حكاية تفتت المملكه المتحده
    الأثنين 19 سبتمبر / أيلول 2022 - 13:10
    د. ميسون البياتي
    وأخيراً توفيت الملكه إليزابيث الثانيه رحمها الله فبدأ الحديث في الصحافه عن رغبة مستعمرات المملكه بالإنفصال عنها وزعم البعض الآخر ان وريث العرش تشارلز الثالث هو من سيمنح المستعمرات استقلالها , طبعاً هذا الموضوع يبحث تحت عنوان الخيال الجامح والهذيان ولكي لا نُتَهم أننا نتكلم فيما لا نعلم  سنتحدث عن نيوزيلندا واستراليا بإعتبارها النطاق الإقليمي الذي نعيش فيه منذ ربع قرن وسنورد احداث بعينها تؤكد أن الإنفصال أو منح الإستقلال هو ضرب من الهذيان 

    من بين جميع مستعمرات المملكه المتحده 4 فقط يتمتعن بالحكم الذاتي هن كندا واستراليا ونيوزيلندا وجنوب افريقيا . بعد الحرب العالميه الثانيه أصدرت الولايات المتحده امرها الى جميع الدول التي تستعمر أجزاء من افريقيا أو امريكا اللاتينيه أو الشرق الأوسط بالمغادره فبدأت ما تعرف بالثورات التحرريه في هذه المناطق لتغيير مستعمر بمستعمر تحت مسمى تحرير , وافقت بريطانيا اولاً على تقسيم فلسطين بعد 6 أشهر من مغادرتها الهند , ثم خرجت من مصر , العراق , عدن , مشيخات الساحل المهادن , زنجبار وبلوشستان , جنوب افريقيا , ليبيا , افغانستان , ايران , اغلب الكتّاب يسمون الأمر تحرر 

    في العام 2007 قامت رئيسة الوزراء السابقه في نيوزيلندا السيده هيلين كلارك بجوله مكوكيه زارت فيها كل رؤساء اوربا الذين استقبلوها بالاحضان والقبلات وكانت الجوله لحشد الدعم لنيوزيلندا في طلب الاستقلال عن بريطانيا , السياسيون عندنا في نيوزيلندا ينظرون الى ثراء بلادهم وعمرانها ويعتقدون انهم اذا استقلوا سيصبحون بمصافي الدول الكبرى , لا تفيد بهم النصيحه ولا يتعظون من تجارب شعوب غيرهم , ولا يعرفون انهم لن يعيشوا مستقلين لأن دولاً قويه ستأتي لتسيطر عليهم اذا خرجت المملكه المتحده . في نهاية الجوله سافرت هيلين كلارك مدعمه بالدعم الأوربي الى لندن وقابلت الملكه وسألتها امام العدسات : متى ستستقل نيوزيلندا ؟ اجابتها الملكه : لم يحن الوقت بعد 
    انتهت مدة رئاستها وهي من حزب العمل وجاء بعدها جون كي وهو من الحزب الوطني , بعد 3 سنوات من بداية حكمه كانت نيوزيلندا وهي بلد محايد لا يدخل الحروب قد ضحت ب 5 آلاف جندي في الحروب الأمريكيه حول العالم , وخصخص جون كي مصالح البلد فاشترتها رؤوس أموال أمريكيه وبعدما كنا ندفع للمصلحه الوطنيه ثمناً أصبحنا ندفع اربعة اضعافه للشركه الأجنبيه , ثم توّج هذه الإنجازات بالتوقيع على إتفاق الشراكه العابره للمحيط الهاديء The Trans-Pacific Partnership ( (TTPوهو اتفاق تجارة مقترح وقَّعت عليه كل من أستراليا، وبروناي، وكندا، وتشيلي، واليابان، وماليزيا، والمكسيك، ونيوزيلندا، وبيرو، وسنغافورة، وفيتنام، والولايات المتَّحدة بتاريخ 4 فبراير عام 2016 
    الإتفاق يعمل بالضبط مثل عمل الإتحاد الأوربي وتشرف على مقدراته الولايات المتحده الأمريكيه . أقامت المملكه المتحده الدنيا ولم تقعدها , بعد اقل من 3 أشهر تمت إقالة رئيس الوزراء الاسترالي ونقض توقيعه على الاتفاق , وبعد 6 أشهر عمّت الفوضى في نيوزيلندا بين أنصار الإتفاق وخصومه الذين يرون انه بيع البلاد للأمريكان دون مقابل  , منشورات ورسوم على الحيطان ومظاهرات عارمه , ملك الماوري سكان البلاد الأصليين صرخ بأعلى صوته : إنه العار أن يباع بلدنا مرتين , أجابه نائب رئيس الوزراء : نحن نعتذر هل هذا يكفي ؟ رد : لا .. لا يكفي . تحرك الماوريون يريدون قتال شوارع لطرد كل الإجانب خارج البلاد أوربيين وغيرهم . للسيطره على الأمور تمت إقالة جون كي ونقض توقيعه على الإتفاق 
    [[article_title_text]]
    قارة زيلندا

