على انقاض دول بعد تشتيتها تروم اسرائيل أقامة مملكتها‎‎
    الثلاثاء 11 يناير / كانون الثاني 2022 - 21:08
    جسار صالح المفتي
    حركة سياسية ظهرت أواخر القرن التاسع عشر الميلادي داخل التجمعات اليهودية في وسط وشرق أوروبا، وقامت على فكرة إيجاد كيانٍ سياسي (دولة) تنهي حالة التيه التي يعيشها اليهود منذ إخضاعهم من قبل المملكة الآشورية، وفق المعتقدات التلمودية، وتسمح بعودة الشعب اليهودي إلى الوطن أو الأرض الموعودة فلسطين.

    الأسس الأيديولوجية

    قامت الحركة الصهيونية على فكرة أن شتات اليهود عبر العالم نزع عنهم صفة الأمة وحرمهم من إقامة كيان أو كيانات سياسية تضمن لهم التميز من الناحية الاجتماعية وتبعد عنهم خطر الذوبان داخل المجتمعات الأوروبية التي كانوا يعيشون داخلها أقليات تعاني التهميش والاحتقار وتبقى على هامش الحياة السياسية والاقتصادية.

    وترى الصهيونية أن العودة الموعودة لن تتم إلا بجهد يهودي صرف ليس له من ظهير إلا الدعم الإلهي، الذي لم تنكره الصهيونية في بداياتها رغم أنها ستنزع منزعا علمانيا في العقود اللاحقة خاصة بعد قيام إسرائيل.

    وظهرت الصهيونية في سياق أوروبي تميز بنزعة قومية متعاظمة سادت أوروبا في القرن التاسع عشر نتيجة لقيام الدول الوطنية في القرنين السابع عشر والثامن عشر وما رافقها من حروب دموية كان الانتماء القومي الركن الركين للتعبئة من أجلها وقيام كيانات وطنية قومية الهدف السياسي الأساسي لها.

    النشأة

    ارتبطت نشأة الحركة الصهيونية في الأذهان بالكاتب والصحفي السويسري تيودور هرتزل. ورغم الدور المركزي لهرتزل في المشروع الصهيوني، فإن ابتكار كلمة صهيونية يعود للصحفي السويسري ناتان بيرنبون، زميل هرتزل حين ابتكر هذا المصطلح عام 1890. وكان بيرنبون يؤكد أنه يعني النهضة السياسية لليهود بعودتهم الجماعية إلى فلسطين، أو بمعنى آخر إعطاء مضمون سياسي وقومي لليهودية.

    وقبلهما، تبنى مجموعة من الحاخامات القضية اليهودية منذ أواسط القرن التاسع عشر مدفوعين بموجة معاداة السامية التي اجتاحت أوروبا في تلك المرحلة وتواصلت إلى أواسط القرن العشرين.

    ومع ذلك، فإن هيرتزل هو أبو الحركة الصهيونية وصاحب مشروع الدولة اليهودية التي تحدث عنها بإسهاب في كتاب أصدره عام 1896 وحمل عنوان "الدولة اليهودية" بسط فيه أفكارا عملية فعالة سيكون لها إسهامها الكبير في إنجاح المشروع لاحقا. وتمحورت هذه الأفكار حول تهجير اليهود إلى فلسطين، والتعبئة من أجل القضية اليهودية عبر العالم، ثم تجنيد الأوساط اليهودية خلف فكرة الدولة اليهودية التي لم تكن ذات أهمية لدى فئات واسعة من اليهود.

    وتحسب أول خطوة عملية ذات شأن في المشروع الصهيوني لجمعية أسسها الطلبة اليهود بمدينة خاركيف الأوكرانية في 1882 وأطلق عليها جمعية "بيلو"، وحددت الجمعية لنفسها هدفا عمليا بسيط التنفيذ وذا فعالية كبيرة في إنجاز المشروع الصهيوني هو إقامة تجمعات فلاحية لليهود الشرقيين في فلسطين.

    مؤتمر بال

    واكتسبت الحركة الصهيونية اهتماما سياسيا وإعلاميا هاما في أوروبا والعالم مع انعقاد مؤتمرها الأول بين 29 و31 أغسطس/آب 1897 في مدينة بال السويسرية.

    وتوج المؤتمر أعماله بإعلان قيام الحركة الصهيونية العالمية وانتخب لها لجنة تنفيذية اتخذت من فيينا مقرا لها. وتعززت هذه المؤسسات بذراع مالية هي الصندوق اليهودي الذي تأسس بناء على مقررات المؤتمر الخامس عام 1901.

