رواية بوشكين (عربي قيصر) ترجمة د. نصير الحسيني
    الأربعاء 14 أبريل / نيسان 2021 - 06:48
    د. أسماء غريب
    الكتابةُ عَنْ بوشكين، شاعر روسيا الأكبَر عمل محفوف بالكثير مِن الصّعوبات والمشاقّ الفِكريّتَيْنِ، هذه حقيقةٌ لا شكَّ فيها أبداً، وذلك لعِظَم شأنِ هذا الأديب العالَميّ والشُّموليّ التوجُّهاتِ والنّتاجات الأدبيّة التّثَاقُفِيّة المنحى والمعنى، لكن ماذا عن الكتابةِ عمّنْ قامَ ويقوم بالتّرجمة العربيّة لأعماله سواء مِن اللّغة الرّوسية مباشرةً أو عبر لغة وسيطة كالإنجليزيّة أو الفرنسيّة أو غيرهما من اللّغات الأخرى؟ الصّعوبات بشأن هذا الأمر لا غرو ستتضاعفُ وتزدوِجُ، لا سيما وأنّ معظمَ المهتمّين بالشّأن الثقافيّ عوّدوا القارئَ على الاهتمام لليومِ بالعمَل المُتَرْجَم وإهمال مَن تَرْجَمَهُ من باب أنّه مجرّد جِسرٍ أو قناة يمرُّ من خلالها الأدبُ الأجنبيّ إلى الضفّة الأخرى، وكأنّ العمليّة برمّتها تحصيل حاصلٍ ولا قيمة لها في ميزان تقييم النّتاج الفكريّ الإنسانيّ في العالم قاطبةً. والحقيقة أنّ الأمرَ ليس بهذه السّهولة ولا بهذا الاستخفاف، إذ أنّني أرى أنّه مِنَ الواجب إيلاء العناية والاهتمام لِكِلَا قُطبَيْ عمليّة النّقل والتّرجَمَة، أيْ المُتَرْجِم والمُتَرْجَم له، وهذا يعني أنّني هنا لن أتحدّثَ عن بوشكين فَقَطْ وإنّما عن مُتَرْجِمِه أيضاً د. نصير علي الحسيني. وهذا سيدفعني بدون أدنى شكّ إلى التساؤل أوّلاً وقبل كلّ شيء عن السّبب الّذي دفع الدكتور نصير إلى الاهتمام ببوشكين، وبالضّبط بروايته (عربيُّ القيْصر) (1)؟!
    [[article_title_text]]

    ولكَيْ أجيبَ عن هذا السّؤال اقتضى منّي الأمرُ التّحليقَ خارج الرّواية المُتَرجَمَة، ولمْ أجد ضالّتي إلّا حينما اطّلعتُ على جديد إصدارات د. نصير، وأعني بها (ذكريات على شواطئ البحر الأسود) (2) و(الشّاعر المفقود) (3)، وقد اكتشفتُ فيهما الطّريقة الهندسيّة المعماريّة التي يُنْجِزُ بها بناءَهُ السرديّ بشكلٍ متماسك الأطراف والعناصر، إذ أنّه يقوم بوضع تصميم أوّليّ يحدّد من خلاله الأرضيّة الإبداعيّة التي سيتحرّكُ فوقها ويبني عليها الأفكار طابوقة طابوقة، فيمزجُ بين الخيال والواقع، ويضمُّ الأحداث بعضها إلى بعض، وينتقي من الذّاكرة الوقائع التّاريخيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، ويزاوجُ بين التّحليل النّفسيّ والاجتماعيّ وكذا الاقتصاديّ، كما لا يفوته القيام بدور المراقب الفنّي لتفاعل الأحداث فيما بينها وإثرائها بالمحسّنات البديعيّة والشّعريّة، والأسطوريّة. ومن يقرأ (ذكريات على شواطئ البحر الأسود) وكذا (الشّاعر المفقود)، سيكتشف لا محالة من أين أتاه حبّه للأدب الرّوسيّ، فهو يعرف روسيا جيّداً، وله دراية واسعة بثقافتها وأدبها في شتّى مراحلها السّياسيّة والاقتصاديّة، لا سيما في الأجزاء التي يتحدّثُ فيها عن التاريخ الرّوسي وعن تجربة صديقه السّودانيّ في روسيا كطالب علم وممثّل للجالية السّودانية فوق ترابها، وأيضاً في المقاطِعِ التي يصفُ فيها د. نصير مدى تأثّر أهل العراق بالتّجربة الرّوسيّة الاشتراكيّة، ومدى تفاعله هو شخصياً مع الفكر الماركسيّ منذ سنوات شبابه الأولى، وقد ظهر هذا جليّاً، في روايته (الشّاعر المفقود). ولا يمكن للقارئ أن ينكرَ أبداً ما قد يطفو على بحار الأفكار من مقارنة قد يبدو فيها الكثير من المجازفة بين ما كتبه د. نصير عن بوشكين وبين ذكرياته مع صديقه الدكتور خلف إسماعيل فضل المولى، فكلاهما من أصول إفريقيّة، وكلاهما وُجِدا على أرض روسيّة، وكلاهُما تحفل حياتهما بالمتاعب والمحن والمشاقّ، فهل هذا يعني أنّ د. نصير وهو يقدّم لنا (عربيّ القيصر)، كان يريد أن نلتفتَ بشكل أو بآخر إلى بوشكين الإفريقيّ أكثرَ منهُ إلى بوشكين الرّوسيّ؟ أم ربّما إليهما معاً؟!

