".
    الاتفاقية التي حددت وبشكل نهائي تلك الحدود، هي "اتفاقية انقرة 1926”(2) والتي وقعتها تركيا مع الاحتلال البريطاني في العراق، بعد توصية عصبة الأمم المتحدة التي اعتبرت ولاية الموصل تابعة للعراق بعد إحصائية للسكان وقومياتهم.
    وحددت الاتفاقية الحدود الحالية بين تركيا والعراق على أساس خط حدود بروكسل الذي تم الاتفاق عليه كحدود مؤقتة قبل عامين من ذلك. وتعهد الجانبان بموجب الاتفاقية بأن "الحدود نهائية ولا يمكن تغييرها وبتجنب أي محاولة لتغييرها”!
    إذن ليس هناك أي أساس لـ "حق تركي" تطالب به بتغيير الحدود، او نهاية الاتفاقات، لكن قوة هذا التضليل وصلت ان صار يردده إعلاميون نزيهون معروفون بوطنيتهم، حين يأخذون معلوماتهم بلا حذر، من مصادر سيئة ويكررونها في وسائل الاعلام.
    والحقيقة اني قمت بعمل استبيان للرأي فوجدت ان أكثر من 70% من قرائي على التويتر يتبنون الرأي الخطأ! فأي تأثير رهيب لهذا الإعلام واية خيانة، سواء من يكذب عمداً أو من الإعلاميين والمنظمات التي تسكت ولا تصحح!

    والحقيقة ان "مسألة الموصل" بقيت نقطة عويصة بين تركيا وبريطانيا لسنوات عديدة. وكانت تركيا تدعي ان دافعها هو الدفاع عن قومية السكان، وادعت بريطانيا أيضا حرصها على "تحرير العرب" من النير التركي. اما الحقيقة فهي ان الطرفان كانا مهتمين فقط بالنفط الذي اكتشف في المنطقة، والدليل على ذلك انهما توصلا الى اتفاق بحصول تركيا على 10% من عائدات نفط ولاية الموصل، والذي عدل بعد ذلك بدفع مبلغ نصف مليون باوند، ولمرة واحدة، واعتبرت مسألة ولاية الموصل منتهية!
    والحقيقة ان الدراسات التركية حول الموضوع، لا تنكر شيئا من هذا، وتكتفي بالخلاف فيما اذا كان المبلغ قد دفع بالفعل بشكل صحيح أم لا.(3)

    وجدير بالذكر ان تركيا لم تكن تحت ضغط شديد في تلك المفاوضات يجبرها على التنازل عن كل شيء، كما ينتظر من هو في موقع الجانب الذي خسر حرباً، وتمتعت بموقف أقوى من أي خاسر حرب في مفاوضات. وكان ذلك لأسباب عديدة منها ان قوات تركيا كانت تحقق انتصارات عسكرية محلية في وقتها، وثانيا رغبة بريطانيا بعدم اغضاب تركيا لتأمين المضايق البحرية الى الهند وغيرها، وعدم التفريط بعلاقتها بها في البحر المتوسط، وأيضا لاستخدامها للضغط على روسيا.

    أما الأساس الذي تبرر به الاعتداءات العسكرية التركية الحالية فيستند الى عدد من الاتفاقات التي وقعتها تركيا مع صدام حسين في الثمانينات من القرن الماضي، والذي سمحت لها في اتفاقية 1983 باختراق الحدود العراقية لمسافة 10 كيلومترات لمطاردة حزب العمال الكردستاني. ومفهوم ان تلك الاتفاقيات استغلت ضعف العراق وانشغاله في حرب صدام على إيران، وبالتالي يجب ان تعدل فوراً، إضافة الى انها لا تعطي تركيا حق الاختراق الذي قامت به في حجمه وعمقه، ولا تبرر بأي شكل قبول العراق انتشار ما يقدر بـ 27 قاعدة عسكرية تركية تتركز في منطقة دهوك، واحدة منها في بعشيقة على بعد 25 كيلو مترا من الموصل! فالموضوع ليس مع كردستان بالذات.

    والحقيقة ان سياسة اردوغان العدوانية وتوسعه الغريب في نشر القواعد العسكرية في بقاع مختلفة من العالم (4) وخاصة في العراق وقطر(!) وهجومه العسكري على ليبيا، وعلاقته المشبوهة القوة مع إسرائيل تجعل من مثل هذه الاختراقات وبقاء القواعد التركية في العراق أمراً خطيراً جداً على البلاد، خاصة وأنه كان وما يزال الهراوة الأكبر التي استخدمتها إسرائيل في تحطيم سوريا بشكل مباشر وغير مباشر من خلال دعم داعش.
    والحقيقة ان تركيا قد حصلت على مناطق عربية وضمتها من خلال الاتفاقات التي تلت الحرب العالمية الأولى التي انهت الدولة العثمانية، وخاصة من سوريا، والتي لا تقتصر على لواء الاسكندرونة بل تشمل مساحات هائلة(5)

    إذن العراق يواجه تحد جدي في وضع ضعيف جدا. ويمتلك العراق أوراق ضغط شديدة لو أراد استخدامها حتى دون الدخول في اشتباك عسكري، أهمها العلاقات الاقتصادية مع تركيا، حيث انها الشريك التجاري الأول للعراق، إضافة الى حزب العمال الكردستاني نفسه الذي يمكن التهديد بدعمه، وغيرها من الأوراق.
    لكن امتلاك الأوراق لا يعني شيئا، عندما يكون من يمسك الأوراق عميلا اجيراً تمت تربيته واعداده لهذه المهمة، وقبل بعض من وصفهم مظفر النواب بحق، في قصيدته المشهورة، ان ينصبوه رئيسا عليهم ثم يتوسلون به ان لا يقتلهم! فالعراق اليوم، بسبب كل ذلك، اشبه بالثور القوي، ولكن الساقط على الأرض، مشلول الحركة، يمنع عليه السفلة حتى الشكوى لمجلس الأمن، والضباع تتكاثر من حوله.

    (1) Treaty of Lausanne - World War I Document Archive
     https://wwi.lib.byu.edu/index.php/Treaty_of_Lausanne
    (2) Treaty of Ankara (1926) - Wikipedia
     https://en.wikipedia.org/wiki/Treaty_of_Ankara_(1926)
    (3) The Mosul question and the Turkish Republic
    http://dergiler.ankara.edu.tr/dergiler/44/676/8604.pdf
    (4) القواعد العسكرية التركية في الخارج ومهامها - BBC News Arabic
     https://www.bbc.com/arabic/middleeast-49376606
    (5) المناطق التي اغتصبتها تركيا من سوريا
     https://rumaf.net/?p=17431


    © 2005 - 2020 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media