حرب العملات
    الأثنين 11 يناير / كانون الثاني 2021 - 07:24
    د. ميسون البياتي
    ليس عندي إيمان كبير بالغيبيات وما يسمى بأسرار الطاقه الكامنه للكون لكن ما يجري اليوم في العالم من حرب للعملات وهذا التداعي المدوي بمتواليات هندسيه متسارعه لقدرات الولايات الولايات المتحده الأمريكيه لا يمكن تفسيره بغير أنه : لعنة العراق 

    بوصولنا الى  سبعينات القرن الماضي أدركت الولايات المتحده أنها تسيطر على 99% من الأرض المحصوره ما بين مضيق جبل طارق وخليج البنغال مثلما تسيطر على جميع القاره اللاتينيه . في العام 1973 بمشوره من ثعلب السياسه هنري كيسنجر وبالتعاون بين الرئيس الأمريكي نيكسون ونظيره الفرنسي جورج بومبيدو تم تعليق بيع نفط جميع الدول الواقعه في هذين المجالين بغير الدولار الأمريكي , ووقف ربط سعر الدولار بالذهب , بمعنى آخر إستعمار جميع دول العالم عن طريق حاجتها للطاقه 
    [[article_title_text]]

    ما بين عامي 1980 _ 1988 قامت الولايات المتحده بإشعال حرب إحتواء مزدوج بين رابع وخامس أكبر إحتياطيي نفط في العالم : العراق وإيران , فأصبح البلدان يبيعان النفط لإنعاش معامل السلاح الأمريكيه لقتل أولادهما , وإستمرت تداعيات هذه الحرب حتى عام 2003 عندما جاءت الولايات المتحده بأساطيلها وحلفها العسكري واحتلت العراق لتجعل منه قاعده ينطلق منها الربيع العربي بعد حين  

    قبل القدوم ( لتحرير) العراق كانت قد ضُمت دول عديده الى حلف الناتو كأعضاء ثانويين من بينهم ( البلد المحايد ) نيوزيلندا , تركيا ومصر . قامت مصر في العام 2005 بصناعة حكاية الصور المسيئه للنبي , ثم تزعّم شيخ الأزهر حمله عالميه للدفاع عن النبي فإشتعل الحماس الذي سبب إلتحاق المئات من الشباب المسلم بتنظيمات جهاديه 

    في العام 2007_2008  أعلنت الولايات المتحده ضائقتها الماليه العالميه انطلقت من سوق العقارات الأمريكي وهي ضائقه مفتعله وغير حقيقيه تم تصميها وتنفيذها بنفس تفاصيل الكساد الكبير 1923 بحذافيره . فكان الضغط الاقتصادي والإحتقان الجهادي سبب اندلاع الربيع العربي الذي لم ينتهِ حتى اليوم 

    الضائقه الماليه 2008 لم تضرب الشرق الأوسط وحده لكنها ضربت جميع العالم وسببت شللاً في اسواق التجاره والمال وتبادل الأسهم والعملات . لذلك قامت العديد من دول العالم بتخفيض عملتها كي تنعش صادراتها الى الخارج فتحرك معاملها وصناعاتها وصادراتها الزراعيه , في نفس الوقت توقف استيراداتها من الخارج لأنها ستصبح مكلفة جداً بعد تخفيض العمله وتعتمد على المنتج المحلي . العقبه الوحيده المتبقيه أمام هذه الدول هي استيراد النفط الذي لا يباع بغير البترودولار . اذا كان سعر صرف عملة اي بلد = 10 مقابل الدولار الواحد , وتم تخفيضها لتصبح 20 مقابل الدولار الواحد فهذا معناه أن سعر النفط سيتضاعف بالعمله المحليه ويشفط معه أي قيمه اقتصاديه متأتيه من إنتعاش الصادرات الزراعيه والصناعيه بسبب تخفيض العمله , والوضع خانق لجميع دول العالم مقابل رخاء انتهازي للولايات المتحده    

    دوله مثل الصين تحتاج الى المحروقات لتشغيل معاملها قررت البحث عن مصدر بديل فتعاونت مع جارتها روسيا لتزويدها بالنفط مباعاً بالروبل الروسي واليوان الصيني , حيث تشتري من روسيا سنوياً ما قيمته 400 مليار دولار من النفط المباع بعملة البلدين , كما أن الصين تساهلت مع الدول الإفريقيه لعقد اتفاقات تجاريه بالمقايضه أو بأية عمله متاحه , حجم صادراتها الى افريقيا تبلغ سنوياً ما قيمته 100 مليار دولار
     
     الصين ستقوم بتغيرات هائلة في لعبة النفط العالمية فبورصة شنغهاي الدوليه للطاقه ستكشف قريباً عقود نفطيه مستقبليه مقوّمه باليوان الصيني بدلًا عن الدولار الأمريكي وهذا يؤدي الى تآكل أولوية الدولار الأمريكي ما سيزعج واشنطن . وقد أجرت شركة ( شنغهاي إنترناشيونال إنيرجي إكستشانج ) تدريبات نهائية لاختبار التداول والتسوية ونقل الأسعار منذ 2018  وأعلنت هيئة الأوراق الماليه والتنظيم الصينيه أن العقود الآجله للنفط الخام ستضيف خامات جديده من النفط الى مبيعاتها اعتباراً من حزيران المقبل

    إن التسعير والتداول الواسع للنفط الخام باليوان سيهزان الثقه العالميه بالدولار ويخدمان في نفس الوقت عدد من الأغراض الاستراتيجيه للصين منها تدويل اليوان وجعله عملة عالميه لتعزيز قوتها الاقتصادية وخفض اعتمادها على الدولار. وباعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم والمصدر الرئيس لرأس المال الاستثماري للدول المنتجة للنفط  فإن الصين ستستفيد بشكل طبيعي من استخدام عملتها الخاصه بها على حساب منافسها البترودولار
    تم اتهام الصين من قبل الرئيس ترامب بالتلاعب بالعملة وسياسه تخفيض قيمة اليوان للحصول على ميزات تجاريه مقابل رداءه في جودة البضاعه . لكن الصين حازمه وتسعى إلى إنشاء شبكات تجاريه عبر القارة الأوراسيه والشرق الأوسط لتنشيط مسيرة اليوان نحو التدويل وأن تستخدم نفوذها على المصدرين الرئيسين للنفط لإجبارهم قبول اليوان في تجارة الطاقه 
    الضربه الثانيه للإقتصاد الأمريكي بعد ضربة بورصة شنغهاي الدوليه للطاقه , هي قيام الصين في العام 2014 بتأسيس ( البنك الآسيوي للإستثمار في البنية التحيه ) إنتسبت الى البنك 103 دول , وهناك 21 دوله في طريقها الى الإنتساب , ويُنظر الى البنك على أنه منافس محتمل للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي 
    أهم 3 آليات تحكم الولايات المتحده العالم من خلالها هي استعباد الشعوب عن طريق البترودولار , وديون البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي يستحيل ليس سدادها , بل حتى سداد فوائدها التي تتراكم فصلياً وتتحول الى أعباء جديده تضاف الى الدين الأصلي , فهل سنشهد خلال العقود المقبله إنهيار هذا الآليات وعودة الولايات المتحده الى حجمها الحقيقي  كواحدة من الدول لا كسيدة على العالم ؟ 

    د. ميسون البياتي 
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media