دولة الخلافة وأمة الخرافة!!
    الأحد 28 مارس / أذار 2021 - 20:22
    د. صادق السامرائي
    العرب والمسلمون تعودوا وبتكرار متواصل على أن تكون هناك دولة على رأسها خليفة أو سلطان تتبعه , أو تأتمر به جميع المجتمعات التي تدين بالإسلام. 
    وتواصل هذا الحال منذ دولة المدينة وحتى سقوط الدول العثمانية أو الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى , أي في الربع الأول من القرن العشرين.
    وعاش العرب والمسلمون على مدى قرن بلا دولة خلافة , فكان القرن مشحونا بالإضطرابات وبظهور الحركات والأحزاب ,  التي تنادي بدولة الخلافة كل على منهجه ورؤيته , ونشأت  تعصبات وطائفيات ومذهبيات قاسية التفاعلات.
    وبعد سقوط الدولة العثمانية نشأت ثمان وستون دولة تسمي نفسها (إسلامية) , وهي في حالات من التقارب والتباعد والإحتراب أحيانا , وقد تحقق توظيف الفروقات المذهبية والتأويلات الجماعاتية وتحويلها إلى أدوات للتصارع الدامي  بينها.
    فهذه الدول المتمخضة عن الحرب العالمية الأولى , لا تزال في مضطرب , فلم تتمكن أن تتوصل إلى صيغة تفاعلية أو هيئة سياسية ذات تأثير وحضور في واقع العرب والمسلمين , مما أتاح للحركات المتطرفة أن تتكون وبسرعة ودوغماتية مرعبة , وجميعها تشترك في أنها تسعى لصناعة دولة الخلافة وفقا لرؤيتها.
    ويبدو أن المجتمعات المسلمة والعربية تعيش في محنة فراغية وتعطيلية , وكأنها الصدمة التي تتسبب بإطلاق الأوهام والتصورات السلبية , التي أسهمت في القول بأن الإسلام هو الحل , وأن التأخر سببه عدم وجود هذه الدولة الأثيرية التي يتغنى بها العرب والمسلمون , ويرون أنهم كانوا قادة الدنيا وقبلتها بسببها وحسب.
    وهذا ما يذهب إليه معظم الناس لقلة في المعرفة ولتأثير خطابات المتاجرين بالدين , الذين يسعون إلى تعطيل العقل وتدمير الوجود الحضاري , وتحويل الناس إلى قطيع يأخذونه إلى حيث تتطلب تجارتهم.
    بينما الحقيقة الساطعة أن سبب التأخر هو إهمال العلم والبحث العلمي , والإمعان بالتجهيل والتضليل وفقدان قيمة العمل , وتدمير التعليم وإخضاعه لمناهج التجارات الدينية التي تحسب البشر أرقاما , وتصادر قيمة الإنسان وتدفعه للموت لكي ينال الحياة الأخرى.
    ولا يمكن التحرر من قبضة دولة الخلافة إلا بتأسيس هيئات فاعلة ومؤثرة , وقوة سياسية تلتزم بها جميع الدول المشاركة , وعليها أن تكون ذات آليات عملية وعلمية , وليست مؤتمرات ومقررات لا وجود لها إلا على الورق.
    كما أن الإهتمام بالعلم والتعليم والعمل الجاد المجتهد , وإعلاء قيمة الإنسان وأهميته ودوره في صناعة الحياة الأفضل , من الأساسيات اللازمة للخروج من قبضة هذا الوهم المدمر , والتحول إلى طاقة إيجابية مشاركة في بناء الحاضر الزاهر والمستقبل الباهر!!
    وعليه فأن خرافة دولة الخلافة أشبه بالهذيان , لأن الداعين إليها يريدون قطع الأمة عن روافد العصر , والعودة بها إلى ما لا يمكن العودة إليه , فالأرض تدور وتفعل فعلها بالموجودات التي تحملها , وتصيبها بتغيرات وتبدلات تلزمها بالخضوع لها والإستسلام لإرادتها , وبهذا تتقدم الحياة , وتتجدد العصور.
    فكيف لثمان وستين دولة أن تؤسس هذه الدولة الخرافية وهي غير قادرة على بناء دولها وفقا لمتطلبات الحياة المعاصرة , وفيها الناس يعيشون في شظف ومقاساة مناهضة لأبسط الحقوق الإنسانية , وعندها الملايين من الذين يرفعون رايات الدين , وما تمكنوا من بناء الحياة الحرة السعيد لأهل الدين , بل أنهم يطبلون للموت ويعزفون ألحانا جنائزية في خطبهم وتصريحاتهم وما يقولونه للناس الذين يستحوذون على عقولهم ونفوسهم.
    فلنتحرر من هذه الخرافة , ونبني دولة الحياة المستطابة!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media