الحرب الروسية الاوكرانية من منظور أوسع-3
    الجمعة 20 يناير / كانون الثاني 2023 - 08:18
    د. لبيب سلطان
    أستاذ جامعي/ كاليفورنيا
    قراءة في الأبعاد الدولية لهذه الحرب والمترتبات عنها في منطقتنا العربية 
    لاشك ان احدى الميزات الخاصة للحرب الروسية الاوكرانية انها كونية الافاق  وتأثيراتها الدولية تصل وتمس، ومن دون مبالغة، بشكل أو بآخر، جميع الدول والكتل والمصالح في ارجاء الارض وفي جميع القارات، ولا تتم المبالغة ايضا ، لو قيل ان الجميع، سواء اللاعبين الكبار أوالجيران الصغار حول روسيا، قد تحسس كل منهم محفظة نقوده بعد اندلاعها ، مالذي سيصيبني وما سيترتب علي منها. 
    هي تبدو حربا بين دولتين اوربيتين جارتين ، ولكنها من الناحية الاخرى هي ايضا بين قطبين ، احدهما أراد بها اعلان ولادته وانبعاثه الجديد كقطب دولي رجع من رحلة غاب فيها لوهلة عن المشهد، وهو روسيا ، وجاء غزوه لجارته الأضعف ، بل بالأحرى لبيت اخته او خطيبته ، أوكرانيا، معلنا لن يسمح للقطب الاحادي السائد ان يتمدد اليها ، لقد وصل السيل الزبا ، ومنه يجب وضع نهاية للقطبية الشقاوية الواحدة في العالم. 
    لابد من التوقف هنا على نقطة، تبدو جانبية ، ولكنها هامة . لماذا  قرر الرئيس بوتين شن هذا الغزو عام 2022، وليس عام 2014 عندما تحرك لأسترجاع شبه جزيرة القرم لروسيا الأم.  يبدو انه لم يكن متأكدا، وقتها ، ان العالم يمكنه التعايش مع الغزوات ، واذ قام به ونجح  فتقوت  لدى الرئيس بوتين قناعة انه امر ممكن .وربما فاته ان العالم ربما اعتبرها مسألة نزاع داخلي وتاريخي على ارض، وليست ذات ابعاد دولية كبيرة. ولكن تحول غزو فبراير عن سيناريو الايام الثلاثة لتنصب موالين له حكاما جددا في كييف كأنقلاب داخلي، كما خطط له اساسا، الى حرب حقيقية ، قد حول الموضوع ،ربما لم يحسب لحسابه لا الرئيس بوتين ولا العالم. انه جاء مثل اعلان مبكر كشف فيه الرئيس بوتين اوراقه ، التي عمل عليها لسنين ، ولكنه طرحها في وقت غير محسوب وغير مناسب ، ربما مبكرا ، ومنه فقد الاعداد الشامل المتكامل لأعلان هذا الحدث الأهم، ولادة قطب جديد على اسس سياسية وجيوسياسية وفكرية وايديولوجية راسخة . يميل الكثيرون ، وانا منهم، ان الغزو لم يأت ولم يكن مخططا له للاعلان عن ولادة هذا القطب ، فهو ما زال جنينا طور التكوين والنمو ولم يكتمل بعد ولم يحن موعد الولادة، اغلب الظن ، فغزو اوكراينا في 24 فبراير كانت لاغتنام فريسة سهلة كما يبدو تعزز مواقعه، ولم يكن مخططا لها للاعلان عن الولادة ، ربما خطوة محدودة باتجاه انضاج الجنين ، معتقدا ان نسبة نجاحها شبه مؤكدة ، وربما كانت غزوة القرم قد اغرته بذلك ، ففي غضون يومين الى ثلاثة،استرجع القرم، وخلال يومين الى ثلاثة ، سيسترجع اوكرانيا ، انها ليست سيئة دون شك، ولكن فشل الاخيرة، لاسباب ربما يمكن الحدس بها ، نظرا لحجمها الكبير، فقد افشلتها معلومات مخابرات القطب الاخر ووضعتها امام زيلينسكي الذي حشد القوات الخاصة الاوكرانية في المواقع المحددة قبل هبوط قوات النخبة الروسية المحمولة جوا من 2000 مقاتل ،وهم  يعادلون  20  الف، وفق الخبراء ، وابيدت معظمها كون الطرف الاخر كان في انتظارهم، ولولا هذا الكشف ، لتوجهت هذه القوة النخبوية بنزهة  وخلال اقل من ساعة لاستولت على القصور الرئاسية ، وهي على بعدَ  7 كيلومترات  فقط ، وكبست زيلينسكي وكابينته فيها. ان كلا الطرفين، روسيا وامريكا ، لازالا صامتين لليوم عن ذلك ، فالاول لايريد كشف اختراقه والثاني صامتا مازال الاول ساكتا، فهزيمة هذه النخبة المعتبرة تعود لبسالة الحراس الاوكران، وربما سيأتي يوما تعلن فيها تفاصيل اكثر. 
