(الحلقة الثانية) شيء من النقد.. هل حَوّلَ النّبيُّ الشّعرَ الجاهليَّ إلى آياتٍ قرآنيّة؟ تحليل نقدي لغوي لنص مدسوس على امرئ القيس
    الأربعاء 24 نوفمبر / تشرين الثاني 2021 - 19:41
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    البيت الأول:
    ما كنا لنناقش هذه الأبيات لولا زعمهم أنها مصدر الآية (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ). وسنعود لهذه النقطة في الحلقة الأخيرة.
    البيت الأول:
    (دنت الساعة وانشقّ القمر/ عن غزال صاد قلبي ونفر)
    النص، هنا لا يقصد بالساعة يوم القيامة. وعلى الرغم من ذلك يتحدث عن (الساعة) بالتعريف. فهي ساعة محددة سينشقّ فيها القمر ويأتي ذلك الغزال. فهل كانت مواعيد العشاق الجاهليين تتحدد بالساعات؟ هل كان قائل ذاك الكلام يحدد لها الساعة العاشرة ليلا ومدة الانتظار نصف ساعة، مثلا، فإذا لم تحضر سيذهب إلى حال سبيله؟
    كلمة (ساعة) في العصر الجاهلي، وحتى فيما تلا ذلك، لا تعني أكثر من وقت عامّ عائم بلا حدّ معروف له، فهو وقت مستمر ومتواصل (مقاييس اللغة 3/116) كل جزء منه ساعة ولك أن تصفه كله بأنه ساعة أو ساعات. وقد تقول إن المعجمات ذكرت: الساعة واحدة الساعات (مجمل اللغة 3/110) فلتعلم أن المراد بذلك المعنى العام. لأنها لم تكن تعني، حينذاك، هذه الدقائق الستين المعروفة اليوم. ولم تكن مواعيد الناس في تلك الأزمنة تتم وفق توقيتات دقيقة كما في هذه الأيام. وحتى في الإسلام كانت مواعيدهم تتحدد حسب حركة الشمس، نلتقي ظهرا أو عصرا، مثلا.
    ومما جاء في القرآن: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) والآية (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) فـ(تَقُومُ السَّاعَةُ) إشارة إلى يوم القيامة، وأما (غَيْرَ سَاعَةٍ ، و، إِلاَّ سَاعَةً) بالنكرة في الموضعين، فلا تعني الدقائق الستين المعروفة اليوم، وإنما تعني حينا من الزمن قد يطول عند هذا ويقصر عند ذاك. وهو استعمال شائع بين الناس في مجتمعاتنا إلى الآن، فترى صاحبا يقول لصاحبه: سأعود إليك بعد ساعة فلا تغادر المقهى. وإذا به يأتي في اليوم الثاني. وكذلك المقولة المعروفة في المعارك الحربية: صَبْر ساعةٍ. وهي ليست ساعة واحدة بل ساعات تنهال فيها القنابل وينهمر الرصاص.
    ثم ما العلاقة بين انشقاق القمر وظهور الغزال الذي صاد قلبه، من جهة، ونَفَرَ، من جهة أخرى؟ لا يمكن لامرئ القيس ولا لأي شاعر فصيح، أن يتخيل لقاء مع (غزاله) حين ينشق القمر. وهل كانوا يعرفون انشقاق القمر؟ ثم إن الغزال ليس (ريّا المخلخلِ) كالذي ورد في معلقته، أي ليس ممتلئ الساقين ضخمهما.
    وانظر إلى التناقض بين الشطر الأول والثاني، ففي الشطر الأول موعدٌ محدد (الساعة) معرّفة بالألف واللام، فهما متفقان على اللقاء في ذلك الموعد المحدد في ساعة معينة إذ سيحدث فيها أمران: ينشقّ القمر ويلتقيان. وما أحلى التقاء العشّاق عند انشقاق القمر (بلا حسد)! ولكنْ، لماذا النفور؟ هذي هي الساعة قد دنت، وها هو القمر قد انشقّ، وها هو الغزال قد لبّى موعد الحبّ، أفلا يكون النفورُ مناقضا لكل هذا؟
    وبما أنّ الموعد عند الساعة التي ينشقّ فيها القمر فإنّ العاشق الولهان، المتيّم الحيران، يعلم ساعة انشقاقه. ولا تتعجب من هذا العلم، فإن أمه قد دعت له في سبعين ليلة من ليالي القدر أن يكشف الله عنه حُجُبَ الغيب. وفي تلك الساعة تماما سَيَفي الغزالُ بوعد منه سبق.
    لا بأس، فلنسر مع هذا الإبداع الدال على أقصى درجات الانحطاط، ونحن نترقب لقاء العاشق والمعشوق، في ضوء القمر المشقوق، فإذا بالشاعر المخنوق، يحزننا بخبر أليم، وخطب جسيم، فهذا الغزال الذي يتحدى القدر، ويركب متون الخطر، فيلبي الدعوة عند انشقاق القمر، ما إنْ رآه حتى منه نفر. فلماذا نفر منك أيها المتيّم الحيران، بعد كل العناء الذي تحمّله والهوان، كي يلتقي بك في سعيد الزمان؟ وكيف يجتمع الحب العظيم مع النفور اللئيم؟
    وحقيقة لا أدري ما علاقة انشقاق القمر بمجيء الغزال؟ وهل كان هذا الغزال يسكن القمر فلما انشق القمر سقط منه على رأس قائل تلك الأبيات فأفقده عقله إن كان له في رأسه عقل أصلا؟
    نلتقي في الحلقة الثالثة.




    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media