الكلمة الطيبة!!
    الخميس 7 يناير / كانون الثاني 2021 - 20:34
    د. صادق السامرائي
    "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء" , "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة أجتثت من فوق الارض ما لها من قرار" إبراهيم   24, 26 
    الكلمة ضوء ساطع عندما تكون طيبة نقية أصيلة المنبع , وفكر ناطق , بها تتحقق الحياة , وتتأكد الرؤى والتصورات السامية. 

    ونوع المفردات اللغوية في أي مجتمع تعبر عن حالته , فالسائدة منها يعكس صورة الحياة , ويرسم ملامح السلوك والتفاعل الإجتماعي. 
                      
    وقد دأبت وسائل الإعلام والصحف والأقلام  على إستعمال المفردات المناسبة للحالة التي يُراد التصدي لها , فمثلا مفردات الإعداد للحرب غير مفردات الإعداد للسلام , ومفردات المحبة والأخوة غير مفردات الكراهية والشقاق والعداء.
                                                          
    ويمكننا أن نستشرف الأحداث القادمة من المفردات المستعملة للإعداد لها , وفي واقعنا تحقق إستخدام مفردات السوء والبغضاء والكراهية والعداء , وإستثارة المشاعر  السلبية والعواطف المؤذية , حتى أصبح عندنا الكثير من الأقلام المُبرمجة لإستعمالها , والعديد من المسؤولين الذين ترسّخ  في قاموسهم الذاتي نوع من المفردات السيئة , التي تحدد معالم تفكيرهم وسلوكهم ومواقفهم وإستجاباتهم.                     

    ولا زالت فاعلة ومؤثرة في رسم حركة الأيام وتقرير مصير المجتمع , وتحديد أساليب التفاعل ما بين الناس , وفي كل فترة مؤهلة لدراما ومأساوية , هناك مفردات خاصة مدروسة بعناية , يتم نشرها وإستعمالها في التصريحات والكتابات المُسخرة لتأكيد الغايات , ومن الآخرين الذين يريدون إظهار الحق , مما يؤدي إلى إختلاط الأمور وتشويه التفكير وتشويش تقدير المواقف وفهمها.                                                           
    والمفردات السائدة هي السلبية الخبيثة الداعية إلى اليأس والتبعية والخنوع والكراهية والطائفية , والمشتقة من عقيدة المحاصصة وثقافتها الجهنمية , التي أوجدت لها جنودا وطوابير أقلام وصحف ومواقع إليكترونية .                          
    وهي ذات إسناد مادي كبير وتسويق إعلامي قوي , يساهم بزرع ما هو سلبي وسيئ في أعماق الناس , ليكونوا مستعدين ومسخرين لتنفيذ الطموحات , وتأكيد المصالح المناهضة لوجودهم وهم لا يشعرون , لأن هذه المفردات المزروعة فيهم حولتهم إلى روبوتات تتحرك وفقا لإرادة غيرها.                                                                                                                
    ويبدو أن معظم الذين يدعون بأنهم ساسة أو أصحاب أحزاب , قد سقطوا ضحايا باختيارهم  أو جبرا فاستلهموا المفردات المؤذية والضارة بالحياة , مما جعل ملامح وجوههم مؤثرة سلبيا في الناظر إليها , فلا ترى وجها تنبعث منه إرادة الحياة وأنوار المحبة , وقسمات الطموح والقوة والحرية والإيمان بالوطن والشعب. 

    فالوجوه التي تظهر بوسائل الإعلام , تطغى عليها ملامح السوء والبغضاء والكراهية والخوف وعدم الإطمئنان , ويقدح الشر والإنتقام من عيونها ,  وعندما تتكلم تراها جامدة  , حتى لتحسب أنك تستمع لتمثال أو دمية. 
     
    تلك حقيقة نشاهدها وننظر إليها بحيرة وعجب , والواقع يشير إلى أن تعبئة البشر بمفردات السوء والبغضاء تؤدي إلى سلوكيات وتفاعلات متناسبة معها , وبهذا فأن نوع المفردة الفاعلة في أعماقه ترسم معالم سلوكه. 

    وما دامت عملية حقن الناس بالمفردات السلبية متواصلة , ومعززة بالقدرات الإعلامية والدعائية والعاطفية   فإن فعل السوء سيتواصل. 
                          
    فالكلمات الخبيثة السيئة تؤسس إرتباطات عصبية دماغية في الرؤوس , وتشكل دوائر فعّالة تهيمن على الفهم والإدراك والتلقي والتفكير والإستجابة والسلوك. 

    أي أن الإنسان يتحول إلى عبد مطيع لتلك المفردات المزروعة في دماغه , والتي تم تسميدها بكل أنواع الأسمدة العاطفية اللازمة لنموها العظيم.       
                 
    ولهذا ترى إنعطافات حادة في الإستجابات التي تصدر عن الذين يحسبون أنفسهم من المثقفين , فما أن تقترب من داوائر المفردات السيئة الفاعلة فيهم , حتى تنطلق كلماتهم كالبارود فيأخذون بالكتابة السلبية بمداد إنفعالهم الحار وعواطفهم الحارقة , وهم لا يشعرون بأنهم أصبحوا مُسخرين لغايات تأخذهم نحو سوء المصير.  
                                                                        
    والمشكلة أن الغاطس في وحل السوء لا يرى غير السوء , ولا يتخيل رأيا غير رأيه , أو عالما غير عالمه  الذي يؤهله للتعبير عن ذاته المزورة ومشاعره  المنحرفة وسلوكه المشين , فقد أكلته المفردات ورسمت معالم وجوده.

    وهذه سياسة فاعلة في تقرير مصير الأوطان والشعوب , وإعادة تصنيعها وفقا لإرادة الأقوى.                              
    فهل من كلمةٍ طيبة ليكون سلوكنا وتفاعلنا وما يبدر منا طيبا ونافعا للناس؟                                                                                                 
    و"الكلمة الطيبة صدقة" !!
                                                                                                
    د-صادق السامرائي

    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media