    المهم اني اردت ان اوضح هنا ان هذه المحاولة الفاشلة لم يكن مخططا لها  للاعلان عن هذا القطب الجديد اطلاقا ، بل بفشلها اعتبرت بمثابة اعلان وكشف الاوراق ، ومنها تحولها الى هذه المجابهة المستميتة في هذه الحرب. مالذي دفع الرئيس بوتين للقيام بهذه الغزوة الفاشلة وفي هذا الوقت بالذات ، أهي أزمة فقدان الصبر ، وصول السيل الزبا كما يقال، فلايوجد حدثا او فعلا ملموسا او معروفا يدفعه لذلك ، ولمِ لم يقم به مثلا عام 2014 عند تغيير نظام يانيكوفيج، وواقعا يبقى هذا سؤالا مجهولا ومحيرا ، وسيكشفه المستقبل ايضا ، فمن المنطق انه لو انتظر حتى انضاج ظروف ولادة واعلان هذا القطب الجديد ، لمر دون حروب ، القطب الذي عمل عليه الرئيس بوتين لأعوام طوال، وهو ما اريد استعراضه لفهم الابعاد الدولية لهذه الحرب. 
    منذ توليه الرئاسة ثانية،عام 2012, وحتى قبلها ، كانت جهود الرئيس بوتين في المنحى الداخلي ، كما في الدولي، تصب في استرجاع روسيا لمجدها القومي وقوتها ، وهو يعرف ان هذا لن يتم من خلال اوربة روسيا ، مثل انضمامها للاتحاد الاوربي ،حيث يصبح حالها حال بلغاريا او بولندا مثلا، وهذه اهانة وما بعدها من اهانة لروسيا وتاريخها وامجادها، امر مفروغ منه (وليس كما يدعي الرئيس بوتين انه اراد الانضمام ، ولم يؤخذ برغبته، بل لتبرير توجهه القومي ان اوربا لاترحب بروسيا). ان تطور روسيا كقوة قومية قائمة بذاتها في اوربا لا تزعج احدا البتة ولن يجعلها قطبا دوليا قطعا ، صحيح انها لاعبا دوليا هاما بلاشك، ولكنه محدودا داخل حدوده ومصالحه ، وهو امر سيادي مألوف في دول عديدة ، كالصين والهند مثلا، ولكن المشكلة انه لايسترجع روسيا امبراطورية ، كما يخطط ويطمح اليه الرئيس بوتين ومعه ساسة ومفكرين قوميين وقادة الجيش ،ممن نشأوا عندما كان الاتحاد السوفياتي  يمثل نصف الدنيا. 
