لنردم الفجوة بين المجتمع والجامعة
    الأثنين 7 يونيو / حزيران 2021 - 05:32
    أ. د. محمد الدعمي
    كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا
    لم أزل أشعر، على نحو هاجسي، باتساع الفجوة بين مجتمعاتنا العربية والمؤسسات الأكاديمية التي تأسست أصلًا لخدمة هذه المجتمعات. ولعمري، فإن في هذا خللًا خطيرًا لا بُدَّ لهذه المؤسسات التربوية والعلمية التخلُّص منه، كي لا تتهم هي بــ”الأرستقراطية” والتعالي، بل وبالحفاظ على مسافة بينية دائمة تجعل الجمهور يتردد في اللوذ بالجامعات من أجل التقدم، بل وتمنع مؤسسات ودوائر الدولة استثمار من الكوادر الأكاديمية المتخصصة التي دفعت هذه الدوائر نفسها أموالًا سخيَّة على سبيل ابتعاثها للدراسة وتدريبها تدريبًا رفيعًا.
    وإذا كان العديد من الأكاديميين يحاولون، مخلصين، ردم الفجوة الخطيرة أعلاه، فإن للمرء الاعتراف بأن هناك نفرًا منهم ممن يفضل البقاء منفصلًا على أبراج عالية، مختلقًا أشكال المبررات للإبقاء على التباعد السلبي، لفرض الإقامة الجبرية على نفسه بين الصفوف الدراسية والمختبرات والمعتكفات، مجترًّا ما تعلمه وتمرَّس عليه مرة بعد أخرى، على نحوٍ خالٍ من الإبداع وبعيد أيَّما بُعد عن التطوير.
    وإذا كانت هذه اختلالات خطيرة يمكن أن تودي بأحلام ولاة الأمر وبآمال أصحاب الحل والعقد الذين عملوا جاهدين على تأسيس الكليات والجامعات المتنوعة، فإنه يتوجب على الأكاديميين أن يحثوا الخطى ليقطعوا نصف المسافة ما بينهم وبين المجتمع في سبيل إماطة اللثام عن الكنوز المعرفية والفكرية التي يكمن الكثير منهم عليها، والتي يمكن للمجتمع استثمارها، جاذبين الجمهور إليهم وإلى آفاق من خبراتهم ومعارفهم المتخصصة.
    وعلى سبيل ردم هذه الفجوة المخيفة بين الجامعة من ناحية، وبين المجتمع، من الناحية الثانية، ابتكرت بعض الجامعات، بالتعاون وبالتشاور مع بعض الحكومات الحريصة، أدوات وقنوات للتواصل فيما بينهما، إدراكًا من الطرفين بأن خدمة الجامعة للمجتمع لا يمكن أن تبقى "مخنوقة” في ندوة تلفازية أو مقابلة إذاعية تبث من آنٍ لآخر لتذهب أدراج الريح، إذا ما استمع إليها أحد من الجمهور!
    ثمة قنوات تتمكن الدولة ومؤسساتها بواسطتها من الفوز بمعارف الأساتذة والاختصاصيين، بينما يتمكن هؤلاء المختصون من الظفر بالخدمة الوطنية الحقة، بل ومقابل مردودات مادية تستحق العناء والمثابرة.
    للمرء أن يلاحظ هذه الكبوة، ليدعو الكليات والمعاهد العالية ذات الاختصاصات العملية المتواشجة مع الحياة الاجتماعية والعملية إلى تأسيس هيئات مشورة ومكاتب استشارية تقدم للدولة كل ما تحتاج إليه من خبرات وخلاصات عملية لخدمة الوطن. وبينما تضطلع هذه الكليات بهذه المهمة الوطنية، فإن على دوائر الدولة وأذرعها المتنوعة إتاحة فرص تدريب وتعليم الطلبة الجامعيين، كل باختصاصه على نحو عملي، أثناء الإجازات وعبر الأطوال الزمنية الضائعة، أي غير المنتجة. وهكذا، يتم التزاوج والمواءمة بين الطرفين المتناءين عن بعضهما في أغلب دولنا عبر الشرق الأوسط.

    كاتب وباحث أكاديمي عراقي
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media