لماذا انسحب مقتدى؟ الجزء 2
    الأثنين 20 يونيو / حزيران 2022 - 08:25
    صائب خليل
    ملخص ما ذكرت في الجزء الأول:
    1- أن هذه "تحليلات" لما يتوفر من معلومات ولا تستند الى معلومات وصلتني بشكل خاص
    2- لا يجب تفسير كل تصرف غريب، انه "الغباء"، فهذا يعمينا عن اكتشاف الحقائق الثمينة المخفية التي تكشفها التصرفات "الغريبة"
    3- تفسيري للاستقالة الغريبة وغير المقنعة، يستند إلى اعتقادي بأن مقتدى يتلقى أوامره من السفارة
    4- وانتهينا بذكر أن مواقف الإطاريين كانت "غريبة" أيضا، فقد وقفوا ضد أهدافهم المعلنة وضد جمهورهم بموافقتهم على القانونين: قانون التطبيع وقانون النهب الغذائي، وتحتاج الى تفسير. 
    والآن نكمل المقال بحثا عن "سيناريو" يفسر لنا مواقف الطرفين الغريبة.

    لقد تحقق للسفارة الكثير حتى الآن. فقد تقدمت خطتها في تدمير البلد خطوتين كبيرتين حتى الآن، تمثلتا بإصدار "عفو عام عمن طبع مع إسرائيل حتى الآن" وفتح باب الاختراق الإسرائيلي والتجنيد لها واسعا، من خلال القانون المسمى تمويها "قانون حظر التطبيع". كذلك تم تحويل فائض أسعار النفط إلى جيوب الفاسدين والعملاء، واشترت الحكومة كمية أخرى كبيرة من سندات قروض الخزانة الامريكية رغم انها مازالت تقترض من الآخرين، وبذلك منع استخدام الفائض المالي لأي شيء مفيد في بناء البلد. 
    لكن حصولها على هذين المكسبين لا يفسر اقدامها على سحب مقتدى بعد ذلك، فهي خطوة لا يبدو لها منها إلا الخسائر المجانية. فقد كان الجو متوترا وكان العراق مشلولا، وهي الجنة التي تحلم بها السفارة. فهو يحقق لها ظرفا من الفوضى والضياع يساعد كثيرا على تمرير الخطوات التالية في تدمير شعب يشعر باليأس والضعف وبالتالي الاستعداد الأكبر للاستسلام لإرادتها في نهبه وتطبيعه، كما انها الأنسب لإثارة "التظاهرات" التي تعجل بتمرير خططها وإزالة ما بقي من عقبات، والتي اكتسبت السفارة خبرة ممتازة فيها في تشرين 2019 وما بعدها.

    إن تقديم الصدريين للقانونين خدمة للسفارة ليس غريبا في نظرية تبعية مقتدى لها، لكن كيف نفسر اشتراك الإطار بالجريمة والاحتفال بها وسط دهشة وخيبة وغضب جمهوره وجمهور "المقاومة" بشكل خاص؟ والصدمة والدهشة هنا، ان أي من القانونين لا يبدو مفيدا بأي شكل للإطار وأهدافه المعلنة، بل وضعه في موقف حرج جدا أمام جمهوره. أما قانون الأمن الغذائي فقد كان الفضيحة الأوضح (وإن لم تكن الأشد تدميراً) بالنسبة لجمهور الإطار والتي تسببت بغضب شديد، لم يتجرأ احد على البدء بتبرير القرار، إلا بعد ان هدأت فورة الجمهور. والسؤال المدهش هنا: لماذا وافق الإطاريون على هذين القانونين؟ انها قرارات تبدو وكأنها تنازلات "مجانية" عن تأييد جمهورهم.

