عبد الرزاق غرنه وجائزة نوبل
    السبت 9 أكتوبر / تشرين الأول 2021 - 08:46
    د. ميسون البياتي
    فاز الروائي العماني عبد الرزاق غرنه بجائزة نوبل للأدب للعام 2021 . ذكرت الأخبار أنه كاتب تنزاني مقيم في بريطانيا وكان يعمل في احدى جامعاتها كأستاذ للغة الانكليزيه , أما كيف تحول من عماني الى تنزاني فتلك قصة يطول ألمها ويختصرها الأمر الإداري الصادر بمنح جائزة نوبل بكلمات عابره تقول : مُنحت جائزة نوبل في الأدب لعام 2021 للروائي عبد الرزاق غرنه لتغلغله المتشدد والعاطفي في آثار الاستعمار ومصير اللاجئ في الخليج (يقصد أرخبيل زنجبار) بين الثقافات والقارات . هذه العباره تشير الى واحده من كبريات جرائم القرن الماضي المسكوت عنها والتي يندى لها الجبين
    [[article_title_text]]

     الروائي مواليد عام 1948 في زنجبار العمانيه أي انه كان بعمر 16 عام حين وقعت مجزرة زنجبار في العام 1964 . كان سلطان عمان يحكم زنجبار منذ العام 1698 بعد طرده البرتغاليين منها , وكان متحالفاً مع بريطانيا للإستقواء بها ضد المطامع البرتغاليه . بنهاية الحرب العالميه الثانيه أعلنت الولايات المتحده الأمريكيه القاره الافريقيه وقارة امريكا اللاتينيه قارتين مغلقتين لنفوذها وان على القوى الاستعماريه الاخرى مغادرة القارتين طوعاً او كرهاً فبدأت ما تسمى (حركات تحرر الشعوب) واندلعت المذابح بإسم التحرير الذي هو في حقيقته تبديل مستعمر بمستعمر . اشتعلت الكونغو كينشاسا والكونغو برازافيل  وجنوب افريقيا , الصومال لم تزل تعاني حتى اليوم , اما زنجبار فوقعت فيها الاباده التامه ومجازر التطهير العرقي لطرد البريطانيين والعمانيين معاً 

    تواجدت على ارض زنجبار عائلات عمانيه مسلمه تتحدث العربيه الى جانب جالية فارسيه شيرازيه كبيره انتقلت الى زنجبار بحكم العلاقه العمانيه الفارسيه الجيده ما بين سلطان عمان وشاه ايران رضا , وبحكم أن بريطانيا وكعادتها كانت تفضل نقل جاليات كبيره من رعاياها الى دول واقعه تحت نفوذها خصوصاً وهي تربطها علاقه وطيده مع الشاه رضا وهي التي ساعدته على الاطاحه بالأمير خزعل الكعبي لضم نفط الأحواز الى شركة النفط الأنكلو فارسيه ثم ساعدته فيما بعد الإنقلاب على الأسره القاجاريه وتعيين نفسه شاه على ايران من السلاله البهلويه , وبهذه الطريقه نقلت بريطانيا زنجباريين الى العراق , وهنود الى جنوب افريقيا . وافارقه الى الهند , وايرانيين الى زنجبار , وهكذا 

    في العام 1961 تمكن الأمريكان من اخراج البريطانيين من تنجانيقا وأسسوا فيها جمهوريه , تنجانيقا واقعه مباشره مقابل زنجبار التي بدأوا بمد نفوذهم اليها , لكن العقبه كانت في السكان العرب المسلمين وسلطان عمان الذي يحكم زنجبار منذ عدة قرون 
     في يناير 1964 قام عابد كارومي بإنقلاب في زنجبار واستولى على السلطه وكان نائبه هو جوليوس نايريري . رفض السكان العرب الواقع الجديد ما جعل جوليوس نايريري يتعاون مع الأوغنديين والشيرازيين لقتل العرب حيث تم سوقهم بالآلاف اطفالاً ونساءاً ورجال الى مقابر جماعيه واطلاق النار عليهم  وردم القبور الجماعيه

