عراق اليوم بين حل النزاع وإدارة الصراع
    الأربعاء 21 سبتمبر / أيلول 2022 - 13:52
    أ. د. عبد علي سفيح
    مستشار وباحث لوزارة التربية والتعليم الفرنسية
    العلاقات بين أبناء البشر سواء أفراد، أو مجتمعات، أو احزاب، أو دول ليست دائما مستقرة وهادئة، يولد النزاع من تعارض المصالح.
    عراق اليوم اذا كنت متفائلا، يتم حل النزاع بين الشارع والسلطة عن طريق الوسائل السلمية ( الودية)، وهي أول وسيلة تلجأ إليها الشعوب لتسوية خلافاتها، وإذا ما اخفقت، فتلجا الى طرق الاكراه.
    أما الصراع، ظهر  منذ زمن بعيد كحقيقة لا مفر منها في العلاقات الانسانية. وغالبا ما نفكر في الصراع بأنه علاقة سيئئة.
    الصراع بين الانسان والآخر من جانب، وبين الانسان والطبيعة من جانب آخر يمكن أن يأخذ اشكالا مختلفة ويلعب دورا مهما واساسيا في ديناميكية تطور الفرد والجماعة، ولقد عبر القرآن الكريم عن هذه الظاهرة البشرية بالتدافع بقوله تعالى: (( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ))( البقرة: 251). 
    وقوله تعالى: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ))( الحج: 40).
    ممكن القول، لقد جئنا جميعا لعيش النزاع والصراع. ((قال اهبطا بعضكم لبعض عدو ))( الأعراف: 24). لحظات حتمية وغالبا ما تكون ضرورية لتحريك الخطوط وبدء طفرة نحو توازن جديد.
    نرى العديد من علماء الاجتماع ومنهم جورج سيميل (1)، ومن الفلاسفة ومنهم هيجل (2) وماركس (3) ونيتشة (4)، ومن علم النفس ومنهم دومنيك بيكارد (5) و ادموند مارك (6)، يعطون رؤية أكثر ايجابية للصراع، حيث يؤكدون أن النزاعات ليست أخطاء في التواصل، ولكن من الطبيعي والمألوف المجادلة من أجل التوافق بشكل جيد لذلك يجب تنظيمها وحلها.
    تعني كلمة ( النزاع ) سواء في القاموس العربي أو اللاتيني يعني: الصدام، الخصومة، واحيانا القتال. ان الصراع انواع واشكالا. فاما صراع دولي، عندما يكونون قوى اجنبية كما في الحرب، أو صراع اجتماعي، عندما يتعلق الأمر بالفئات الاجتماعية، أو صراع علائقي، عندما يتعلق الأمر بالناس، او صراع فردي عندما يتعلق الأمر بالصراع الذاتي مع النفس، كصراعه مع الازدواجية في المشاعر، أو صراعه مع الأفكار المتناقضة.
    بما أن الصراعات متأصلة في الحياة، يمكن أن تكون فرصا للنقاش تؤدي الى اصلاح. الحوار هو القاعدة الضرورية لتخفيف الصراع الذي يؤدي الى التقدم والبناء، ويعد الحوار قيمة اجتماعية ودينية في نفس الوقت، فالاسلام دين ( دين دعوة ) وكل دعوة حوار. 
    وبما الصراع هو مسرح للسلوكيات المختلفة لادارتها فيكون اما الهروب منه أو رفضه أو مقاومته أو الانحناء امامه. والصراع عادة يكون واحد من أثنين، اما من أجل تضارب المصالح، أو تضارب العقائد أو بعض الأحيان كلا الأمرين.
    فمهما كان نوع النزاع أو الصراع، نجد فيع عاملين مهمين يحددان اتجاهه ولونه وهما، المصلحة والقضية أي العقيدة وعلى سبيل المثال: 
    ان الثورة الفرنسية في 1789، والثورة البلشفية في روسيا في 1917، والثورة الاسلامية الايرانية 1979، كلها كانت من أجل تعزيز قيم وعقائد تضمن العدالة والمساواة والحرية للانسان.
    بينما الاحتلال الانكليزي للعراق في 1920، والاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 كانتا لأجل المصلحة.
    اما العراق، فقبل 1958 غلبت المصلحة في ادارة النزاعات على العقيدة. اما بعد 1958، غلبت العقيدة على المصلحة حتى 2003.
     أما عراق اليوم بعد 2003، هو عراق التصادم بين الشارع والحكومة. فاذا نظر العراقيون نظرة ايجابية لهذا الصراع، سوف تؤدي الى نتائج ايجابية كما حدث في الثورة الفرنسية ضد حكومة الرئيس شارل ديغول في 1968. اما اذا نظر العراقيون لها نظرة سلبية، سوف يحدث الهدم وااراقة الدماء كما حدث للثورة الفرنسية في 1789 والتي ادت الى قتل العائلة المالكة وانهاء عهد وبدء عهد جديد. ممكن القول بأن عراق اليوم لا يفك نزاعاته المحلية لا على اساس قيمي عقائدي، ولا على اساس المصلحة العامة.
    ان الدولة مفهومها هي عبارة عن أرض معلومة ( اقليم )، ويعيش على هذه الأرض شعب أو أمة، وهناك حكومة تمثل هذا الشعب.
     العراقيون كشعب، لديهم خبرة كبيرة في فن ادارة النزاعات والصراع. يتكون الشعب العراقي من مرجعيات قديمة سواء دينية أو مرجعيات قبلية عربية وكردية. هذه المرجعيات تنظم حياتها وفق اعراف أو قوانين يتفق عليها الجميع في حالة المرجعيات القبلية، وتشريعات دينية في حالة المرجعيات الدينية. لكن العراق كحكومة، لم يكن لديها خبرة في فن ادارة النزاع والصراع، لأن العراقيين اقصوا من فن ادارة الدولة لمدة ستة قرون اثناء الحكم العثماني وكانت عاصمة العراق آنذاك هي استانة. 
    في بداية القرن العشرين، أي بداية تأسيس الدولة العراقية الوطنية، كانت النخب السياسية التي كانت تدير الحكم والتي هي حديثة العهد في السياسة، كانت جذورها عثمانية، وتطلعاتها غربية(انكليزية)، وخطابها عربي. فهوية الدولة لم تكن تمثل الهويات المحلية الفرعية بل كانت هوية عربية سنية، وهذه الهوية ظلت ترافق الدولة العراقية الحديثة حتى سقوط بغداد في 2003.
    بعد 2003 بدأ العراقيون ببناء هوية وطنية جامعة لمرجعياتها المحلية لكن هذا المشروع لاقى مصاعب كثيرة ومن احد اسبابها هو أن النخب العراقية حديثة العهد بالسياسة وتجهل القوانين التي تحكم الهويات الفرعية، وهذا انعكس على سلوكهم وتصرفاتهم في طريقة حل النزاعات المحلية والاقليمية.

    الهوامش
    1.François Leger, la pensee de George  Simmel, Kime 1989.
    2.François Chatelet, Hegel, seuil, 1994.
    3.Franz Mehving, Karl Marx, histoire de sa vie, paris 1983.
    4.Henri Guillemin, Regards sur Nietzsche, seuil, 1991.
    5.Dominique Picard, politesse, savoir vivre et relations sociales, Guesais-je, 2019.
    6.Edmond Marc, identite et communication, presse universitaires de France- PUF, 1992.
    © 2005 - 2022 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media