الكهرباء في العراق - بين الضغط الأمريكي والفساد الداخلي
    السبت 24 يوليو / تموز 2021 - 18:23
    صائب خليل
    سبق ان تكلمنا عن الدور الأمريكي في تحطيم صناعة الكهرباء العراقية، ومنعها المخطط لأي تنمية فيها، وبإجراءات من وراء الستار غالبا، لكن علنا أحيانا، مثلما فعلت حين قامت باختراق معتقل يعتقل فيه وزير الكهرباء الأكثر فسادا، ايهم السامرائي، وقامت بتهريبه الى الخارج، إضافة الى تصريح امام الشهود للقائد العام للقوات متعددة الجنسية في العراق، الجنرال الأمريكي كيسي، حين طلب من المالكي ان ينسى موضوع الكهرباء. وأخيرا تدخل الرئيس ترمب ومنع صفقة للعراق مع شركة سيمنز، كما أعلنت الشركة ذاتها.

    لكن هذا هو الجانب الأول فقط، والسفارة تعتمد لتنفيذ خططها على أدوات داخلية أهمها الاعتماد على العملاء والفساد والجهل، بما يؤمن لها ان لا تحتاج أن تتدخل بشكل مباشر إلا نادرا، وعن هذا الجانب سنتكلم في هذه المقالة.

    تتمثل مأساة الكهرباء في العراق بثلاث ابعاد كارثية: 
    البعد الأول هو مشكلة الجباية. فما يجبى من قيمة الكهرباء لا يعادل 3% من تكاليفه، ولا يمكن حل مشكلة الكهرباء بدون حل هذه المشكلة.
    والبعد الثاني هو مشكلة التوظيف الاعتباطي، وتعيين ما وصل الى اكثر من ربع مليون(!) منتسب بين موظف ومتعاقد، دون حاجة فعلية او تخطيط بالنسبة الى 95% منهم. ففي دراسات الكهرباء في العالم فإن الحاجة هي الى منتسب واحد لكل 2 ميكاواط. وبما اننا نتكلم 22 الف ميكاواط، فإننا نحتاج الى 11 الف موظف فقط، أي الى 4% فقط من عدد المنتسبين الحاليين (280 الف) وبعبارة أخرى فأن عدد المنتسبين للكهرباء يبلغ 25 مرة بقدر من هي بحاجة اليهم! ويمكن للقارئ ان يتخيل حجم الزيادة في كلفة الكهرباء، والتي يفترض ان يتحملها المواطن في النهاية. أكثر من 50% من الموظفين قد تعينوا بطرق الضغط والرشوة وشراء الوظيفة. وازدادت التعيينات بالرشوة خلال وزارتي العبادي وعبد المهدي بشكل كبير، ووصل مبلغ تعيين المتعاقد 8 آلاف دولار. واضافة الى رواتبهم غير المبررة فلهؤلاء تأثيرات سيئة أخرى على عمل الوزارة. فلأن هذا الموظف لا مكان له في الوزارة، فهو يأتي ليوقع ويذهب ويستلم الراتب. ولأنه دفع ثمن الوظيفة مسبقا، فهو يشعر انه جزء من مقاولة وان له الحق باستعادة أمواله ولا حق لأحد عليه بالعمل، فلا يعمل. وحين يراه الموظفون الآخرون، يبدأون هم أيضا بالتململ ورفض العمل. وهؤلاء الراشون والمرتشون يشكلون شبكة قوية من الفاسدين تصبح اقوى من الوزارة والدولة وتثبت نفسها سرطانا متزايد الانتشار لا سبيل لوقفه!

    أما البعد الثالث للمشكلة وهو الذي سنخصص له بقية المقالة، فهو عقود شراء المكائن ومشكلة الوقود وتفاصيلها المتعلقة.
    قامت وزارة الكهرباء في عهد المالكي الأول في 2008، بتوقيع اضخم عقود كهرباء عقدتها شركة جنرال الكترك وسيمنز في حياتها، فاشترى مولدات لتوليد اكثر من عشرة الاف ميكا واط مقسمة بشكل 7000 ميغاواط من جنرال الكتريك الامريكية واكثر من 3000 ميغاواط من سيمنز الألمانية، وسميت الصفقة في وقتها بـ "الصفقة العظمى". إضافة الى ذلك اشترى عشرة مولدات صغيرة مجموع طاقتها 1800 ميغاواط من شركات أخرى.