    بعد ذلك تم دمج تنجانيقا مع زنجبار تحت اسم تنزانيا الذي لا يعني أي شيء , هو مجرد تجميع حروف من الإسمين لإعلان دولة جديده , بالضبط كما حصل عند اختيار اسم باكستان الذي لا يعني اي شيء عند فصلها عن الهند 
    بوقوع هذه الكارثه قام عبد الرزاق غرنه بمغادرة زنجبار واللجوء الى بريطانيا التي تعلم وعمل فيها ولم يتمكن من العوده الى زنجبار حتى العام 1984 ولا احد يعلم شكل المعاناة التي يحملها بداخله منذ تلك الأيام .. من السهل كتابه كلمات عن الألم , لكن المعاناة لا يعرفها غير من عاشها لحظة بلحظه 
    [[article_title_text]]

    أول أعماله المعروفه هي رواية الفردوس التي حصلت على جائزة بوكر عام 1994 , رغم أنه يتكلم العربيه والسواحيليه إلا أنه فضّل الكتابة بالإنكليزيه مما ضاعف عدد قراءه وأوصله الى العالميه , رواية الفردوس تشبه في بنائها رواية كنديد لفولتير . يوسف بطل الفردوس هو نفسه كنديد فولتير . كان يوسف  ولداً في 12 من العمر تم بيعه الى تاجر يأخذه معه في أسفاره الكثيره ويطلعه على عوالم خفيه على هذا الكوكب الى أن تندلع الحرب العالميه الأولى فيقوم التاجر بتجنيد الأفارقه للقتال على الجبهات الألمانيه 
    واذا كان فولتير في روايته يناقش الفلسفه المسيحيه القائله بأن الرب خلق الإنسان بأحسن صوره ولأحسن زمان , فبطله كنديد يلاقي صنوف الهوان في هذه الحياة , في حين أن يوسف يتنقل في افريقيا ليحدثنا عن صور الذل والهوان التي يعيشها الأفارقه منذ ما يدعى ( اغتصاب افريقيا ) والذي دام مابين 1880 _ 1914  بتدافع الإمبراطوريات الأوربيه على إحتلال أجزاء من افريقيا , ثم بدأ الصراع الأمريكي الأوربي المعلن منذ الحرب العالميه الاولى للإستحواذ على القاره والذي لم ينتهِ حتى اليوم 
     رغم هذا فكاتبة السطور تجزم أن رواية الفردوس مأخوذه بالكامل عن رواية كنديد , هناك تناص عجيب بين الروايتين رغم اختلاف الموضوع الذي ينصب عليه نقد كل منهما , يتجلى ذلك في مشهد الاغتصاب , في كنديد يقوم مالكه ببيعه الى تاجر عربي له 4 زوجات يقوم كنديد باغتصاب احداهن فينتقم منه العربي ببيعه الى تاجر فارسي مصاب بالمثليه , يوسف يقوم بمعاشرة الزوجه الرابعه لمالكه , لكن هذا التاجر وبدلاً من بيعه ينتقم من كل الأفارقه بتجنيدهم للقتال على الجبهات الألمانيه 

    واصل  عبد الرزاق غرنه نشر مؤلفاته ومنها : طريق الحاج 1988، دوتي 1990 ، مقالات في الأدب الأفريقي: إعادة تقييم 1993 ، الإعجاب بالصمت 1996 ، عن طريق البحر 2001 ، الهجر2005  ، رفيق سلمان رشدي 2007 ، الهدية الأخيره 2011  

    إحتفاءاً بعبد الرزاق غرنه قال بحقه رئيس اللجنه المانحه لنوبل أندرس أولسون : إن غرنه يعد واحداً من أكثر كتّاب العالم شهرة وتفرداً في الكتابه المتخصصه لحقبة ما بعد الإستعمار وكتاباته تتمع بإنسانيه طاغيه في تتبع آثار الإستعمار في شرق آسيا وآثاره على حياة الأفراد مهاجرين أو لاجئين 

    د. ميسون البياتي  
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media