    قرأتُ منذ زمن مضى في أحدِ المقالات، أنّ جَدَّ بوشكين الأكبر ليس حبشيّاً، وإنّما قد يكون من الكامرون كما قال الباحث الكاميرونيّ (Dieudonnè Gnammanakou) في مقالة نشرها عام 1995 وأثارت آنذاك ضجّة كبيرة في روسيا، وهذا الحديث عن الأصول الإفريقيّة لجدّ بوشكين إبراهيم هانيبال يقود إلى التّساؤل عن العنوان الّذي اختاره المُتَرجِمُ د. نصير للرّواية وأعني به (عربيُّ القيصر)، وأقول هذا لأنّني بعد الاطّلاع على ترجمات أخرى للعمل نفسه اكتشفتُ أنّ قضيّة العنوان هذه فيها أقوال وأقوال؛ ففي ترجمة د. فؤاد المرعي مثلاً نجد أنّ هذا الأخير قد اختار كعنوان للرّواية (حبشيُّ بُطرس الأكبر) (4)، في حين اختار المُتَرْجِم عبد الله حبه، عنوان (العربيّ، ربيب بطرس الأكبر) (5)، وهو العنوان الّذي يؤيّدُ ماذهبَ إليه د. نصير من اختيارٍ يجدُ تأكيده في الجملة التي ردّدها بوشكين حينما قال واصفاً انبهار نساء البلاط بإبراهيم هانيبال: ((ولدى ظهور إبراهيم صاروا يتهامسون جميعاً: "العربيّ، العربيّ، عربيُّ القيصر")) (6) وهي الجملة التي ترجمتْها المصادر الأجنبيّة بشكل مختلف تماماً، ففي النسخة الفرنسيّة نجد العبارة قد تحوّلت إلى ما يلي: (( à la vue d’Ibrahim, un murmur gènèral s’èleva de leurs rangs:"le nègre, le nègre, le nègre du tsar!")) (7) ، والشأن نفسه في النّسخة الإيطاليّة بحيث تُرجمت كلمةُ "عربيّ" التي اختارها د. نصير بكلمة (Il negro) (8)، والغريب في الأمر أنّ المصطلح المختار في النسختيْن الفرنسيّة والإيطاليّة إنّما رديفهُ في اللّغة العربيّة هو مصطلح (الزنجيّ) وأيضاً (العبد)، وما في كلمة (الحبشيّ) التي اختارها د. فؤاد المرعي سوى نوع ٍمن التّخفيف من الثّقل العنصريّ الموجود في الترجمات الأجنبيّة التي تفرض علينا نوعًا من التّساؤل عن السّبب الّذي جعل من كلمة (arap) التي اختارها بوشكين بلغته الأمّ، تصبح تارة (عربيّ)، وتارة (حبشيّ)، وتارة ثالثة (زنجيّ) أو (عبد)، والواقع أنّ بوشكين نفسه وهو يتحدّثُ في روايته هذه عن جدّه إنّما كان يتحدّث عن النّظرة "الدّونية" التي كان ينظر بها إليه نبلاء المجتمع الأرستقراطيّ الرّوسي على الرّغم من المكانة العظيمة التي كان يحتلّها بينهم والمناصب السّامية التي كان يتمتّع بها ولا أدلّ على ذلك من موقف الفتاة النّبيلة الأصول التي خطبها لهُ القيصر بطرس الأكبر، فهي رفضته رفضاً قاطعاً وحكمت عليه حكماً فيه الكثيرُ من التّمييز العنصريّ من خلال لونه وأصوله الإفريقيّة. وهو الحكم الّذي يجد تأييداً له حتّى في الرّسالة التي كتبها إبراهيم هانيبال بعد عودته من باريس إلى الكونتيسة (دي)، بحيث كان يتحدّثُ هو نفسه بشكل فيه الكثير من الدّونية عن لونه الأسود وأصوله الإفريقيّة. وكلمة (العربيّ) التي اختارها بعضُ مُترجمي هذه الرّواية لا تعني بالضّرورة الرّجوع بجدِّ بوشكين إلى أصول عربيّة وإنّما فيها رجوع بالكلمة إلى أصولها الوسيطيّة حينما كانت مرادفة لمصطلح العبد أيْ (المورو)، وهي الصفة التي عادةً ما كان يُنعتُ بها العرب في الدول الغربيّة بما فيها اسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وكانت صفة لصيقة أيضاً بالأسرى الّذي كانوا يقعون تحت سيطرة تجّار الحروب والقرصنة الوسيطيّة وما إليهما.

