من وحي أرض الطفوف / 5
    الثلاثاء 13 سبتمبر / أيلول 2022 - 19:41
    عبود مزهر الكرخي
    موضوع الشبهة
    وهذا موضوع كثر فيه الحديث واللغط وفيه من التناقضات الأمر الكثير وسوف نعرج عليه لارتباطه بالبحث الذي نحن بصدده.
    حيث يدعي العديد من الكتاب والمفكرين والعلماء ، وبالأخص من أهل السنة والجماعة بادعاءات هي غير واقعية ومشبوهة ولا رواية بعض الوقائع التي لا يوجد عليها أي سند مادي قوي ومنها ما سنقوم بسرده وهو الشبهة بين ما قام به  الأمام الحسن والأمام الحسين(عليهما السلام) ، وهي روايات ضعيفة ورواتها حتى من المشكوك فيها.
    حيث عندما يقرأ الإنسان سيرة الإمامين الحسنين (ع) قراءة سطحيّة خاليّة من التأمّل والتدبّر، خالية من الوعي والتفكّر، قد يتصوّر أنّ هناك تناقضاً بين السيرتين أو لا أقل هناك اختلاف كبير بين السيرتين، فأحدهما يصالح ولا يحارب، والآخر يحارب ولا يصالح، ومن هنا تكثر الأسئلة والإشكالات حول صلح الإمام الحسن (ع) وثورة الإمام الحسين (ع)، ويستشكل المستشكل ويقول: لماذا صالح الحسنُ (ع) معاويةَ وحارب الحسينُ (ع) يزيدَ؟ ولماذا لم يُحارب الحسنُ (ع) معاويةَ ويصالح الحسينُ (ع) يزيدَ؟ ولماذا لم يصالح الأثنان أو يحارب الأثنان؟
    وقد قام الحسن « رضي الله عنه » ـ رغم كثرة أنصاره ـ بالتنازل عن الخلافة لمعاوية « رضي الله عنه » ، بينما قام أخوه الحسين « رضي الله عنه » ـ مع قلة أنصاره ـ بمنازعة يزيد بن معاوية والخروج عليه . وكلاهما ـ أي الحسن والحسين ـ إمام معصوم عند الشيعة ! ، فإن كان فعل الحسن حقاً وصواباً بالتنازل مع وجود الأنصار ، ففعل الحسين باطل بالخروج دون أنصار . والعكس صحيح ! بل إنهم صرّحوا بتكفير بعض أعيان أهل البيت ! كالعباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ادعوا أنه نزل فيه قوله تعالى { وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً } !(1) ، وكابنه ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ، فقد جاء في الكافي ما يتضمن تكفيره وأنه جاهل سخيف العقل ! (2). وفي رجال الكشي : « اللهم العن ابني فلان وأعم أبصارهما ، كما عميت قلوبهما . . » ! (3)
    وعلق على هذا شيخهم حسن المصطفوي فقال : « هما عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس » (4).
    . . بل بنات النبي صلى الله عليه وسلم ـ غير فاطمة ـ شملهن حقد الشيعة ، بل نفى بعضهم أن يكن بنات للنبي صلى الله عليه وسلم ! (5).
    فأين محبة أهل البيت المزعومة ؟! وفي صياغة أخرى : أليس في خلاف الحسن « رضي الله عنه » مع أخيه الحسين « رضي الله عنه » في قضية صلح معاوية « رضي الله عنه » إبطالاً لمعتقد العصمة التي تنادون بها ! ! حيث إن الحسن والحسين « رضي الله عنهما إمامان معصومان عندهم ، فمن كان المخطىء ، ومن كان على صواب ؟! وكذا ألم يخالف الحسن أباه في خروجه لمحاربة المطالبين بدم عثمان « رضي الله عنه » ، فلا شك في أن أحدهما مصيب ، والآخر مخطئ . . وكلاهما معصومان عند الشيعة . . أليس ذلك أمراً غريباً يهدم معتقد العصمة من أساسه ؟! " (6).
