لماذا تعثر على العرب إقامة أنظمة ديمقراطية؟
    الأربعاء 23 فبراير / شباط 2022 - 13:59
    أ. د. عبد علي سفيح
    مستشار وباحث لوزارة التربية والتعليم الفرنسية
    الإجابة على هذا السؤال يطول الإجتهاد والشرح والتفصيل فيه، إلا أني رغبت أن أجيب على هذا السؤال من زاوية بعيدة عن مجال الرؤي ة المعتادين عليها.

    جوهر الفكرة التي ارغب نقلها هي: أن العرب والمسلمين بدأوا في ثورة وصراع ثقافي بين التيارات بدل الإصلاح السياسي والاجتماعي.

    هناك خطان متوازيان لا يلتقيان يهدفان الوصول إلى الحداثة  في منطقة الشرق الأوسط وهما، الأول الخط العلماني، والثاني الخط الإسلامي.
    العلمانيون وعلى رأسهم القوميون، يعتقدون بأن الحداثة تأتي من الخارج. ولهذا يستوجب تهيئة مساحة حوار الحاضر مع المستقبل.

    اما الإسلاميون، يعتقدون بأن الحداثة تأتي من الداخل. أي من داخل التأريخ الإسلامي. ولهذا يستوجب إيجاد مساحة حوار الحاضر مع الماضي.
    الخطان يدعوان إلى الجهاد لبناء المدينة الفاضلة، إلا أنهما وقعوا في فتنة لأن أحدهما يلغي الآخر.

    الخطان لهم أتباع. العلماني أتباعه من المتفائلين، أي يجدوا الحاضر والمستقبل هو أفضل بكثير من الماضي الذي كان يسوده الفقر والجهل والاستعباد والظلم. 

    اما الإسلامي، فأتباعه من المتشائمين، يهيمن على تفكيرهم بأن الماضي أفضل وأجمل وأكثر تسامحا وعدلا.

    يندر وجود خط ثالث جمع بين الاثنين، فخط نحو المستقبل والآخر نحو الماضي والاثنان تركوا واقع الحاضر وذهبوا إلى الحلم والخيال. 
    في العراق ظهرت شخصية نادرة وهو رئيس جمهورية العراق عبد الرحمن عارف في أواخر ستينيات القرن الماضي، صالح هذا الرجل بين الخطين العلماني والاسلامي، وهو يعتبر أول رئيس عراقي يزور فرنسا ويلتقي بالرئيس شارل ديغول، وأول رئيس عراقي يزور إيران ويلتقي بالشاه محمد رضا بهلوي.

    كذلك في إيران ظهرت شخصية المفكر علي شريعتي، الذي صالح بين الخطين،فكان وطنيا قوميا جاهدا في الإصلاح الديني.

    الإسلام السياسي الحديث في الشرق الأوسط لم يلد مشروع او ثورة فلسفية تنويرية، ولا ثورة اجتماعية أو سياسية يلد من رحمها برلمانا يمثل أطياف المجتمع، ودستورا يمثل عقدا اجتماعيا، بل كان الإسلام الحديث بشقيه الشيعي والسني بدأت معركته ومواجهته ضد الحركات والتوجهات العلمانية، في المجال الثقافي قبل السياسي والاجتماعي. وتشهد على ذلك مؤلفات سيد قطب منها، نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر، وكتاب معركة الإسلام والرأسمالية، وكتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام. اما في العراق، اتبع السيد محمد باقر الصدر نفس الإتجاه وهو الصراع الثقافي في مؤلفاته مثل فلسفتنا واقتصادنا.

    الإسلام الحديث في الشرق الأوسط الذي مثله حسن البنا وسيد قطب وحزب إخوان المسلمين وحزب الدعوة الإسلامي، كان يمثل قوة سياسية في مواجهة القوى العلمانية الذي على رأسها عبد الناصر في مصر، وحزب البعث في سوريا والعراق. سيد قطب وابو الأعلى المودودي في الهند لا يؤمنون بالصراع السياسي، بينما الإمام الخميني في إيران كان يؤمن بالصراع السياسي ولهذا أقام أول ديمقراطية إسلامية في العصر الحديث.

    أتبع معظم ملوك ورؤساء العرب التيار العلماني القومي حيث أرادوا أن يتركوا بصماتهم على الدولة الوطنية القومية الحديثة. هذه الدولة ألغت الماضي بشقيه الإسلامي والاستعماري وتصالحت مع القومية. إلا أنهم اتخذوا اتجاهين متعاكسين، احداهما جمهوري ثوري، شمولي مركزي أخذا النموذج الروسي الشيوعي الاشتراكي في نظام الحكم لا حبا بالاشتراكية ولا بالشيوعية، بل لانه نظام شمولي يقمع الحريات. اما الآخر ملكي او عائلي، أخذا النظام الليبرالي الغربي نموذجا، لا حبا بالديمقراطية بل حبا والهيمنة على رأس المال والسلطة.

    ولدت الحرب الباردة بين النظامين( الجمهوري والملكي)، وبفضل القضية الفلسطينية لم تتحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة بين العرب، ولهذا لم يكن العرب جادون في حل القضية الفلسطينية.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media