    وسواء في رواية (عربيّ القيصر)، أو رواية (الشّاعر المفقود)، وحتى في (ذكريات على شواطئ البحر الأسود)، فإنّ الطّريقة التي ترجَم بها د. نصير الحسيني عمل بوشكين لا تختلفُ كثيراً عن الطّريقة التي يكتب بها رواياته وسردياته، فهو يزاوجُ بين الشّعر والنّثر، ويجمع بين الإفادة من التّجارب الحياتيّة ومحاولة استقاء الحِكَم والعِبَر منها، وهو لهذا معني كثيراً بقضيّة الموت سيّد كلّ أسرار اللّعبة ونهاية الحفلة، الموت الّذي ظهرَ بطريقة عجيبة انتهت بها حياة بوشكين في مبارزة بينه وبين غريمه، والموت الّذي شعر فيه بطل رواية (الشاعر المفقود) بانفصال الرّوح عن الجسد وحدوث الصحوة من الغفوة والذّهاب إلى ذاك الوادي الّذي يجتمع فيه الرّاحل مع أحبّائه لمدّة أربعين يوماً، ينتقل بعدها الجميع إلى بوابة أخرى ومنها إلى وادٍ آخر ولا يبقى في الوادي الأول إلّا أصحاب الأرواح الهائمة.

    وتنتهي رواية نصير بنفس الغموض الّذي انتهت به رواية بوشكين، فلا القارئ عرف هل عاد بطل رواية نصير إلى الحياة أم أنّه ظلّ مجرّد روح هائمة، ولا من أيّة دار يصفُ للمتلقّي تجربته الصّوفية مع الموت أهي دار الفناء أم دار البقاء. ولا أحد عرف لليوم كيف انتهت حكاية إبراهيم هانيبال مع الفتاة التي اختارها له بطرس الأكبر وإن كان من الواضح جدّاً أنّها مجرّد حكاية اختلقها بوشكين من خياله لأنّ جدّه الأكبر لم يتزوّج بابنة نبيل روسيّ بل إبنة تاجر يونانيّ.

    وبقدر ما قد يظهرُ للقارئ أنّ رواية بوشكين فيها احتفاء بالجدّ هانيبال، إنّما هي في الواقع فيها احتفاء واحتفال بروسيا وبُطرس الأكبر الّذي استطاع آنذاك أن يجعلَ من بلده أرضاً تلتقي فيها جميع الإثنيات والثقافات، وتتلاقحُ فيها الألسن والشّعوب، وهي الرّسالة التي تمشي على نهجها لليوم روسيا التي تسعى بكلّ ما اكتسبتْه من خبرات وتجارب سياسيّة عظمى تشجّعها كلّ يوم أكثر فأكثر على فتح آفاق جديدة أمام التّجارب الثقافية والصّناعية والسياسيّة المتميّزة، ولأجل هذا تصبح التّرجمةُ لبوشكين خطوة تسير في هذا الاتّجاه العالميّ، مادام هو نفسُه يمثّلُ الوجهَ المشرق لروسيا ذات التوجّهات العميقة والخُطَط الحضاريّة السّاعية لإرساء مبادئ السّلام والحوار والمثاقفة بين الحضارات والأمم 

    د. أسماء غريب
     04 نيسان 2021
    إيطاليا
     

    الهوامش

    1)               بوشكين، عربيّ القيصر، ترجمة د. نصير الحسيني، دار الفرات للثقافة والإعلام بالاشتراك مع دار سما، العراق، 2021؛

    2)               د. نصير الحسيني، ذكريات على شواطئ البحر الأسود، دار الفرات للثقافة والإعلام، ط2، العراق، 2020؛

    3)               د. نصير الحسيني، الشّاعر المفقود، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2021؛

    4)               ألكسندر بوشكين، الأعمال الروائية، (حبشيُّ بطرس الأكبر)، ترجمة د. فؤاد المرعي، الطبعة العربيّة الأولى، الدّوحة، دار جامعة حمد بن خليفة، 2018، صص 15-59؛

    5)               ألكسندر بوشكين، رحلة إلى أرضروم، ترجمة عبد الله حبه، دار المدى، العراق، ط1، 2016؛

    6)               المصدر نفسه صص 105-106؛

    7)               Alexandre Pouchkine, Le nègre di Pierre le Grand, traduction di Jean-Michel Dermat, Paris; Charpentier, 1964; p: 24.

    8)               Aleksandr Sergeevič Puškin, Il negro di Pietro il Grande, traduzione di Ginzburg Leone, Mandadori, 1963.
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media