    وهذا الخلاف بين الأمام الحسن والحسين(عليه السلام)قد ذكره عباس محمود العقاد في كتابه (كتاب الحُسَين عليه السلام أبو الشُهداء). ونفس الشيء ينطبق على الكاتب طه حسن وحتى عبد الرحمن الشرقاوي ، ولهذا نجد أن الدكتور الباحث محمد عنايت يذكر هذه المسألة ويشير اليها هؤلاء الكتاب عموماً فيقول "  لم يقم كاتب قط من هؤلاء الكتّاب ببناء بحثه واحتجاجه على تحليل نقدي للنصوص التاريخية بهدف بيان تناقضاتها وانعدام الدقة فيها، فكل ما يكتبه الكاتب مبني على تأمّل شخصي، فهم يجدون ببساطة أن آراءهم متّفقة مع المصادر الرسمية القديمة " (7).
    فهنا يقول قسم أن الأمام الحسن(عليه السلام)مال الى السلم وعقد الصلح مع معاوية وهو آثر الدعة والطمأنينة ، ولم يثر كما فعل أخوه الإمام الحسين(عليه السلام)وهذا يشكل مثلبة إلى الإمام الحسن(عليه السلام)كما يدعون وحتى تم التشنيع عليه ووصفه بأنه مزواج ويحب النساء حتى بعض الروايات الكاذبة تقول أنه تزوج ثلاثمائة امرأة ، وكل هذا من الروايات هي روايات تحمل نفس أموي وعباسي وناصبي التي تريد النيل من أهل البيت والإمام الحسن(عليه السلام)والتي فندها علماؤنا وكذبوها ومنهم د. الشيخ أحمد الوائلي(رضوان الله عليه)والذي كلها تلفيق وكذب ، والحقيقة لامجال لذكرها لعدم التشعب في البحث الذي نبحثه.
    والنكتة هم أنفسهم من جهة أخرى يعيبون على الإمام الحسين(عليه السلام) أنه ثار على يزيد وثورته كانت غير محكومة بالنجاح مما ادى الى قتله كما يدعون وأنه لم يعمل بقول الله سبحانه وتعالى (ولا تلقوا بأنفسكم الى التهلكة)ويستدلون بما قاله ومنعوه من الذهاب الى العراق أبن عباس وابن عمر وأخوه محمد بن الحنفية.
    والآراء كلها متناقضة فهم ينتقدون الحسن والحسين(عليهما السلام)كلاهما ولايثبتون على أي منهم قام بالعمل الصحيح ، وهذا هو يعكس النفس الأموي والعثماني الذين يكتبونه من ناحية ، ومن ناحية أخرى قصر النظرة التي يحملونها وفهم العقيدة التي يحملونها أهل البيت وأنهم لديهم تكليف شرعي في كل يما يقومون به.
    بمعنى أنه لما كان موقف الامام الحسن (عليه السلام) هو الصلح مع معاوية كان موقف الامام الحسين (عليه السلام) ذلك أيضاً, وإلا لثار على معاوية, وعارض أخيه الحسن (عليه السلام) على صلحه, بينما ينقل لنا التاريخ مساندته لأخيه الحسن (عليه السلام) ومعاضدته .
    وهكذا لو قدّر الله تعالى أن يكون الامام الحسن (عليه السلام) حيا يوم عاشوراء, لكان موقفه (عليه السلام) نفس موقف أخيه الحسين (عليه السلام), ولا يرضى بالصلح مع يزيد .
    وعلى أساس هذه العقيدة يتضح معنى قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) :{ الحسن والحسين إمامان ان قاما وان قعدا } (8).
    وأما الجواب : فقد نجيب عن هذا السؤال بعدة أجوبة :
    منها : ان شخصية معاوية تختلف عن شخصية يزيد, فمعاوية لم يكن يشكل خطراً جدياً على الاسلام بمقدار ما كان يشكله يزيد, لان معاوية كان يحافظ على بعض المظاهر الاسلامية, بينما كان يزيد متجاهراً بالفسق والفجور, وشرب الخمور, وقتل النفس المحترمة, ولم يراع أي شيء من المظاهر الاسلامية .
    وعليه فكان الصلح مع معاوية ممكناً دون الصلح مع يزيد . وأن عقد الصلح مع معاوية كان في الظاهر وأمام المسلمين هو صلح صحيح متعارف عليه ولا يمكن النقض فيها. ولهذا لم يثر الإمام الحسين(عليه السلام)على معاوية احترام لعقد الصلح الذي عقده أخيه الحسن مع معاوية ، ولكن بعد هلاك معاوية وتنصيب يزيد بدأ التكليف الشرعي فلإمام الحسين(عليه السلام) والتخطيط الرباني الذي كلف به.