    هذا يذكرنا بصدمة ودهشة مماثلة حدثت لنا وقت ترشيح عميل السفارة الكاظمي وتصويت معظم كتل الإطار (إضافة الى الصدريين) له. فوافق العامري على تعيين مهرب الأرشيف العراقي الى اميركا رئيسا للحكومة، وهو الذي وعد جمهوره بإسقاط اية حكومة تفرضها اميركا على العراق خلال ستة أشهر! وبدلا من الغضب منه، سارع محبوه، (وفق العادة الكارثية في العراق) الى الدفاع عنه وإيجاد الحجج التي لم يدافع بها حتى هو عن نفسه. وانه تم الضغط عليه وانه خشي على العراق من التظاهرات الخ، إلى ان صرح بنفسه بأن الكاظمي صديقه وانه صادق وطيب! وبالتالي لم يبق من تفسيرات "الضغط" و "الاضطرار" التي دافع بها محبي العامري عنه، أي مصداقية. ولم يعد هناك من تفسير سوى خيانته مع مجموعته لوعودهم لجماهيرهم! 
    الآن نواجه نفس الشخوص ونفس الأدوار، ونفاجأ بنفس الصدمات والدهشة! وبالتالي يمكننا ان نستفيد منها باعتبارها تجربة مكررة، وان خيانة كتل الإطار لوعودها لجماهيرها ليست غريبة عنها، خاصة مع انتشار بناء القادة للقصور في وضع البلد الصعب.

    إذن بدأت المكاسب تتوازن بين لاعبي الأدوار، وما بدا لنا في البداية انها تنازلات "مجانية" غريبة، صارت تنازلات متقابلة، واقتربنا من إعطاء تفسيرات معقولة لما يجري: المكاسب التي يحققها الإطار من سيناريو انسحاب مقتدى واضحة جدا، والمكاسب التي حققتها السفارة واضحة مقابلها. لكن ما الذي حصل مقتدى عليه مقابل دوره الكبير؟ وهل يعقل ان تتخلى السفارة عن مقتدى نهائيا مقابل القانونين، وهي محتاجة له وقادرة على الاستفادة منه في تنفيذ قانونيها وتنفيذ بقية خططها؟ 
    فكما يبدو، ان الأمر ليس مجرد انسحاب من العملية السياسية كبرلمان ونواب، بل هو اشبه بالوداع الى اجل غير مسمى. فمقتدى قال لنوابه "انتم تعلمون انها جلسة وداعية".. واوصاهم وصية من لن يتصل بهم لفترة طويلة، واخبرهم بطريقة غير مباشرة للاتصال به!
    فكيف اقنعه الامريكان بالانسحاب الكامل هذا؟

    تصوري لما سيكون، وسيفسر ما يبدو تخليا للأمريكان عن الصدر من جهة وخروجه من المولد بلا حمص، هو إنهم لن يتخلوا عنه. بل يرسمون ان يرفعونه من خلال "اختفائه"، الى مرتبة تشبه النبي! ووجوده بين الناس لا يخدم هذا الهدف، بل يعرقله كثيرا خاصة مع كثرة نزواته وانفعالاته والخلل المفضوح في منطقه. إن اختفاءه يساعد الإعلام على توجيه اتباعه واقناعهم بقدسيته، واستخدام خيالهم، وهو امر معروف ومكرر في التاريخ. 
    أين سيختفي مقتدى؟ لا احد يعلم، لكن ان صح التقدير، فلا شك ان السفارة ستسعى الى الاستفادة القصوى من تلك "الغيبة"، لتدريبه على دوره بشكل افضل، سواء في العراق او خارجه، وإن صح توقعي فسنلاحظ تكاثر الإعلام الذي سيضفي عليه القداسة بوقاحة اكبر مما حدث حتى الآن. ليعود اكثر قوة وسطوة وأداة شديدة الفعالية بيد السفارة وإسرائيل لإخضاع هذا الشعب العنيد وتطبيعه وجعله ضمن المعسكر الصهيوني.