    الصفقة العظمى كانت بداية مدمرة للكهرباء في العراق. والمشكلة الأولى هي ان عقود تلك المحطات كانت غالية الثمن جدا، رغم انها وقعت اثناء الازمة الاقتصادية العالمية وكانت الشركات مستعدة لتوقيع صفقات بأي ثمن لإنقاذ نفسها. وكان في العقود مواد لا حاجة بها او لا حاجة بها في البداية مثل كمية كبيرة من المواد الاحتياطية. فمثلا تم شراء مواد احتياطية من جنرال الكتريك، اهمها ريشات احتياطية للتوربينات بمبلغ 400 مليون دولار، في الوقت الذي كانت ايران تبيع معملا كاملا لإنتاج تلك الريشات بمبلغ 200 مليون دولار فقط.

    والنقطة الثانية هي ان الشراء تم ولم تكن الوزارة جاهزة لاستقبالها، دع عنك نصبها وتشغيلها. وتركت أجهزة دقيقة ثمينة في الموانئ تحت المطر والغبار لفترة طويلة من الزمن، واضافة الى التلف، وكان على العراق دفع بدل ابقائها في الموانئ.
    النقطة الثالثة هي ان الوزارة صرفت كل ميزانية الكهرباء في شراء المولدات ولم يبق للوزارة اية تخصيصات لنصب المحطات وتشغيلها! ومعروف ان كلفة النصب والتشغيل تكلف بقدر كلفة المولدة نفسها. فكلفة المولدة الواحدة هي 40 مليون دولار، وكلفة النصب والتشغيل والملحقات من محولات وغيرها، 40 مليون أخرى.
    الرابعة هي انك عندما تشتري الأجهزة من جهة وتعطيها لجهة ثانية لنصبها وتشغيلها، فستواجه مشكلة كبيرة ان حصل خلل، حيث من الصعب جدا اثبات مسؤولية أي من الجهتين على الخلل.
    والخامسة المهمة هي ان جميع المحطات كانت غازية، ولا يملك العراق أي انتاج للغاز، ولا حتى خطوط استيراد له!
    هذا إضافة الى الكثير من النصوص السيئة في العقود والتي كلفت الدولة أموالا طائلة، عدا سوء إدارة تنفيذ تلك العقود والذي كلف الدولة مبالغ إضافية كبيرة جدا.
    إن مشكلة الكهرباء تثبت انك ما لم تكن "رصينا" فلا تعتمد على كون التعاقد مع "شركة رصينة".

    مشكلة الوقود
    ان الكلفة الأساسية في انتاج الكهرباء هي الوقود. ووزارة النفط هي من تحدد إمكانية تجهيز أي مشروع بالوقود، وللأسف كان التركيز وما يزال على بيع النفط الخام وزيادته وتسمية ذلك البيع "انتاجا"، لذلك لم نمتلك الغاز. 
    بشكل عام، يتواجد الغاز تحت الأرض بشكلين، الغاز المصاحب، وهو الغاز المصاحب للنفط وهو الذي تراه يحرق، وهناك غاز حر يتواجد في حقول خاصة به. ولم يستثمر العراق في أي منهما. 
    بالنسبة للكهرباء، تصنف المولدات حسب الوقود المستعمل فيها، ومنها المولدات الغازية، وهي النوع الذي تعاقدت عليه الوزارة في فترة المالكي الأولى، رغم عدم انتاج العراق لهذا الغاز، وعدم استيراده له. وكانت حجته لمن يسأله عن السبب، هي أن الشركة اخبرته ان المولدات يمكن ان تشغل على النفط الأسود أو أنواع أخرى من الوقود. لكن ما لم يتم الانتباه له هو أن هذا يخفض الكفاءة بشكل كبير ومكلف. فالمولدة تفقد ثلث انتاجيتها (35%) عند تشغيلها على الوقود البديل. أي اننا بدلا من ان نحصل على 10 الاف ميكاواط، نحصل على 6,5 الف ميكاواط فقط. أي ان مبالغ العقود دفعت من اجل 6,5 الف ميكاواط وليس 10.
    إضافة لذلك، فالاستهلاك الشديد للوقود في المولدات، يجبر الوزارة على استعمال ارخص أنواع الوقود واثقلها وهذا يتسبب في صعوبات كبيرة في التنظيف والصيانة والتلوث. فتحتاج المحطة الى دورات صيانة كبرى وصغرى اضعاف ما تحتاجه المحطة حين تعمل على الغاز! واضافة الى كلفة الصيانة، فأن المحطة تكون متوقفة عن العمل والانتاج خلال فترات الصيانة، وهذا يقلل انتاجيتها الكلية مرة ثانية. وأخيرا هناك مشكلة الفناديوم التي تتطلب إضافة مواد مستوردة من الخارج الى الوقود. كل ذلك يضاف طبعا الى كلفة انتاج الكهرباء.