    وبالتزامن مع هذه الخطوة، تواترت موجات هجرات اليهود الشرقيين إلى فلسطين ولاسيما من روسيا بعد الثورة البلشفية الفاشلة عام 1905.

    وبحثا عن سند بين القوى الكبرى يومها، لجأ هيرتزل إلى الدولة العثمانية وفاوضها (بين عامي 1896-1906) على إصدار ميثاق يمنح اليهود الحق في العودة إلى فلسطين، وعرض بالمقابل التدخل لدى القوى الأوروبية لخفض المديونية العثمانية الهائلة.

    لكن المفاوضات لم تصل إلى نتيجة، فقرر هيرتزل التوجه إلى بريطانيا واستطاع الحصول على فرصة عرض إشكال الهجرة (ومنها الهجرة اليهودية) أمام مجلس العموم، وأقام صلات وثيقة مع ساسة بريطانيين بينهم وزير المستعمرات جوزيف تشامبرلين الذي اقترح عليه إقامة تجمع لليهود في العريش أو أوغندا. ورغم فشل هذه المساعي، فإنها شكلت نصرا سياسيا هاما، فقد جسدت اعتراف بريطانيا بأن اليهود أمة لها الحق في السيادة على حيز ترابي خاص بها.

    وكانت خطوات هيرتزل محط انتقاد شديد من الصهيوني الروسي شاييم ويزمان (رئيس إسرائيل بين 1949-1952) الذي رأى أن ما سماه الصهيونية الدبلوماسية غير مجدية، وآثر بدلا عنها ما سماه الطريق الملكي.

    وهكذا، باشر ويزمان اتصالات مكثفة بالمحيط المباشر لملك بريطانيا وأثمر جهده "وعد بلفور" المشؤوم الصادر في الثاني نوفمبر/تشرين الثاني 1917، الذي مهد الطريق لقيام إسرائيل بعد ذلك بثلاثة عقود.

    وبموازاة هذه المكاسب السياسية المتتالية، كانت المنظمات الصهيونية تُنظم الهجرة إلى فلسطين لتدارك التخلف الديمغرافي مقابل الفلسطينيين، لكن الحركة الصهيونية واجهت تحديا آخر هو الرفض داخل المجتمع اليهودي نفسه، إذ كانت فئات واسعة من هذا المجتمع غير مقتنعة بفكرة الدولة، ولم يحدث تحول ذو شأن في هذا المنحى إلا بعد إبادة اليهود على يد النازية في محرقة الحرب العالمية الثانية.

    وعد ثم دولة

    وباركت القوى الاستعمارية (خاصة بريطانيا وفرنسا) قيام وطن لليهود في فلسطين، لكن بريطانيا وهي الوصية على فلسطين كانت تريد أن لا تكون الدولة اليهودية مرادفا لنفي حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم.

    واستطاعت العصابات الصهيونية إعداد نفسها لما بعد مرحلة الوجود البريطاني، ففي عام 1947 مثلا كانت عصابات الهاغانا تتوفر على أربعين ألف عنصر في قوات الجيش والأمن التابعة لسلطات الانتداب.

    وشكل قيام إسرائيل انتصارا لفكرة الدولة اليهودية كما بشر بها هيرتزل، لكن الحركة الصهيونية بدأت تنزع بشكل مضطرد إلى مزيد من العلمانية، كما بدأت تنزع نزعة عنصرية متطرفة تطورت مع توالي السنين من مطلب جمع اليهود في فلسطين إلى إقامة دولة على أنقاض دولة فلسطين ثم طرد العرب منها وإقامة دولة يهودية خالصة.

    فالحركة الصهيونية ومعها إسرائيل تصنف في كثير من أرجاء العالم، حركة ودولة عنصرية ليس لمواقفها من العرب وإنما لتمييزها بين اليهود أنفسهم، ومن أمثلة ذلك تهميش يهود الفلاشا الأحباش ويهود المشرق والمغرب الإسلامي. 

    الدول التي تستهدفها اسرائيل فى سبيل إقامة مملكتها على أنقاض تلك الدول.

    1- الدولة الأولي هي فلسطين والتي سيبنى على أرضها هيكل سليمان وذلك بعد هدم المسجد الأقصى كما يخططون.