    الولايات المتحده كانت تبغي من هذا الاتفاق الاستحواذ على قارتي استراليا وزيلندا ( زيلندا وتسمى أيضا زيلانديا الجديده هي قاره مغموره في مياه المحيط الهادئ بعد انفصالها عن أستراليا قبل 60 مليون سنه وانفصالها عن القاره القطبيه الجنوبيه قبل 130 مليون سنه . تبلغ مساحتها حوالي 3,500,000 كم² متفوقه في المساحه على جرينلاند والهند ، وتعتبر أكبر قاره حاليا في المحيط الهادي )  القارتان الواقعتان تحت السيطره البريطانيه عند انسحابهما من الإتفاق انسحبت الولايات المتحده هي الاخرى من الإتفاق لأنه لم يعد يجدي رغم كل الدول الأخرى المشاركه فيه 
     تم تحريك جماعات الضغط ضد ترامب مما ألّب عليه الأوضاع الداخليه فقام بزيارته المهزله الى لندن , عند وصوله وكانت طائرته في السماء نظر من النافذه فشاهد رسماً خادشاً للحياء على الأرض للترحيب به , أول نزوله من الطائره هاجم عمدة لندن بقسوه دون ذكر الرسم على الأرض , فتناولته الرعيه هذا يرفع وذاك يكبس , مهرجان استقباله غصّ بمجسمات مهينه له , فقط العائله المالكه والملكه استقبلوه بشكل رسمي , وبعد مغادرته وللتهنئه بسلامة العوده تم انتاج فيلم كارتون طويل بعنوان كورجي الملكه THE QUEEN'S CORGI  يتحدث عن كلب الملكه الذي رفض الاقتران بكلبة ترامب Mitzi لأنها قبيحه ومغروره ومتصنعه , الفيلم مليء بالنقد والدلالات 
    بعد كل ما حصل تم التحقيق في سبب انضمام نيوزيلندا واستراليا الى إتفاق الشراكه العابره للمحيط الهادئ فكانت القصه كالتالي : المملكه المتحده تدير تجارة هائله بين مستعمراتها بالتصدير والإستيراد بينهن , عملة استراليا ونيوزيلندا بسبب هذا كانتا من أقوى العملات في العالم والبلاد تعيش في رفاهية تامه 
    عام 1973 اعلنت الولايات المتحده التي تسيطر على اغلب البلدان المنتجه والمصدره للنفط ايقاف بيع النفط بغير عملة الدولار الأمريكي , وفكّت ارتباط سعر الدولار بالذهب وربطته بالنفط وبدأت تطبع بترودولار لا قيمة له تبيعه بالسعر الذي تريده هي , وكل العالم مجبر على شرائه لأنه بحاجه الى النفط . في تلك الأيام خافت المملكه المتحده على اقتصادها ودفعها ذلك الى دخول الإتحاد الأوربي لتواجه مصيرها بين الجميع وليست منفرده 
    حين انضمت الى الإتحاد الأوربي كان واجباً عليها أن تبيع وتشتري مع جاراتها الأوربيات , عندها قلّت تجارتها مع مستعمراتها وانعدمت كلياً في بعض المجالات , ما جعل اقتصاد المستعمرات في هبوط متواصل . لكن العام 2016 ليس العام 1973 والمملكه المتحده تعرف الآن تماماً الوضع مع البترودولار , اذن عليها مغادرة الإتحاد الأوربي كي لا تخسر مستعمراتها , أصرت على المغادره Brexit وخرجت 
    أثناء مباحثات Brexit أبرمت المملكه المتحده اتفاقات تجاريه كبرى مع استراليا واليابان وساهمت في عقد اتفاقات تجاريه كبرى بين كندا وبلجيكا , وبدأت مباحثات تجاريه مع نيوزيلندا لإعادة النشاط لنظام تجارة اللحوم والألبان بينهما , ورعت اتفاق التبادل التجاري الحر بين نيوزيلندا واستراليا وكندا واليابان وتقدمت المملكه المتحده رسمياً بطلب الإنضمام اليه 
    وبعد خروجها من الاتحاد الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ أبرمت لندن اتفاقات تجاريه مع الاتحاد الأوروبي ومع دول أوروبيه غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي النرويج وأيسلندا وليشتنشتاين كما بدأت رسمياً مفاوضات اتفاق للتجاره الحره مع دول الخليج العربي السته
     وتسعى الى تعزيز علاقاتها التجاريه مع الولايات المتحده من دون أن تتمكن من الحصول على وعدٍ من واشنطن في الوقت الحالي لأن الولايات المتحده ومنذ 2017 وبعد خسارة مسعاها مع استراليا ونيوزيلندا ترفض العوده الى إتفاق تديره بريطانيا 
    عادت استراليا ونيوزيلندا وكندا واليابان وبروناي وتشيلي وماليزيا والمكسيك وبيرو وسنغافوره وفيتنام الى إحياء ( إتفاق الشراكه العابره للمحيط الهاديء ) الذي غادرته استراليا ونيوزيلندا في العام 2016 بإعلان 
    (( اتفاق الشراكه الشامله والمتقدمه عبر المحيط الهادئ))  Comprehensive and Progressive Agreement for Trans-Pacific Partnership ( CPTPP) وهو ثالث أكبر منطقة تجاره حره في العالم من حيث الناتج المحلي بعد اتفاقية التجاره الحره لأمريكا الشماليه والسوق الأوربيه المشتركه 
    في 1 فبراير 2021  تقدمت حكومة المملكه المتحده رسمياً بطلب للانضمام الى الاتفاقيه الشامله والمتقدمه للشراكه عبر المحيط الهادئ (CPTPP ) هذا معناه أن المملكه المتحده ستحدد أو تجدد شروطها التجاريه مع 11 شريكاً تجارياً في مفاوضات واحده فقط فيما ابعدت مستعمراتها استراليا وكندا ونيوزيلندا عن أن يتم التدخل بهن بسبب أوضاعهن الصعبه 
    رغم كل دعوات الإنفصال التي نسمعها من اعضاء حزب العمل ومن بعض شخصيات الحزب الوطني بحجة الإستقلال , لكن هذه الدعوات تختفي امام مغريات المال والمصالح , في نيوزيلندا منذ عهد هيلين كلارك سمعنا عن الرغبه في الإستقلال , حتى عهد جاسيندا أرديرن لكن برلمان نيوزيلندا وبرلمان استراليا شهدا مراسم إعلان تشارلز الثالث ملكا شرفياً  لبلديهما بعد يوم من تنصيبه ملكا على بريطانيا خلفاً للملكه الراحله إليزابيث الثانيه
    في نيوزيلندا شهد البرلمان في العاصمة ولنغتون مراسم إعلان تشارلز الثالث ملكا شرفيا للبلاد