    حل مشكلة الغاز والعقد الإيراني
    في ولاية المالكي الثانية، فاتحت وزارة الكهرباء وزير النفط حول إمكانية تجهيز الغاز، فكان الجواب انه سوف يستطيع تجهيزه في عام 2017، والحديث عام 2011! 
    ولحسن الحظ، كان الحل في خط غاز إيراني طويل يبدأ من جنوب ايران ليصل الى تركيا (التي كانت تتجاهل العقوبات الامريكية على ايران). ويسير هذا الخط قريبا جدا من الحدود العراقية وعلى طولها، فيمر قرب "نفط خانة" على الحدود، والتي تبعد عن بغداد بحدود 150 كلم. وكانت ايران قد قدمت عرضا للحكومة العراقية عام 2005، بمد تفريع لأنبوب الغاز الى هذه النقطة، وبكلفة 350 مليون دولار، لكن العراق اهمل العرض ولم يدرسه أحد. كان هذا الحل هو الفرصة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وقد تم حساب التكاليف فتبين ان المشروع سيعيد مبالغ تكاليفه خلال 6 أشهر. لكن العرض الإيراني كان عام 2005 وتوجب سؤال المسؤولين في ايران عن السعر الجديد، فتم استضافت السفير الإيراني في الوزارة والذي اكد ان السعر مازال نفسه. 
    حضر وفد إيراني لمناقشة تفاصيل العقد الى وزارة الكهرباء، وبعد الاتفاق طلبت وزارة الكهرباء من الوفد المساعدة بمد توصيلة للأنبوب من بغداد الى "منصورية الجبل" واخبرناهم اننا ننوي إيقاف استيراد الغاز الإيراني بعد خمس سنوات لأن لدينا مشروعا لإنتاج الغاز من منصورية الجبل، وسيبدأ الإنتاج عام 2017، نريد في ذلك التاريخ ان نغلق "كاك" الانبوب القادم من خط ايران وفتح "كاك" الانبوب القادم من منصورية الجبل. وبعد مناقشة طلب الوفد مبلغا رمزيا لتلك الإضافة هو 15 مليون دولار فقط، فتم الاتفاق.
    أما بالنسبة لسعر الغاز، فكان دون السعر العالمي، ووافقت ايران على بيعنا الغاز بالسعر الذي تبيعه لباكستان. وطلبت الوزارة تخفيضا إضافيا باعتبار ان الوزارة لا تأخذ اية جباية على الكهرباء، فوعدوا خيراً. 
    ثم مضت الاحداث وتبدلت الوزارة كما أن مشروع استخراج الغاز العراقي تأخر بسبب داعش وأسباب أخرى.