    2- الدولة الثانية فهي العراق حيث أنه من أحد شروط بناء الهيكل تدمير بابل وقد حدث ذلك في عام 2003 بعد احتلال العراق والآن يتم السيطرة على الفرات كليا من سوريا الي العراق. فالمستعرض لأهم أسفار التوراة وكذلك التلمود, يدرك تمام الإدراك الطبيعة العقائدية للحرب على العراق.

    3- الدولة الثالثة هي مصر , من أجل الحصول على النيل. وقد ورد في العهد القديم الإصحاح 15/18 "لقد منحت ذرياتكم هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات".

    4- الدولة الرابعة وهي تونس حيث يرتبط تاريخ تونس وفق التفكير التلمودي بعدة أحداث أهمها مسح النبي المقاتل يوشع بن نون في تونس،هو رمز لانتصار اليهود وسيادتهم عسكريا ودينيا.

    5- الدولة الخامسة فهي اليمن وهى تعتبر الدولة العربية الوحيدة التي نشأت فيها مملكة يهودية فعليا، وترتبط ضمن الفكر التوراتي بقصة بلقيس وسليمان المعروفة.

    6- الدولة السادسة هي ليبيا وقد أشارت التفاسير التلمودية الي ضرورة قتل 144 ألف قتيل انتقاما من غزاة مملكة يهوذا.

    7- الدولة السابعة هي لبنان , وهى شمعة المركز في الشمعدان اليهودي كما جاء في سفر يشوع: "من البرية ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات يكون تخمكم".

    8- الدولة الثامنة هي سوريا. وهي من أهم دول الهيكل التي وجب تدميرها وهذا ما جاء في سفر أشعيا. حتي ان هناك نبوءة توراتية بزوال دمشق وتحولها الي كومة ردم.

    9- الدولة التاسعة هي الحجاز.

    10- الدولة العاشرة هي الأردن، ومنها تنطلق طقوس العودة وبناء الهيكل.

    11- الدولة الحادية عشر وهي السودان , حيث يرتبط تقسيم السودان بهدايا الي الرب في جبل صهيون. والترجمات التفسيرية لهذه النصوص تكاد تجمع على أن أرض «كوش» هي أرض السودان ،وأن جنود الرب الجُرْد طوال القامة هم شعب جنوب السودان؛ لذلك توالي المدد المادي والمعنوي خفياً وجلياً لهذا الشعب من قِبَل أمريكا واليهود.

    أيمكن لنا الآن ان ندرك سر قيام الثورات والقلاقل والتقسيم والحروب في تلك البلاد تحديدا؟.

    على ما اعتقد ان الصورة أصبحت واضحة وضوح الشمس... المؤامرة وخيوطها.

    وإيران ليست هدفا لإسرائيل وإنما دعمها للعرب وحركات المقاومة وريادتها لمشروع تحرير فلسطين هو المستهدف، أي أن بلاء ايران و تحملها للعقوبات والعداء العالمي كله من اجل قضايا العرب والمسلمين والتي وللمفارقة يحاربها خونة العرب لأنها كشفت سوأتهم وتتبنى قضايا الأمة وتدافع عنها في وجه مغتصبيها.. !!

    شهد العالم خلال أيار الحالي عدة مظاهرات في دول مختلفة، أقامها متدينون يهود ينددون فيها باحتلال إسرائيل لأراضٍ فلسطينية، وسياسة الفصل العنصري التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

    ومن هؤلاء المتظاهرين من أشار إلى أن إقامة دولة مثل إسرائيل على أراضٍ عربية يعتبر مخالف للعقيدة اليهودية، مستشهدين بأقوال من كتبهم المقدسة، "التي توصيهم بعدم التجمع في مكان واحد وإنما الانتشار في الأرض”.

    تقوم دولة إسرائيل الحالية على الفكر الصهيوني، الذي ظهر لأول مرة في أوروبا أواخر القرن الـ19، وطالب بإقامة دولة لليهود المضطهدين في العالم من أجل جمع شملهم وحمايتهم من الاضطهاد والقتل، اللذين عانى منهما الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية.

    ما الصهيونية؟

    حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق قارة أوروبا في أواخر القرن الـ19، ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين بدعوى أنها أرض الآباء والأجداد.

    وترفض الحركة اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى للتحرر من معاداة السامية والاضطهاد الذي وقع عليهم خلال القرن الـ19، الذي شهد الحرب العالمية الثانية التي قُتل فيها أكثر من ستة ملايين يهودي، بحسب "موسوعة الهولوكوست".

    وارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية الصحفي والكاتب المسرحي اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل، الملقب من قبل اليهود باسم "رؤيا الدولة”، والذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الحديث الذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم.

    وباعتبار أن هرتزل كان يعمل مراسلًا لصحيفة "نويه فراي برس" في باريس، تابع قضية "درايفوس”، وهي فضيحة سياسية قسمت الجمهورية الفرنسية الثالثة من عام 1894، إلى أن تم حلها عام 1906، وكانت حادثة "معاداة السامية” سيئة السمعة في فرنسا، حيث أُدين "زورًا” نقيب يهودي في الجيش الفرنسي بتهمة التجسس لمصلحة ألمانيا.

    وذكر هرتزل في كتابه "في دولة اليهود”، أن قضية "درايفوس” جعلت منه صهيونيًا، وأنه تأثر بشكل خاص بهتافات "الموت لليهود” من الحشود التي تجمعت لمشاهدة إعدام الضابط اليهودي.

    وتعود تسمية "الحركة الصهيونية” إلى أحد ألقاب جبل صهيون في القدس كما ورد في "سفر إشعياء”، أحد مصادر العقيدة اليهودية، وصاغ هذا المصطلح الفيلسوف ناتان بيرنباوم، عام 1890، لوصف حركة "أحباء صهيون”، وأقر التسمية المؤتمر الصهيوني الأول في عام 1897.

    واعتقد هرتزل أنه يجب على اليهود الانسحاب من أوروبا، وأنه لا يمكن التغلب على "معاداة السامية” أو الشفاء منها، بل تجنبها فقط، وأن الطريقة الوحيدة لذلك هي إنشاء دولة يهودية.

    وتهود أسباب معاداة اليهود في أوروبا، إلى رؤية المسيحيين لليهود على وجه الخصوص على أنهم قتلة المسيح، ثم "الشعب الشاهد” (في الرؤية الكاثوليكية)، و”أداة الخلاص” (في الرؤية البروتستانتية).

    المؤتمر الصهيوني الأول.. عدة أوطان متاحة

    في شهر آب من عام عام 1897، حاول هرتزل عقد المؤتمر الصهيوني الأول في ميونيخ الألمانية، إلا أن المعارضة الشديدة من قبل التجمُّع اليهودي في ألمانيا والحاخامية في ميونيخ، حالت دون ذلك، ما اضطره لتأجيل المؤتمر.

    نص المؤتمر على العمل لإقامة وطن قومي لليهود ويكون إما في فلسطين، وإما في الأرجنتين، وإما في أوغندا، وكان هذا المؤتمر يضم كل الجاليات اليهودية، بهدف العمل على تنفيذ هذا المشروع، وكان الأساس في إنشاء ما يعرف ببرنامج "بازل”، بحسب كتاب "حلم صهيون”، للكاتب الأمريكي لورانس جي ابشتاين.

    لكن هرتزل نجح في الترويج لفكرة استعمار فلسطين، وإقامة وطن لليهود، وكان من أهم نتائج برنامج "بازل” إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الصهيوني، الذي ينص على أن "هدف الصهيوني هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام”.

    حُددت الآليات التي ستتبعها المنظمة الصهيونية آنذاك في تنفيذ مشروعها من خلال ثلاثة بنود، وهي تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية، واتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني (إعطاؤه شرعية دولية)، وتشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة ثيودور هرتزل، وتشكيل الجهاز التنفيذي لـ”الوكالة اليهودية” لتنفيذ قرارات المؤتمر.

    واقتصرت مهمة "الوكالة اليهودية” على جمع الأموال في صندوق قومي، لشراء الأراضي وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين، الأمر الذي تحقق على أرض فلسطين عام 1948.

    ما "الساميّة” التي تعاقب القوانين على معاداتها؟

    ينتشر مصطلح "معاداة السامية” في أغلب دول العالم، وتعتبر "معاداة السامية” جريمة يعاقب عليها في كثير من الدول، مثل أوروبا العلمانية، التي لا تحتوي قوانينها على تجريم ازدراء الأديان باستثناء جريمة "معاداة السامية”، فما أصل هذا المصطلح؟

    استُعمل مصطلح "معاداة السامية” لأول مرة من قبل الباحث الألماني فيلهم مار، لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا الوسطى في أواسط القرن الـ19، بحسب أرشيف "الموسوعة البريطانية".