    ومنها : ان الامام الحسن (عليه السلام) قام بالثورة ضد معاوية, ولكن خانه أكثر قادته, وباعوا ضمائرهم لمعاوية بإزاء أموال ومناصب . حتى أن بعض المقربين للإمام الحسن (عليه السلام), كتب الى معاوية رسائل سرية قال فيها : ان شئت سلمناك الحسن حياً, وان شئت سلمناه ميتاً !. ومنهم أبن عمه عبيد الله العباس وقد عرض معاوية تلك الكتب على الإمام الحسن(عليه السلام). وهو القائد الأول على جيش مسكن، إذ أرسل له معاوية مليون درهم، وكلاماً أنَّ الإمام الحسن عليه السلام سيضطر إلى الصلح، فخير لك أن تكون متبوعاً، ولا تكون تابع، ففرَّ مع ثمانية آلاف مقاتل. وباقي القادة قد خانوه ايضاً.
    فاضطر (عليه السلام) الى الصلح وترك الحرب لوجود هؤلاء الخونة, دون أخيه الحسين (عليه السلام) فقد وجد انصاراً واعوانا .
    ومنها : أراد الامام الحسن (عليه السلام) من صلحه أن يحفظ نفسه وأهل بيته وأصحابه من الفناء, إذ لو كان محارباً لانتصرت الأموية انتصاراً باهراً, وذلك بإنهاء الذرية الطيبة للنبي (صلى الله عليه وآله), والثلة الصالحة من اعوانهم . حيث من الروف أنه كان عدد جيش الإمام الحسن عليه السلام( 20) ألف، بينما عدد جيش معاوية (60 ألفاً أو 68 ألفاً ).
    ومنها : ان الامام الحسن (عليه السلام) استشار الجموع الملتفة حوله في الظاهر, والمتخاذلة عنه في السر بقوله : ( الا وان معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة, فان اردتم الموت رددناه عليه, وحاكمناه الى الله عز وجل  بظبا السيوف, وان اردتم الحياة قبلناه, واخذنا لكم الرضا ؟ ... ) (9)، فناداه الناس من كل جانب .. البقية, البقية. فساير (عليه السلام) قومه, واختار ما اختاروه من الصلح, فصالح كارهاً كما قبل أبوه (عليه السلام) التحكيم من قبل وهو كاره له.
    ومنها : ان إرادة الله تعالى ومشيئته اقتضت ان يصالح الامام الحسن (عليه السلام) معاوية, وان يثور الامام الحسين (عليه السلام) على يزيد, ولن يرضى بمصالحته .
    وللكلام بقية سوف نكملها في الجزء القادم أن شاء الله إن كان لنا في العمر بقية.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    المصادر :
    1 ـ « رجال الكشي » ، (ص 53)
    2 ـ (أصول الكافي 1 / 247 .) .
    3 ـ (رجال الكشي : ص 53 ، « معجم رجال الحديث » للخوئي : 12 / 81 ).
    4 ـ (المرجع السابق ، للكشي )
    5 ـ (كشف الغطاء ، لجعفر النجفي : ص 5 ، ودائرة المعارف الشيعية لمحسن الأمين : 1 / 27 .)
    6 ـ مأخوذ من بحث بعنوان(صلح الحسن وحرب الحسين.. متناقضان). السيد جعفر مرتضى العاملي. موقع الإشعاع الإسلامي للراسات والبحوث الإسلامية. باب شبهات وردود.
    7 ـ حميد عنايت، الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا، القاهرة: مكتبة مدبولي، بلا تاريخ، ص369.
    8 ـ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ٢. منشورات المكتبة الشيعية. المناقب لابن شهرآشوب السروي. وممّن رواه من أهل السنة: الصفوري في نزهة المجالس 2 / 184، والصدّيق القنوجي في السراج الوهّاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج في باب المناقب.
    9 ـ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ٢٢. منشورات المكتبة الشيعية. ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الفكر، 1415ه، ج13، ص 268. روى هذه الخطبة ابن الأثير الجزري ج 2 ص 13 من أسد الغابة باسناده إلى أبي بكر بن دريد.


    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media