الملوك على دين شعوبهم
    السبت 29 يناير / كانون الثاني 2022 - 07:00
    عبد الله عطية شناوة
    من الفرضيات الراسخة في مجتمعات العالم الثالث، والعربية منها على وجه خاص، أن المجتمع يتشكل على الصورة التي تريدها السلطة: ((الناس على دين ملوكهم)).

    ويتبنى هذه الفرضية كلا من السلطة والمعارضة في هذه المجتمعات، الأولى بهدف تكريس دورها كمالكة قرار لا ينازع، وتكريس صورتها في الذهنية العامة، آمرة ناهية مقررة، قادرة على صنع الحياة بما فيها من أفكار وعلاقات ومفاهيم وقيم على الصورة التي تريد، ولا راد لإرادتها. أما المعارضة فترمي من تكريس هذه الفرضية إلى إلصاق كل العيوب والمثالب والفساد في الأفكار والعلاقات الأجتماعية بالسلطة، والأيحاء بأن كل شيء سيتغير بمجرد حلولها محل الحكام في السلطة.

    ولا يجد المواطن البسيط بدا من قبول هذه الفرضية التي تضعه أمام خيارات: الألتحاق بخدمة السلطة أو العمل ضدها، أو تجنب صراع "الأقوياء" والحياة وفق ما هو سائد.

    غير أن هذه الفرضية تغفل العلاقة الجدلية بين المجتمعات والسلطة في مجال التأثير المتبادل، أي تأثير وتأثر كلا الجانبين ـ المجتمع والسلطة ـ ببعضهما وفي بعضهما، لا بل تغفل حقيقة أن التأثير الأكبر هو للمجتمع وليس للسلطة مهما توفرت لها من امكانيات. فالتجمع البشري موجود قبل وأثناء وبعد السلطة المتغيرة. والفرد الفاعل في السلطة ـ أية سلطة ـ ينشأ متأثرا شاء أم أبى بثقافة عامة، تنمي في شخصيته وقيمه وبنائه النفسي وميوله، بعض الجوانب وتضعف أخرى، وهي تجد أنعكاسها في كيفية استخدامه للسلطة في أدارته للمجتمع.

    وبدوره يتفاعل المجتمع مع نشاط مالك السلطة فينسجم معه أو مع بعض جوانب نشاطة المتوافقة مع الثقافة العامة والموروث الفكري والقيمي والديني، ويغترب عنه أن كان سلوكه غريبا عما هو مألوف. غير أن ذلك ليس موقفا ثابتا لا يتغير فمع مرور الوقت، ونشوء مصالح جديدة مع صاحب السلطة يعيد المجتمع تطوير قيمه وأنماط العلاقات بين أفراده، سلبا أو أيجابا، أرتباطا بالظروف التي يمر بها. لتصبح بدورها عاملا مؤثرا في وعي الفرد وسلوكه سواء كان ناشطا أو خاملا، حاكما أو محكوما.

    وهنا يمكن الإفتراض ان فشل مجتمعات التخلف في تنمية قدراتها المادية والبشرية وإنغمار الأوساط الفاعلة فيها بالاحتراب الداخلي والصراع على المغانم، يتصل بمستوى الوعي العام والمنظومة القيمية والأخلاقية التي طوّرت خلال حقب زمنية مختلفة ومديدة، ربما أكثر من صلته بدور النخب المتنفذة في السلطة، التي تحمل هي بدورها ذات الوعي المتدني ومنظومة القيم المنحطة، مما يغريها بنهب المجتمع، الذي تجد بين أوساطه شرائح صالحة للتجنيد في عمليات الفساد، وتشتري تلك الشرائح بدورها عناصر مقربة منها وتعمل على الأيقاع بأخرى لتورطها في قبول الفساد، والإنغمار فيه، أو غض النظر عنه مقابل بعض الفتات. وهكذا تتعاظم كرة الثلج لوجود بذور قبول الفساد في القيم والثقافة الموروثة.

    وعلى ذلك فان تعبير الدولة الفاشلة الذي يطلق على بعض البلدان، ومنها بلداننا العربية، لا يعرض حقيقة الحال، والتعبير الأقرب إلى الدقة هو: المجتمع المتعثر. ليس بالمعنى الإقتصادي فقط بل كذلك بالمعنى الحضاري والقيمي.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media