    وجاء مصطلح "السامي” ليشمل العرب، والأكاديين، والكنعانيين، والعبرانيين، وبعض الإثيوبيين، والقبائل الآرامية، بلاد ما بين النهرين، والساحل الغربي من البحر الأبيض المتوسط، و شبه الجزيرة العربية، والقرن الإفريقي، و”السامي” هو عضو في شعب يتحدث مجموعة من اللغات ذات الصلة يفترض أنها مشتقة من لغة مشتركة.

    أحد أهم وأكبر الشعوب السامية في العالم هم المتحدثون باللغة العربية الفصحى كلغة أولى، ويبلغ عددهم أكثر من 200 مليون شخص يعيشون في منطقة واسعة تمتد من ساحل المحيط الأطلسي في شمال إفريقيا إلى غربي إيران.

    إلا أن عقوبة "معاداة السامية” في دول العالم لا تطبّق على معاداة السامية العربية أو الأكادية على سبيل المثال، إنما تطبق بحق من يعادي اليهود فقط.

    ومع تزايد الاضطهاد والاعتداءات على اليهود في روسيا، أواخر القرن التاسع عشر، اندفعت أعداد كبيرة منهم للهجرة باتجاه مناطق وسط وغرب أوروبا، وفي حين حاول البعض الاندماج في المجتمعات الأوروبية، رأى آخرون أنّ اندماج اليهود بأعدادهم الكبيرة في المجتمعات الأوروبية مستحيل، خصوصاً مع ازدياد مستوى معاداة الساميّة، وسعوا بذلك للبحث عن خيار خارج أوروبا، وتأملوا أن يكون لهم بالإمكان تأسيس وطن قومي خاص بهم، ورغم حصر المشروع نهايةً بها، لم تكن فلسطين هي الخيار الوحيد، وإنما تكاثرت الخيارات والاقتراحات، وامتدت من اليابان حتى البرازيل، ونذكر هنا قصة خمسة مشروعات منها:

    الأرجنتين.. قصة مشروع "غير صهيوني"

    أدرك القادة اليهود من الاتجاه المؤمن بضرورة تأسيس دولة يهودية خارج حدود القارة الأوروبية، أنّ المهمة لن تكون سهلة، ولن تأتي دفعة واحدة، وإنما سيكون عليهم قطع الطريق عبر اتباع نموذج الاستعمار بما يتضمنه من هجرة تدريجية منظمة مقترنة بممارسة أنشطة اقتصادية في الأرض الجديدة، وخصوصاً النشاط الزراعي، وبالتالي بات نموذج "الاستعمار الزراعي" هو المعتمد لدى المؤمنين بخيار الدولة اليهوديّة.

    كان اليهود يصلون إلى الأرجنتين في الفترة بين 1906 و1912 بمعدل 13 ألفاً كلّ عام

    وهنا برزت جهود رجل الأعمال اليهودي الألماني، موريس دي هيرش، الذي قام بتأسيس جمعية مخصصة لتلك الغاية باسم "الجمعية اليهودية للاستيطان"، عام 1891، ولم تكن هذه الجمعية صهيونية؛ بمعنى أنّها لم تكن تسعى لهجرة اليهود إلى فلسطين تحديداً، وإنما كانت تسعى لهجرتهم إلى أيّ مكان يتاح لهم استعماره زراعياً عبر إقامة المستوطنات الزراعية.

    تبنّت الجمعية مشاريع عديدة لتوطين اليهود، بما في ذلك مشاريع لإنشاء مستوطنات زراعيّة يهودية في كندا، والولايات المتحدة، وكان من بين أهم المشاريع التي عملت عليها؛ مشروع توطين اليهود في الأرجنتين، وجاء المشروع وفق خطة عمل شملت مفاوضة الحكومة الأرجنتينية، لاستعمار ما يقارب (3.75) مليون هكتار، وكانت الحكومة آنذاك تتبنى سياسة الباب المفتوح لغايات جذب المهاجرين وإعمار البلاد، كما تضمّنت مفاوضة روسيا القيصريّة للسماح بهجرة ثلاثة ملايين يهودي، على امتداد خمسة وعشرين عاماً.