    ان القطب ، كما نحن  وهم جميعا يعرفون ، يقوم اقلها على ثلاثة اسس ، القدرة والطاقة العسكرية لقوة عظمى، وهو متوفر لدى روسيا موروثا من الاتحاد السوفياتي، والثاني القوة الاقتصادية ، وهو امر ربما اعتقده ممكنا الوصول اليه في حسن ادارة الموارد الطبيعية والبشرية والعلمية الهائلة في روسيا ، انها مسألة وقت لاغير، وفعلا استطاع الرئيس بوتين احراز نجاحات كبيرة وأعاد سيطرة الدولة على النفط والغاز والمناجم والمصانع الاستراتيجية من الاوليغارخ والغير موالين لنهجه ووضع اركانه عليها. ولكن الاهم بينها جميعا هو غياب العقيدة التي سيقوم عليها القطب الدولي الجديد. وما دام هو يعمل لاعادة مجد روسيا القومي فحوله زبائن ورفاق كثار ومهمين يسعون لبناء دولا قومية قوية ومتمكنة ، منهم في اوربا واخرين في اسيا وحتى امريكا وامريكا اللاتينية ، ماذا لو تم جمعهم تحت هذه المظلة ، مظلة المصالح القومية العظمى لكل منهم، ويتم التفاهم على نقاط اللقاء، وتكوين كتلة قومية لمواجهة خطر الليبرالية التي تهدم المثل القومية وتقاليد الدين والمجتمعات ، كما يمثلها الاتحاد الاوربي مثلا والغرب عموما. وفعلا توالت نجاحات الرئيس بوتين ، وبدأ من كل بستان زهرة وجمع من خمسة قارات خمسة كبار ، واعلنت رسميا عام 2014 مجموعة بريكس ( BRICS ) ,   Brazil, Russia, India, China, South Africa                                                             , ورشحت تركيا عام 2018 لتسمى مستقبلا مجموعة BRICST ، كما ودعيت ايران مراقبا تمهيدا لضمها ايضا مستقبلا ( بعد توقيع الاتفاق النووي ورفع العقوبات الدولية ) لتصبح  BRICSTI. وتوالت انتصارات متتالية للقوميين هذه المرة في نفس اميركا بوصول الرئيس القومي اليميني ترامب للسلطة ( ولكن بقيت تطارده تهمة الولاء للبوتينية من الرأي العام والصحافة والأعلام مما حمله على حماقات لأظهار عدم ولائه )، وبعدها انتصار الرئيس الفاشي بولسينارو في البرازيل، وتلتها انتصارات للقوميين في اهم بلدان اوربا ، كحركة البديل التي صعدت الى المركز الثالث في الرايخستاغ في الانتخابات الاخيرة، ومثلها اليمين القومي الفرنسي بحصول ماري  لو بان على 42 بالمئة من الاصوات في انتخابات الرئاسة الاخيرة، وصعد اليمين لأول مرة في تاريخ السويد ، وقبلها في الجيك والمجر، وكان اخرها في ايطاليا ، وستليها اسبانيا . لقد بدأت دعوات بوتين للتحرر من الانظمة الليبرالية تأتي ثمارها ،و بدأت بذور العقيدة القومية اليمينية تأتي ثمارها تدريجيا ، ومن داخل الاتحاد الاوربي هذه المرة ، ويعتقد الكثيرين انه لو انتظر بوتين لسنوات قليلة لأستطاع فعلا تكوين كتلة كبيرة وقوية من انظمة قومية يمينية تعمل على تقليم اظافر، وانهاء سيطرة الليبرالية السياسية داخل معظم دول اوربا، ومنها لتمكن الرئيس بوتين ، ربما تحقيق نظرية المحاور الخمسة ضمن الجيوسياسية لروسيا كمركز ، وفق الكسندر دوغين، في اتجاه كل من المانيا وفرنسا في الغرب  ، والصين والهند في الشرق ، وتركيا وايران في الجنوب ، اي خمسة امبراطوريات ، كل منها يسترجع امجاده التاريخية والقومية مع الحق في استرجاع النفوذ وحتى السيطرة على الدول الصغيرة المحيطة بها التي كانت يوما ما في عدادها.  ( وفق طرح دوغين ، او فهمي له، مثلا المانيا  تهيمن على اسكندنافيا والنرويج اضافة للنمسا وممتلكاتها السابقة  كوحدة قومية متميزة ذات اصول جرمانية دقيقة ، ولفرنسا اللاتين اينما كانوا سواء في ايطاليا واسبانيا وحتى رومانيا يعطيها لهم مجانا، وروسيا حقوقها حتى صربيا وبلغاريا واليونان والعالم الارثذوكسي ، وتركيا لها العرب المسلمين حتى ليبيا ، وايران على الشيعة اينما وجدوا حتى البحرين وجنوب لبنان واليمن، وهكذا ، والا فلا يستقيم العالم امام الهجوم الالحادي واللااخلاقي لليبرالية في العالم، وهكذا مثله يقوم اتحاد قومي للاتين في امريكا الجنوبية ، ويتوسط بوتين لوقف الهجرة لامريكا ومنه ترامب او شبيهه سيكون ممتنا له، ومثله يتوسط مع اردوغان لضبط حدوده مع اوربا والجميع ممتنون بالطبع اوربا ، ومنه تفاهم مع الجميع من اردوغان واية الله وانتهاء بالرئيسة الفرنسية ماري لوبان وامبراطور المانيا الذي كان مختفيا وتم الكشف عنه مؤخرا ).