    وقالت رئيسة الوزراء جاسيندا أرديرن إن المراسيم أقيمت للاعتراف بـجلالة الملك تشارلز الثالث ملكا علينا وفق صحيفة الغارديان البريطانيه , وأشارت أرديرن الى ارتباط نيوزيلندا الوثيق بالعائله المالكه , الذي  سيستمر ويتعزز في ظل الملك الجديد وأضافت أرديرن: لطالما كان الملك تشارلز معجبا بنيوزيلندا وأظهر باستمرار رعايته العميقة لأمتنا , وتابعت: يقدر شعبنا بشده هذه العلاقه وليس لدي شك في أنها ستزداد عمقاً 
    في أستراليا أعلن الحاكم العام ديفيد هيرلي ممثل العاهل البريطاني في أستراليا رسميا الملك تشارلز ملكاً على البلاد في مراسم بمبنى البرلمان في كانبيرا . وقال رئيس الوزراء أنطوني ألبانيز عقب مراسم الإعلان إن أستراليا تحتفل اليوم رسمياً بعهد الملك تشارلز الثالث , واصفاً الأمر بأنه حدث تاريخي , كما شهدت كانبيرا إطلاق 21 اطلاقة مدفعيه تكريماً للملكه 
    سياسية المملكه المتحده ليست سياسة دوله من دول العالم الثالث تهب فجأة وتخفت فجأه , سياسه هادئه رصينه ذات نظر بعيد لا تخلو من المكر والدهاء ومراعاة النفس أولاً ولكن ليس من مصلحة أية دوله منضويه تحتها محاولة الاستقلال عنها لأن أصدق تشبيه لعالم الدول هو أنه مثل عالم السمك .. كبيره يأكل الصغير , وأن تكون فريسة لسياسة تبني المؤسسات وتقاسم الخيرات أفضل من أن تصبح تحت سياسة تستحوذ على كل شيء وتملأ البلاد بالحروب والإنقلابات بإسم الديمقراطيه لا بمعناها

    د. ميسون البياتي 
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media