    أُنشئت مستوطنة "موزيز فيل" في إقليم "سانتا في" الزراعي الخصب، شمال البلاد، كأول مستعمرة زراعية يهودية في الأرجنتين، ومن ثم بدأت تتوالى المستوطنات، وعام 1896؛ نشر ثيودور هرتزل كتابه الأشهر "دولة اليهود" واختار الأرجنتين في كتابه لتكون أحد المواقع المقترحة لإقامة الدولة اليهودية، ومع حلول عام 1914 امتدت المستوطنات إلى مقاطعات أخرى بما فيها "بيونس آيرس"، وبحسب موسوعة "المسافر اليهودي" (تحرير المؤرخ آلان تيجاي)؛ فقد كان اليهود يصلون إلى الأرجنتين في الفترة ما بين 1906 و1912، بمعدّل ثلاثة عشر ألفاً في العام، وفي عام 1920 تجاوز عدد اليهود المقيمين في الأرجنتين مئة وخمسين ألفاً.

    ورغم أنّ منظمة غير صهيونيّة هي التي أسّست الاستيطان اليهودي بالأرجنتين إلا أنّ يهود الأرجنتين مالوا تدريجياً بولائهم السياسي والأيديولوجي، منذ العشرينيات، نحو الصهيونيّة، وبالتالي بدؤوا بتقبّل فكرة الهجرة إلى أرض فلسطين، وفي حين بلغ التعداد اليهودي بالأرجنتين ذروته، مع نهاية الأربعينيات، في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ حين وصل لحدود الأربعمئة ألف، بدأ العدد بالتراجع منذ الخمسينيات مع بدء أعداد منهم بالمغادرة باتجاه "دولة إسرائيل" بعد إعلان قيامها، عام 1948، وأثناء فترة حكم الطغمة العسكرية بالأرجنتين، خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تراجعت الأوضاع والاقتصادية بالأرجنتين، وازدادت معدّلات الهجرة بين اليهود من الأرجنتين باتجاه "إسرائيل"، وفي أعقاب الأزمة السياسية والاقتصادية الأرجنتينية خلال الفترة بين 1999–2002، هاجرت أعداد كبيرة من اليهود الأرجنتينيين إلى "إسرائيل"، وتولّت الوكالة اليهودية تنظيم حملة لتشجيع هذه الهجرة، ورغم ذلك؛ تضمّ الأرجنتين، اليوم، أكبر تجمّع من اليهود على مستوى أمريكا اللاتينية، ويبلغ تعدادهم نحو ثلاثمئة ألف.

    مشروع سيناء.. قبله تشمبرلين ورفضه كرومر

    أثناء عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية، عام 1897، والذي عقد على أساس تبني مشروع إيجاد دولة يهودية، طُرحت "سيناء" كأحد المواقع المقترحة لإنشاء الدولة اليهودية المنتظرة، وذلك باعتبار قربها الجغرافي من أرض فلسطين، فيكون الاستقرار بها بمثابة مقدمة للوثوب لها، والتوسّع باتجاهها، خصوصاً مع الصعوبات التي كانت تواجه مسار الاستيطان داخل أراضي الدولة العثمانية آنذاك، وما زاد من اقتناع الصهاينة بالمشروع؛ أنّ مصر كانت واقعة آنذاك تحت الاحتلال الإنجليزي، وكان المنظّر الصهيوني "ديفيز تريتش" قد أعدّ دراسة لهذا المشروع، باعتبار أنّ تصوّره لـ "فلسطين الكبرى" اليهوديّة كان يشمل سيناء وقبرص أيضاً.

    وفي تشرين الأول (أكتوبر) 1902؛ التقى ثيودور هرتزل، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، بوزير المستعمرات البريطاني آنذاك، جوزيف تشمبرلين، وعرض عليه مقترح توطين اليهود في إحدى المستعمرات البريطانية، وبالتحديد في سيناء بمصر، مبيناً له الفائدة التي تعود على المصالح البريطانية إذا تحققت مثل هذه الدولة؛ عبر كسب بريطانيا ولاء عشرة ملايين يهودي، سيكونون رهن إشارة منها، وكانت النتيجة أن اقتنع تشمبرلين بالمشروع؛ وذلك لأنّه يحقق لبريطانيا أهدافاً إستراتيجية، منها: ضمان حماية شرق قناة السويس، وعزل مصر عن الولايات العربية في غرب آسيا، وإضعاف الدولة العثمانية.

    وفي كانون الثاني (يناير) 1903، تمّ تأليف لجنة من الخبراء تكون مهمتها دراسة إمكانيّة استيطان القسم الشمالي من شبه جزيرة سيناء، والبحث في الوسائل والإمكانيات التي تسمح باستعمار ذلك الجزء، بما في ذلك البحث في أفضل الوسائل لريّ الصحراء ودراسة إمكانية ضخّ مياه النيل، وخرجت اللجنة بعد الدراسة بنتائج إيجابية.