    لا احد يعلم مالذي دفع بوتين للاستعجال وشن غزوه المفاجئ على اوكرانيا، وكأن ساعة العمل الثوري قد حانت، وهي لم تحن بعد، خصوصا وان نجاحاته وفق رؤيته للعالم كانت تسير على ما يشتهيه. يعتقد البعض انها ربما كانت تسير ببطء ، أوأن خسارة ترامب في الانتخابات الاميركية ، وخسارة الاتحاد المسيحي في المانيا ، دفعته للاعتقاد بانه حان موعد فعل جدي على الارض ، ولكني لا اميل لذلك ، مع كثيرين ، اذ انه كان واقعا تحت اغراء انجاز انتصار سريع في اوكرانيا ليعزز مواقعه امام رفاقه  بدء من اردوغان الى مودي وتشي جين بينغ وماري لو بان وكذلك بولسينارنو البرازيلي ، رفاق تحرير الانسانية من مرض الليبرالية) . 
    كشفت الحرب الروسية الاوكرانية للعالم عدة امور ، منها الخطر الحادق في العالم من التراجع العام عن الليبرالية السياسية والاجتماعية التي توطدت بقيام الاتحاد الاوربي وقوانينه وتشريعاته الليبرالية، وكبديل التوجه للفكر القومي اليميني، على المستوى الاوربي على الاقل، حيث بدأ يسود التذمر من سياسات الهجرة تحت النظم والتشريعات الليبرالية. وكذلك اوضحت خطر تصاعد الفكر القومي الديني  التوسعي لأردوغان واية الله على منطقتنا العربية ، ولعل توجه انظمة مثل السعودية والامارات الى كل من الصين وروسيا هو لقرائتها المستقبلية ان الحلف القومي الدولي قادم دون شك، ولابد من مد خطوط احتياط، بل وانها تنبذ الليبرالية اساسا الغريبة عن قيمها ، فبوتين وبينغ لايتدخل مثل امريكا لاقرار حقوق النسوان مثلا، اما اية الله فهو سبق واسقط ومنذ زمن بعيد مقولة الشيطان الاصغر بل يرى ان بوتين يتفهم الهامهم التاريخي واذا حصلوا على مغنمتهم وحقوقهم فسيكون بوتين وسيطا مع صديقه الاقرب ناتنياهو . انه سيكون المركز للتحكيم ، ولكل ذي حق حقه ، ولكل امبراطورية حقوقها.
    ان احدى نتائج الحرب الروسية الاوكرانية ربما سيكون تأخير ولادة هذا التكتل القومي لمحاربة التكتل الليبرالي الحاكم في اوربا، والصاعد في العالم. وبفشل حربه في اوكرانيا ستفشل ربما معه نظرية المحاور الخمسة ، وربما سيتم الاكتفاء بنظم قومية تحكم اربعة سنوات وتنقلب عليها الاية لليسار الليبرالي،وهكذا ، اي من دون امبراطوريات ، فالهلع والخوف قد انتشر في اوربا والعالم من نتائج هذه الحرب ، التي اساء الرئيس بوتين توقيتها على مايبدو. 
    وبالنسبة للمنطقة العربية ربما سيكون تراجع بوتين بعد اية تسوية يتم التوصل اليها سببا في تحجيم الطموحات التركية والايرانية في المنطقة ، ربما سيكون العالم العربي تحت مظلة عربية سعودية لفترة ، لحين استرجاع مصر وسوريا ولبنان والعراق لعافيتها من جديد بدخول الليبرالية السياسية والاقتصادية اليها، وهو امر وارد جدا ، ورغم انه يبدو امرا صعبا اليوم، ولكنه سيحدث عاجلا ام اجلا، لأسباب يمكن تناولها في بحث اخر. ان فشل هذه الحرب في تحقيق اهداف بوتين سيجعل كل شيئ متحرك وقابل للتغيير، ولكن من دون امبراطوريات عصملية او ولائية كما اعتقد.

    15/01/2022

    © 2005 - 2023 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media