    هل هذا كل شيء؟
    لا اعتقد! بل أتصور ان هناك بنود مستقبلية للاتفاق، رغم انه اتفاق تطبيعي خياني كبير بحد ذاته. لكن الاتفاق السابق على تنصيب الكاظمي كان أيضا خيانيا وصادما بامتياز، لنكتشف فيما بعد انه أسوأ مما عرض لنا. فلم يتفق الجماعة على تنصيب العميل الذي فرضته السفارة بالتهديد، بل اتفقوا معها على اطلاق يده بكل حرية في البلاد وبدون أن يقدم أي نائب أي اعتراض على أي اتفاق يعقده او إجراء يتخذه! لكنهم سمحوا لمن يريد من النواب ان يعلن اعتراضه الشخصي غير الرسمي في مجلس النواب او خارجه. وهكذا سمعنا مثلا بمجندين من الإمارات لإدارة الامن الوطني!! دون أي اجراء برلماني!!
    وبالتالي علينا ان لا نستبعد وجود اتفاقات أخرى بين قيادات الإطار والسفارة ولن تقتصر على التصويت على قانون التطبيع وقانون النهب، بل ستمتد الى اتفاق حول انتخاب رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، وعدم عرقلة تنفيذ القانونين، وكذلك اية قوانين أخرى قادمة وان يثبتوا انهم سيسمحون بالزيارات الدينية وسيدافعون عنها، وأيضا كما فعلوا سابقا، لن يعترضوا على اية سرقة ضمن قانون النهب الغذائي، واتوقع ان يكون تمرير أنبوب النفط البصرة-ايلات ضمن الاتفاق، خاصة وقد صرح مسؤولون اردنيون بأن المشروع سائر في طريقه، وبعد زيارات عمار الحكيم وغيره الى الأردن وتأكيده على مشروع الأنبوب للملك.. 
    تفاصيل أخرى تؤكد هذا التحليل، دون ان تثبته. منها مقابلة العامري لبلاسخارت قبيل اعلان مقتدى انسحابه. ووقتها لم يعلنوا لنا سوى أن العامري اخبرها بضرورة ضمان "حقوق المكون الأكبر"! وكأن بلاسخارت جاءت لتسمع هذه الجملة وتعود!

    كما قلت في البداية انها تحليلات، والزمن كفيل بتبيان صحتها او خطأها. واهم دليل على ذلك سيكون طريقة تصرف الحكومة القادمة ومدى ما تتغاضى عنه وما تنفذه، خاصة في الاقتراب من التطبيع. 
    وقد وضعت هنا "قائمة قياس" للتمييز بين الخيانة والوطنية، من إجراءات سيتخذها الإطار، خاصة وقد اصبح القوة المسيطرة في البلاد. اننا لن نطالب تحقيق كل هذه المطالب رغم انها جميعا أساسية لأية سيادة على البلد، ورغم انها جميعا ليست سوى إعادة اعتبار لبلد وشعب قام هؤلاء الساسة بالذات بتحطيم كرامته. فإن لم نر اكثر هذه النقاط قد تحققت، فمن حقنا ان نعتبر ان الجميع متآمر مع السفارة ضد شعبه! وان الإطار يحكمه اغلبية عملاء والباقين خاضعين موافقين معهم!
    المقاييس:
    1- التصويت على تعديل لقانون التطبيع والغاؤه او على الأقل الغاء فقرة السماح بالزيارات الدينية
    2- إيقاف العمل بالأمن الغذائي، ومراجعة ضرورة كل نقطة من نقاطه
    3- تحديد زمني لخروج القوات الامريكية بأقرب وقت ممكن
    4- اصدار قرار صريح بإلغاء أنبوب البصرة – ايلات
    5- وقف المناورات العسكرية مع السعودية واي تعاون عسكري أو امني معها او الإمارات مستقبلا
    6- تنفيذ قرار المحكمة بشأن وقف ابتزاز كردستان النفطي المستمر منذ الاحتلال
    7- تنظيف الأمن الوطني من الإسرائيليين الاماراتيين 
    8- الغاء عقد الشركة السعودية لكامرات مراقبة الشوارع 
    9- تنفيذ احكام المحكومين بالإعدام بدءا بالانتحارين الأجانب
    10- مراجعة قرارات حكومة السفارة العدوة على العراق وإلغاء ما يتبين ضرره او خطره على العراق



    الجزء الأول من المقالة 

    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media