    رغم ذلك؛ تعثّرت المفاوضات النهائية مع الحكومة البريطانية في مصر، بقيادة اللورد كرومر، بعد رفضها تقديم الإمدادات المائية من نهر النيل، وذلك بسبب التخوّف من قيام ثورة عارمة في مصر؛ إذ إنّ المشروع في حاجة إلى كميات كبيرة من مياه النيل التي هي بمثابة عصب الحياة للفلاح المصري، إضافة إلى شعور كرومر بأنّ المشروع قد يؤدي إلى خلق متاعب للحكم البريطاني في مصر مع الدولة العثمانية، التي كانت معارضة للمشروع، باعتباره يشكّل تهديداً مباشراً لممتلكاتها في فلسطين والحجاز.

    مشروع أوغندا.. لماذا أحدث شرخاً في المنظمة الصهيونية؟

    وفي إطار السعي لتطبيق برنامج مؤتمر بازل، القاضي بإيجاد دولة لليهود، وبعد فشل مشروع الاستيطان اليهودي في شمال سيناء، أراد وزير المستعمرات البريطاني تشمبرلين، تعويض الحركة الصهيونية، وتقديم مقترح بديل لهم، وعام 1903؛ عرض على هرتزل مقترح استيطان اليهود في بعض أجزاء الإمبراطورية البريطانيّة في شرق أفريقيا، وبالتحديد في منطقتَي؛ كينيا وأوغندا، وكان لبريطانيا مصالح متعددة من وراء مثل هذا المشروع؛ فقد كان هناك تزايد في النشاط الاستعماري، الألماني والإيطالي، في منطقة شرق أفريقيا، فسعى البريطانيون إلى تعزيز مستعمراتهم عبر استقطاب المزارعين اليهود ورأس المال اليهودي إليها.

    لم يتقبل تيار صهاينة صهيون مشروع أوغندا ووجهوا إنذاراً نهائياً إلى هرتزل بالتخلي عنه

    وعندما انتقل المشروع إلى النقاش في أروقة المنظمة الصهيونية، وعُرض على المجتمعين، في المؤتمر الصهيوني السادس، حدث انقسام حادّ إزاءه، بين أنصار هرتزل والمشروع من جهة، والصهاينة المتمسكين باستيطان فلسطين من جهة أخرى، إلى أن طُرح حلّ وسط يقضي باعتماد مشروع أوغندا كمشروع مؤقت إلى حين الانتقال إلى المشروع النهائي في فلسطين، لكن حتى هذا الحلّ لم يتقبله التيار المعارض فخرجوا من قاعة المؤتمر ووجهوا إنذاراً نهائياً إلى هرتزل بالتخلي عن مشروع أوغندا، بل أطلق أحد الشباب المعارضين النار داخل المؤتمر باتجاه الزعيم الصهيوني، ماكس نوردو، الذي كان مؤيداً للمشروع، لكنّه أخطأه، بعد ذلك بعام واحد سحبت الحكومة البريطانية عرضها، ومات تيودور هرتزل، فانتهى أمر المشروع.

    اقرأ أيضاً: كيف أقام الانتداب البريطاني وطناً قومياً لليهود في فلسطين؟

    وإثر الانقسام حول هذا المشروع حصل الانقسام والتباين إلى تيارين داخل المنظمة الصهيونية: الأول الداعم للمشروع، والذي ستنشأ عنه لاحقاً "المنظمة الإقليمية اليهودية"، التي سعت لإيجاد وطن قومي لليهود في أيّة بقعة على الأرض، وعدم حصر الخيارات في فلسطين، والثاني الذي عرف بـ "صهاينة صهيون"، وهم المتمسكون بالخيار الفلسطيني حصراً.

    خطة للاستيطان في ليبيا.. رفضها الطليان وقبل بها العثمانيون

    وفي الفترة ذاتها تقريباً، وفي إطار المساعي الدؤوبة لإقامة دولة يهودية، قدم هرتزل مقترحاً إلى فيكتور إيمانويل الثالث، ملك إيطاليا، لتوطين اليهود في طرابلس الغرب، وتأسيس حكم ذاتي يهودي بإشراف إيطالي، وكان هرتزل على علم بما لدى إيطاليا من طموحات استعمارية فأراد أن يوظّفها، لكن الملك تحفّظ على المشروع خوفاً من معارضة فرنسا وبريطانيا صاحبتا الأطماع الواسعة في البحر الأبيض المتوسط.

