بين ملكتين
    الثلاثاء 20 سبتمبر / أيلول 2022 - 12:35
    أ. د. محمد الدعمي
    كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا
    لقد شهد عهد الملكة الأولى، فكتوريا، عصرًا ثوريًّا بكل معنى الكلمة، إذ عاشت بريطانيا الفكتورية عصر الثورة الصناعية الذي لم تعهده دولة أوروبية أخرى من ذي قبل.

    يشاع بأن القليل من الذين شهدوا توديع جنازة الملكة فكتوريا إلى وندسور كاسل يوم 2 فبراير، 1901 كان يفطن على يوم تتويجها، إذ إنها حطمت الرقم القياسي لجلوس عاهل على العرش البريطاني حقبة ذاك. ولم يخطر ببال أي من المؤرخين أن تحطم ملكة أخرى هذا الرقم القياسي في ذات القرن العشرين.
    وإذا كانت فكتوريا قد مكثت على عرش بريطانيا أغلب سنوات القرن التاسع عشر، فإن الملكة إليزابيث الثانية قد مكثت على ذات العرش طوال سبعين سنة من القرن، العشرين، قافزة إلى أعوام تقرب من ربع القرن التالي، الحادي والعشرين، إذ لفظت أنفاسها الأخيرة في قصرها في اسكتلندا قبل بضعة أيام.
    لذا، فقد حقَّت علينا المقارنات والمقاربات بين الملكتين وعهديهما المهمين في تاريخ بريطانيا والعالم. لقد شهد عهد الملكة الأولى، فكتوريا، عصرًا ثوريًّا بكل معنى الكلمة، إذ عاشت بريطانيا الفكتورية عصر الثورة الصناعية الذي لم تعهده دولة أوروبية أخرى من ذي قبل. وحيث كانت بريطانيا تحيا هذا العصر الصناعي الأول من نوعه في تاريخ العالم، كانت فرنسا لم تزل تحاول جاهدة إزالة براثن أحداث الثورة الفرنسية الدموية، وإذ كان البريطانيون يقرأون الروايات الرومانسية، بقي الفرنسيون يشهدون الرؤوس المقطوعة وهي تتدحرج تحت المقاصل التي بقيت تعمل بأعلى طاقاتها حقبة ذاك.
    وإذا ما شهدت بريطانيا الفكتورية بناء إمبراطورية عظمى، إمبراطورية "لا تغرب الشمس عنها”، فإن بريطانيا الملكة إليزابيث قد شهدت تآكل الإمبراطورية التي بنيت عبر حقبة الملكة فكتوريا لتفوق أكبر إمبراطوريات في تاريخ العالم منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية.
    ولا غرابة في تآكل الإمبراطورية على عهد إليزابيث، إذ عاصر عهدها الطويل تقدم قوى أوروبية كولونيالية منافسة (فرنسا، إسبانيا والبرتغال) وتشبث ألمانيا بثورة صناعية لا تقل ثقلًا عن الأولى، ولكن مع الحفاظ على وحدتها متجنبة التوسع عبر قارات العالم السابع، حسب وصية المستشار بسمارك! وكان لبناء ألمانيا قوية، لا يضعفها التوسع الكولونيالي، وراء حربين عالميتين أتتا على أوربا بالكامل.
    وإذا كانت بريطانيا الراحلة إليزابيث قد أبقت على سطوتها الإمبراطورية على ما سُمي بدول الــ”كومنولث”، فإن هذه السطوة ما لبثت وأن غدت اسمية، وذلك بعدم ذيليتها لبريطانيا، ماضية ببناء استقلالها وخروجها على هيمنة لندن، بدليل تحولها إلى دول مهمة مثل كندا وأستراليا، من بين دول أخرى.
    زد على ذلك كله، ما شهده عهد إليزابيث من رجَّات وهزات أرضية أثناء حكم الراحلة إليزابيث، مع إشارة خاصة إلى زواج ولي عهدها من الأميرة ديانا التي قضت في حادث سيارة مأساوي لم يزل يلفه الغموض.

    أ.د. محمد الدعمي
    كاتب وباحث أكاديمي عراقي
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media