    الاستثمار في العراق إستحمار حقيقي، الكهرباء مثالا
    تحتاج محطة الكهرباء الغازية الى مبلغ مقارب لقيمة المولدة، من اجل نصب المولدة والأجهزة الملحقة بها. وفي حكومة المالكي الأولى، تم شراء مولدات غازية بكل مخصصات الوزارة دون حساب الحاجة لنصب المحطات، ولذلك تم ترتيب اتفاق استثمار يعطي فيه المستثمر مولدة قيمتها 40 مليون دولار على ان يبدأ المستثمر ايفاء قيمتها بعد خمس سنوات، ويقوم المستثمر باقتراض مبلغ 40 مليون دولار من البنك التجاري العراقي لتغطية نفقات الانشاءات والتشغيل. ويحصل إضافة الى ذلك على الوقود مجانا من الدولة. بعد هذا يقوم المستثمر بإنتاج الكهرباء وبيعها للدولة بسعر معين، على قاعدة (استلم او ادفع – ان تدفع مبلغ الطاقة الكاملة حتى اذا لم تحتاج اليها او لم تستطع استلامها)، وتقوم الوزارة بعدها ببيعها للمواطن. وتبلغ فترة العقد 15 عاما.
    كان هناك مقاولان يتنافسان على العطاء، وكليهما من كردستان. وتوصلت لجنة تقييم الأسعار وتحليل العروض الى ان السعر 3 – 3,4 سنت للكيلوواط ساعة، سعر مقبول. وقدمت إحدى الشركتين بالفعل سعراً هو 3,2 سنت للكيلو واط ساعة. لكن الحسابات البسيطة بينت انه حتى في حالة دفع الوزارة مبلغا اقل، مثلا 3 سنت فقط، تبقى كلفتها على الوزارة، وارباح المستثمر هائلة، خاصة أن المستثمر لا يفعل شيئا في الحقيقة ولا يستثمر شيئا من أمواله. فالدولة تقدم له الوقود مجانا والمولدة يدفعها بالتقسيط المريح من الأرباح وكذلك القرض من البنك التجاري العراقي.
    وبشكل موجز، فإن وزارة الكهرباء ستدفع للمقاول مبلغا يصل في ادنى الأحوال الى 12,5 مليار دولار خلال فترة الـ 15 عاماً مقابل كمية كهرباء لا تستحق نصف المبلغ. إضافة الى اننا سنكون مضطرين لشراء كل الكهرباء المنتج في كل الأوقات بمبدأ (استلم او ادفع)، ولن نكون متحكمين بها. لذلك تم الغاء التعاقد الاستثماري وأبلغ فريق الشركة المفاوض بذلك الأمر. 
    وكبديل لذلك حاولت وزارة الكهرباء الحصول على القرض من البنك التجاري العراقي مباشرة بدلا من المستثمرين، فرفض البنك التجاري ان يقدم القرض، ورفض حتى عمل شركة مشتركة مع وزارة الكهرباء رغم ان أرباحها واضحة جدا. وكان السبب ان قوانين البنك لا تسمح له بإقراض الحكومة او الاشتراك معها وان له ان يقرض المستثمرين فقط!
    ونلاحظ هنا أن قوانين البنك صممت بحيث تضع رقبة الحكومة في قبضة القطاع الخاص والمستثمرين الذين لا يستثمرون شيئا ولا يقدمون أي شيء.
    بعد تبدل الوزراء، تم تمرير كل عقود الاستثمار القديمة واضيفت لها عقودا جديدة ومنها الاستثمار بجباية الكهرباء، وهو الاستثمار المهزلة، حيث إنه حتى موظفي الجباية هم من موظفي وزارة الكهرباء!
    ولأخذ فكرة عن كلفة الاستثمار، نعلم أن ربع الكهرباء الحالية ينتجها الاستثمار، لكنها تكلف وزارة الكهرباء نصف مخصصاتها، ويخصص النصف الأخر لإنتاج الثلاثة ارباع الباقية حكوميا. يعني ان كلفة الوحدة الكهربائية الواحدة المنتجة بالقطاع الخاص (الاستثمار) تكلف ثلاثة اضعاف كلفتها عندما تنتجها وزارة الكهرباء بنفسها كقطاع عام.
    © 2005 - 2021 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media