    وفي عام 1906، وبعد وفاة هرتزل بعامَين؛ جدّدت الحركة الصهيونية طلبها لاستيطان ليبيا، ولكنّها هذه المرة اتجهت به إلى السلطات العثمانية، والتي كانت آنذاك مرحّبة مبدئياً بفكرة إنشاء وطن يهودي في ولاية بُرقة (شرق ليبيا)، وذلك بغرض منع إيطاليا من التدخل في ليبيا، ولاقت الخطة تشجيعاً من بريطانيا، التي وجدت فيها فرصة كذلك لتحقيق الغرض ذاته.

    اقرأ أيضاً: هل يكرّر يهود إثيوبيا في إسرائيل تجربة جنوب إفريقيا للتخلّص من العنصرية؟

    وبهدف دراسة المشروع والتحقق من مدى إمكانية تحقيقه على الأرض، توجه ناحوم سلاوش، أستاذ الأدب العبري في جامعة السوربون، والخبير في شؤون يهود شمال أفريقيا، إلى ليبيا، وأمضى فيها مدة عامَين، وخلص إلى تقديم تقرير إيجابي تلقّفته "المنظمة الإقليمية اليهودية"، وأرسلت إثره بعثة تضمّ خبراء في الزراعة والهندسة لتقديم دراسة أخرى، لكنّ التقرير الذي أصدرته البعثة تضمّن نتائج جاءت مخيبة للآمال، وبالتحديد فيما يتعلق بعدم توافر مياه جوفية في بُرقة، رغم ذلك لم تيأس المنظمة من المشروع تماماً، لكنّ وفاة رجب باشا، والي برقة المرحِّب بالمشروع، ومن ثم غزو إيطاليا لليبيا، عام 1911، أدّى إلى وأد المشروع.

    مدغشقر.. خطة نازيّة للخلاص من اليهود!

    خلال الثلاثينيات، ومع تصاعد الاضطهاد النازي لليهود في ألمانيا؛ برز التفكير لدى الحكومتين؛ الفرنسية والبولندية، بضرورة تعجيل إيجاد حلّ لليهود في أوروبا، وعام 1937؛ فوّضت الحكومة الفرنسية فريق عمل لدراسة إمكانية توطين يهود بولنديين في جزيرة مدغشقر التي كانت خاضعة منذ عام 1896 للاستعمار الفرنسي.

    وفي عام 1940 احتلّ النازيون الألمان فرنسا، وبالتالي أصبحت مستعمراتها خاضعة لهم، وفي ذلك الوقت كان فرانز راديماخر، رئيس القسم اليهودي بوزارة الخارجية الألمانية، قد أعلن أنّ الحلّ الوحيد البديل عن إبادة اليهود هو إبعادهم خارج أوروبا، وبعد استسلام فرنسا أوصى مباشرة بأن تكون مدغشقر هي وجهة اليهود،  بدلاً من فلسطين، التي كانت آنذاك تحت السيطرة البريطانية، وقدّم راديماخر تصوّرات تفصيليّة للخطة، شملت مقترح تأسيس بنك أوروبي، يتم تمويله عبر تصفية جميع الأصول اليهودية، ويتولى دفع تكاليف الخطة، ثم يقوم بدور وسيط بين مدغشقر اليهودية وبقية العالم.

    أما عن عملية الإخلاء والترحيل التي تتطلب أعداداً كبيرة من السفن، فكان المتوقع أن تتم عبر السفن البريطانية بعد نجاح غزو بريطانيا في عملية "أسد البحر"، لكنّ اندلاع عملية "بارباروسا"، في حزيران (يونيو) عام 1941، وبدء غزو دول المحور للاتحاد السوفييتي، أدّى إلى التوقف عن غزو بريطانيا وتأجيله، وبالتالي تمّ إيقاف خطة مدغشقر، واستؤنفت إقامة الجيتوهات في وارسو ومدن أخرى، وتمّت أرشفة الخطة رسمياً في وزارة الخارجية، في شباط (فبراير) 1942، وفي العام ذاته تمكّنت القوات البريطانية من السيطرة على الجزيرة وانتزاعها من حكم النازيين، وبالتالي كان مصير الخطة الانتهاء بشكل تام.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media