اللغة والبشر!!
    الخميس 25 مارس / أذار 2021 - 19:37
    د. صادق السامرائي
    البشر مخلوقات لغوية , وليست موجودات صامتة , فاللغة من أهم علائم حياتها وآليات تفاعلها , ولولا اللغة لما تحققت الحياة وتطورت.
    وأنى تكون اللغة يكون الناطقون بها , والموجودون فيها , والمتحققة بهم.
    فاللغة مرآة أحوال البشر !!
    كنت في اليابان , وتعبت من البحث عن شخص يتكلم غير اليابانية , وعندما سألت صاحبي الياباني عن السبب , أجابني : الشعب لا يحتاج لغة أخرى , فلغتنا تكفينا , ونفخر بها وتفخر بنا!!
    صعقتني كلماته , فاللغة تتفاخر بأهلها , وهم يتفاخرون بها , وتلك حقيقة سلوكية بشرية ذات قيمة حضارية وإبداعية وإنسانية , فالعزة تتحقق بعزّ اللغات , والقوة تكون بقوة اللغات , والمجد يتجسد بمجد اللغات!!
    ولايمكن الفصل بين أحوال الأمم والشعوب ولغاتها , فإن سطعت لغاتهم وإنتشرت , فهم الساطعون السائدون , وإن خبت لغاتهم وضعفت , فهم الضعفاء المُستعبَدون.
    وكم إنقرضت أمم بإنقراض لغاتها , فالمسيرة البشرية تحدثنا عمّا لا يُحصى من الأمم والحضارات , التي إندثرت بسبب إندثار لغاتها , ولهذا تجدنا أمام آثار مكتوبة بلغات نجهلها , وقد فككنا رموز بعضها كالسومرية والفرعونية وغيرها من الأبجديات المندثرات.
    ولكي تقضي على الأمة عليك بإستهداف لغتها , بإضعافها والإستهانة بها , وتقليل أهميتها , وتصغيرها عند أهلها , ودفعهم لكراهيتها والنيل منها , والسعي نحو لغة أخرى غيرها , لتلد الأمة أجيالا مضادة للغتها وتنكر أبجديتها , وتذوب في غيرها من الأمم , فتضيع الهوية والعلامات الفارقة , وتصبح اللغة تراثا أو تأريخا , وبمرور القرون تندثر وتغيب.
    وما يحصل للغة العربية يصب في هذا الإتجاه , ويسعى لتغريب أهلها عنها , وتعجيم ألسنتهم , وتدمير ثقافتهم , وتجفيف ينابيع مفرداتهم , وتغريرهم بإعتماد لغات أخرى غير لغتهم , وإيهامهم بأن المشكلة في لغتهم , وعليهم أن يتخلصوا منها ليتقدموا ويعاصروا , فلغتهم معين البلاء , والمتهم الأول بويلاتهم ونواكبهم.
    فمن هم العرب بلا لغة عربية؟
    ومن هم الفرنسيون بلا لغة فرنسية؟
    وقس على ذلك , فاللغة لها علاقة صميمية بالوطنية والأمة والحضارة الإنسانية , فلا توجد مسيرة بشرية متميزة من غير لغة متوافقة معها.
    والعرب عندما أبحروا في محيطات لغتهم , وحلقوا في أكوانها المتسعة الشاسعة , إستخرجوا جواهر القدرات والطاقات الحضارية , التي أهلتهم للقيادة والريادة والإقتدار الحضاري الأصيل.
    وبإبتعادهم عن لغتهم  , ضعفت عقولهم , وخوت أفكارهم , وترعرعت في مستنقعات وجودهم العواطف السلبية , وتحولوا إلى موجودات منفعلة , عاجزة عن التعبير بلغتها عمّا فيها , ومُسخرة لردود الأفعال الإنعكاسية السيئة النتائج.
    وعليه , فأن من الواجب والمسؤولية المصيرية أن يهتم العرب بلغتهم  ويحترمونها , وينطقون بها ويكتبون بإنضباطية نحوية صارمة , لكي ترقى عقولهم وتتهذب نفوسهم  وتنير أفكارهم.
    فاللغة هي الأرضُ والإنسانُ والفِكَرُ !! 

    د-صادق السامرائي

    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media